نُشر المقال لأول مرة يناير 2025
لقد كان الجنوب العالمي — في خلال العقدين الأخيرين — من أكبر المنتفعين بما أصاب ميزان القوى الدولية من تحول واضطراب. فقد أتاح تصاعد شأن الاقتصادات الناهضة، ونهوض الصين حتى قاربت منزلة العظمى، وما نشأ بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من توتر، وما احتدم بين الكبار من تنافس، لهذه الأمم مجالاً أوسع للحركة، ونفوذاً لم تكن تملكه من قبل. فأخذت تنشأ الحلفاء الجدد، كـ«بريكس» التي جمعت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وشدت من أزر التكتلات الإقليمية، كالذي صنعه الاتحاد الأفريقي، ثم رفعت صوتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة رفعاً لم يكن مألوفاً. ومن ريادتها في اتفاق باريس للمناخ، إلى لجوئها إلى محكمة العدل الدولية في شأن إسرائيل، بدا الجنوب العالمي — وهو هذا الجمع الواسع من الأمم الخارجة من إرث الاستعمار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط — أشد استعداداً لمنازعة الهيمنة الغربية، وأقوى عزماً على أن يعيد للنظام العالمي بعض تعريفه وبعض رسمه.
وقد يتهيأ للناظر أن سياسة تقوم على شعار «أمريكا أولاً» ستعرض هذه المكاسب للضياع أو النقص. فقد وعد دونالد ترامب، في حملته، أن يضرب هذه البلدان من حيث يشتد وقع الضرب: يرفع الرسوم الجمركية فيخنق الصادرات، ويجعل الترحيل الجماعي للمهاجرين أمراً مألوفاً، وهؤلاء المهاجرون مورد عظيم لاقتصادات كثيرة بما يرسلون من تحويلات، وينسحب من الاتفاقات البيئية التي تمد المتضررين من أزمة المناخ بشيء من العون. ثم إن ما اقترحه من سياسة اقتصادية قد يورث تضخماً داخلياً، ثم يفيض أثره على العالم، فترتفع الفائدة، ويشتد عبء الدين على أمم أثقلها الدين من قبل. وليس بعيداً أن يجعل عداؤه للصين من العسير على بكين أن تبقى السوق البديلة والمستثمر الواسع الذي اعتمدت عليه بلدان كثيرة.
ولكن القصة — إذا نظرنا إليها من بعيد — ليست قصة خوف وحده، بل هي أيضاً قصة فرصة. فترامب، وإن قل اكتراثه بالعالم غير الغربي، بل وإن بدا منه ازدراء له في كثير من الأحيان، قد يكون عوده باعثاً لهذه الأمم على أن تنهض إلى مصالحها بنفسها. فإن خصومته لبعض الأعراف الدولية قد تدفعها إلى مزيد من التضامن، كما أن ميله إلى المساومة والمفاصلة قد يتيح لها أن توازن بين القوى العظمى، وأن تحمل بعضها على بعض.
فإن انتهى به الأمر إلى استمالة روسيا ليصرفها عن الصين، كان ذلك إقراراً ضمنياً بأن العالم قد غدا متعدد الأقطاب، وهو الإدراك الذي سبق الجنوب العالمي إلى الأخذ به. وكثير من حكومات الجنوب العالمي ترى في خروجه على تقليد السياسة الأمريكية الذي تلتحف فيه الأممية الليبرالية ستراً لأغراضها، شيئاً من الصراحة التي لا تخلو من راحة. فقد زعمت هذه الأممية أنها تجعل العالم «آمناً للديمقراطية»، ثم لم تلبث أن أقامت للأوروبيين معياراً، ولسائر الأمم معياراً آخر. أما ترامب فإنه يستأنف تقليداً آخر، هو تقليد «دبلوماسية الدولار» التي انتهجها وليم تافت، حيث تُستعمل القوة الاقتصادية بغير هذا الادعاء الأخلاقي المزين. وكلا النهجين سعي إلى تثبيت الهيمنة الأمريكية، غير أن أحدهما يتخفى بلباس الفضيلة، والآخر يمضي مكشوف الوجه. ومن أجل ذلك قد ترى بعض الأمم النامية في هذه البراغماتية الصريحة نسمة هواء جديد، وفرصة لتأكيد مصالحها، مهما يكن قصد واشنطن ومهما يكن مآلها.
مراحل تأرجح البندول
والجنوب العالمي ليس جسماً واحداً بسيطاً، بل هو عالم من التنوع والاختلاف. ففيه من الأمم ما يملك الثروة والسطوة، وفيه من لا يملك إلا القليل. ومصالح البرازيل ليست كمصالح النيجر، ولا حاجات هذه كهواجس تلك. وليس كل بلد فيه يسير الوجهة نفسها؛ فإندونيسيا، مثلاً، تأبى أن تنحاز كليةً إلى الصين أو الولايات المتحدة، في حين أن الأرجنتين، في عهد خافيير مايلي المعجب بترامب، أخذت تميل شيئاً فشيئاً إلى المواقف الأمريكية. أما الهند، فإنها توازن بين تضامنها القديم مع الأمم الخارجة من الاستعمار، وطموحها إلى منزلة عسكرية كبرى في المعسكر الأمريكي على نحو فضفاض، وهو ما أثقل وزنها في ميزان السياسة العالمية، وجعلها ثقلاً يوازن الصين.
ومع هذا التفاوت كله، فقد استطاع الجنوب العالمي، خلال العقود الماضية، أن يصوغ أحلافاً فعالة، وأن يغير شيئاً من القواعد التي طالما وضعت لخدمة الأقوياء. وقد اجتمعت أممه أكثر من مرة لتجعل القانون الدولي أقرب إلى العدل وأبعد عن الجور. ففي منتصف القرن العشرين، وتحت لواء حركة عدم الانحياز، نهض هذا الجنوب مناضلاً لتقويض الإرث الإمبريالي الغربي، داعياً إلى السيادة، والمساواة بين الأجناس، والعدل الاقتصادي، والتحرر الثقافي من سلطان الغرب. ثم ما لبث، في سبعينيات القرن، أن انتظم في جماعات شتى، منها مجموعة السبعة والسبعين، فأحرز انتصارات لا تنكر: ثُبّت مبدأ إنهاء الاستعمار في القانون الدولي، ورسخ مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول المستقلة حتى غدا قاعدة معترفاً بها. واستعملت منظمات، كـ«أوبك»، سلطانها الاقتصادي لتؤكد سيطرة غير غربية على الموارد الطبيعية. ثم أخذ أثر الجنوب يمتد إلى قضايا الانتشار النووي، والتجارة، والطاقة، والبيئة، حتى أدخل في صلب القانون الدولي فكرة العدالة التوزيعية، تعويضاً لأمم خرجت من محنة الاستعمار مثقلة بالجراح.
انظر إلى نظام منع الانتشار النووي في العالم، فإنك ترى صورةً واضحةً لما كان عليه أمر السياسة الدولية في ستينيات القرن العشرين. فقد تواطأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يومئذٍ على أن يحولا بين الأمم وبين انتشار السلاح النووي، وأن يحجرا على الناس ما اتصل به من المعرفة التقنية، ابتغاء الحد من هذا الانتشار وكفِّ خطره. ولكن هذا التواطؤ لم يرضَ عنه كثير من بلدان الجنوب العالمي، إذ كانت هذه البلدان تطمح إلى نصيب أوفر من التقنية النووية السلمية، وكانت تخشى أن يؤدي اتفاق القوتين العظميين إلى تثبيت السلاح النووي في أيدي من امتلكوه، حتى يصبح نزعه في مستقبل الأيام أمراً عسيراً، أو مستحيلاً. فاجتمعت هذه الدول، وتماسكت إرادتها، وأخذت تفاوض في صرامةٍ وإلحاح، حتى انتزعت من القوتين تسويةً لم تكن يسيرة المنال. وهكذا جاءت معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية سنة 1968؛ وهي، وإن بقيت تميل إلى صالح الدول التي امتلكت السلاح من قبل، قد تضمنت مع ذلك أحكاماً تدعو الأقوياء إلى نزع السلاح، وتفتح للضعفاء أبواب الانتفاع بالطاقة النووية في وجوهها السلمية.
ولم تخلُ المسيرة من نكساتٍ وانتكاسات. ففي أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، نظرت الولايات المتحدة إلى الجنوب العالمي نظرة من يراه قد جاوز حدَّه، وأرادت له أن يخضع لإصلاحاتٍ داخلية تُلائمه مع نظام ليبرالي تتصدره هي وتدبّر أمره. ففرض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي برامج التكييف الهيكلي، بما حملته من تقشف ورفعٍ للقيود المالية، وجعلت الولايات المتحدة من قوانينها المحلية أداة ضغط على غيرها، ولا سيما عبر اشتراطات القسم 301 من قانون التجارة لعام 1974، حتى تحمل هذه الدول على تفكيك تعريفاتها الجمركية وإعاناتها الحمائية. غير أن العولمة، التي حسبها قوم أداةً للضبط والإخضاع، مضت تكشف عن وجوه لم تكن متوقعة؛ فقد ولّدت ثروةً جديدة في كثير من الأمم الخارجة من الاستعمار، ودفعت الصين إلى مصاف القوى الصاعدة، وأيقظت حركاتٍ عابرة للحدود وقوية الأثر، كالإسلام السياسي. ثم إنها، وإن دفعت إلى موجة من الدمقرطة في العالم النامي، لم تكن نتائجها دائماً مما يرضي الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين.
ثم جاء عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ففتح أمام الجنوب العالمي أبواباً جديدة للفرص. ذلك أن الخطاب الذي دار حول ما سُمّي بالنظام الدولي الليبرالي كان يخاطب فكرة عالم مترابط، يتوزع فيه الازدهار على نحوٍ أكثر عدلاً، فلا يُقصى عنه النامون والمتأخرون. ولم يكن كلينتون منزهاً عن انتهاك هذه المبادئ؛ فقد تجاهل مجلس الأمن حين شن الناتو تدخله في كوسوفو سنة 1999، وأقر قانون هيلمز-بورتون سنة 1996 لمعاقبة الشركات الأجنبية التي تتعامل مع كوبا، وإن كانت أعمالها مشروعةً في أوطانها ومباحةً في نظر منظمة التجارة العالمية.
ولكن تشديد كلينتون على «نظام قائم على القواعد» أتاح لبلدان الجنوب العالمي أن تستخدم المؤسسات الدولية لمصلحتها الخاصة. فقد أصبحت منظمة التجارة العالمية منبراً تفاوض عليه البلدان النامية صفقاتٍ أكثر إنصافاً، بل أمكنها أن تتحدى الاقتصادات الأقوى عبر القانون، فاقتربت الفرص من شيء من التكافؤ. وألقى المؤتمر العالمي للمرأة في بكين سنة 1995 ضوءاً قوياً على قضايا النوع الاجتماعي، فبدأ عصر من التغيير التقدمي في العالم النامي، مدعوماً بحشد التأييد الدولي لمبادرات المساواة بين الجنسين، وضاغطاً على الحكومات لتكفل حقوق المرأة على نحوٍ أوسع وأمتن. ثم جاء بروتوكول كيوتو لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، فأنشأ آليةً تُمكّن البلدان النامية من أن تتلقى الدعم المالي والتقني لسياساتها البيئية، في الوقت الذي تُحاسب فيه الدول الصناعية على إخفاقها في الحد من انبعاثات الكربون. وأصلح البنك الدولي نفسه، فصار يقدّم الأولوية لبرامج تقليل الفقر وتعزيز التنمية المستدامة في الجنوب العالمي. وهكذا أتاح هذا العالم المؤسسي، على ما فيه من عيوب، للبلدان النامية أن تحاسب القوى الكبرى، وأن تنتزع منها تنازلات ذات معنى عبر الآليات متعددة الأطراف.
ثم تأرجح البندول مرةً أخرى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أنه «لا توجد قواعد». وكان هذا الإعلان إيذاناً بعصرٍ من استخدام القوة بلا قيد، في أفغانستان والعراق وغيرهما، ترتب عليه موت الملايين من البشر في الجنوب العالمي، موتاً مباشراً أو غير مباشر. وعُذّب محتجزون من هذه البلدان في منشآت سرية، وأصبح المسلمون ودينهم في كثير من المجتمعات الغربية موضع ريبةٍ وتمييز. ثم جاءت عقيدة «مسؤولية الحماية»، التي أقرت التدخل لمنع الفظائع الكبرى، فإذا هي تُستخدم ذريعةً لانتهاك السيادة الوطنية، كما وقع في الهجوم الذي قاده الناتو على ليبيا سنة 2011، والذي بدا مدفوعاً بالمصلحة الاستراتيجية أكثر مما كان مدفوعاً بالحرص على رفاه الناس. ثم مضى الرئيس باراك أوباما يتحدى القانون الدولي، فجعل اليمن ميداناً لحرب الطائرات المسيّرة، حتى انزلقت الدولة الهشة إلى الفوضى. وأورث هذا التدخل اضطراباً واسعاً، ودفع إلى موجات من الهجرة الجماعية من أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا، ولا سيما أثناء الحرب الأهلية السورية في العقد الثاني من هذا القرن.
ثم جاءت الأزمة المالية سنة 2008، فأجبرت البندول على أن يرتد في الاتجاه الآخر. فقد وجهت إلى الغرب ضربةً قاسية، كشفت ما تراكم في أركان النظام الدولي الليبرالي من عفنٍ وخلل. ولأول مرة منذ عقود، وجد الغرب نفسه محتاجاً إلى الجنوب العالمي. وحلّت مجموعة العشرين، التي ضمت الاقتصادات الصاعدة كالبرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا إلى جانب القوى الغربية التقليدية، محل مجموعة السبع بوصفها المنتدى الرئيس للحوكمة الاقتصادية العالمية. وربحت الدول غير الغربية صوتاً أوسع في رسم خطط التعافي، من إجراءات التحفيز المنسقة إلى إصلاحات الحوكمة المالية. وتولت مجموعة العشرين الإشراف على توسيع التمثيل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بحيث شمل أصواتاً أكثر من الاقتصادات الصاعدة. وفي الوقت نفسه، غدت مؤسسات غير غربية — كالاتحاد الأفريقي، وبريكس، وأوبك+، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية بقيادة الصين — ساحات نابضةً بالحياة، يتحرك فيها الجنوب العالمي حركة الفاعل الذي يدرك قوته ويُحسن استخدامها.
لقد كان وصولُ ترامب إلى البيت الأبيض سنةَ 2017 حدثًا لم يقف أثرُه عند حدّ السياسة الأمريكية الداخلية، ولم يقتصر خطرُه على حدود الدولة التي جلس على عرشها، وإنما تجاوز ذلك كله إلى الجنوب العالمي، فعطّل من مسيرته، وأبطأ من تقدّمه، وردّه إلى شيءٍ من التردد بعد أن كان قد أخذ يخطو نحو استقلالٍ أوسع ونفوذٍ أشدّ رسوخًا. ولم يكن هذا البطء وليد المصادفة، ولا ثمرة حادثٍ عابر، وإنما نشأ عن سياسةٍ اتخذت من المؤسسات الدولية موضعَ ريبةٍ واستخفاف، فأضعفت منظمة الصحة العالمية إبّان جائحة كوفيد-19، وانسحبت من اتفاق باريس للمناخ، وضربت بقواعد التجارة العالمية عرض الحائط حين فرضت الرسوم الجمركية فرضًا منفردًا خارج إطار منظمة التجارة العالمية.
وكانت هذه المؤسسات، على ضعفها وما يعتريها من قصور، قد أتاحت للجنوب العالمي شيئًا من الوقاية، وضمنت له قدرًا — ولو يسيرًا — من الحماية. فلما هُزّت أركانها، تُركت الدول الضعيفة نهبًا لقانون القوة، لا يرد عنها عادٍ، ولا يدفع عنها باغيًا. ولقد تجلّى هذا أظهر ما يكون سنةَ 2020، حين أعلنت إدارة ترامب نيتها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، فجمّدت التمويل الأمريكي لبرامج أساسية في أفريقيا، وقوّضت الجهود المبذولة لمحاربة شلل الأطفال والملاريا، و أصحبت حياة الشعوب الضعيفة أمرٌ هيّنٌ يُتخذ فيه القرار على مائدة السياسة كما تُتخذ القرارات في شؤون المال والتجارة.
ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن استخفاف ترامب بالمؤسسات الدولية قد أضعف قدرة بلدان الجنوب على التأثير في الحوكمة العالمية، وقلّص ما كانت تملكه من نفوذٍ تفاوضيّ اكتسبته بشق الأنفس خلال العقود السابقة. ثم جاءت شيطنته للمهاجرين غير البيض القادمين من بلدان الجنوب، فألهبت نار الانقسام، وأذكت العصبية العنصرية، وبثّت كراهية الأجانب بثًّا جاوز حدود الولايات المتحدة، وامتد صداه إلى أنحاء كثيرة من العالم.
ولما خلفه بايدن، لم يكن التغيير من العمق بحيث يُحدث انقلابًا حقيقيًا في هذا المسار. فقد بدا، في كثير من المواضع، وكأنه يعكس صورة سلفه في مرآةٍ أقل خشونةً، ولكنه لا يبرأ من الأصل الذي انعكست عنه الصورة. ففي التجارة، حافظ على معظم ما سنّه ترامب من توجهات حمائية، وإن بدا أقل صخبًا في الإعلان عنها. وفي الهجرة، خفّف شيئًا من حدّة الموقف في بداية ولايته، ثم عاد في نصفها الثاني إلى التشدد نفسه، فضرورات الداخل الأمريكي قد غلبت ما كان يعلنه من مبادئ.
أما عودته إلى اتفاق باريس، فقد حملت في ظاهرها بشرى، ولكن باطنها لم يخلُ من مأخذ. فالتشريعات التي صاغها لمواجهة تغير المناخ، وفي مقدمتها قانون خفض التضخم، قد تتحول إلى صورة جديدة من صور الحمائية الاقتصادية، تجعل انتقال بلدان الجنوب إلى الاقتصاد الأخضر أشق وأعسر، بدل أن يكون أيسر وأقوم.
ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتجه أنظار كثيرٍ من البلدان النامية إلى الصين، وأن ترى فيها سندًا بديلًا، أو على الأقل شريكًا يتيح لها بعض المناورة بين القوى الكبرى. فالصين التي خرجت في نصف قرن من ضيق الفقر إلى سعة القوة، تملك من التجربة ما يجعل خطابها مفهومًا لحكومات الجنوب وشعوبه. وقد موّلت هذه البلدان تمويلًا واسعًا، وقايضت القروض والاستثمارات بالمواد الخام والطاقة والموانئ، تغذي بذلك نموها السريع وتوثق صلاتها بهذه البلدان.
ثم إنها أحسنت استغلال أخطاء واشنطن التي صنعتها بيدها؛ من غزو العراق الكارثي سنةَ 2003، إلى ازدراء ترامب للاتفاقات الدولية. فدخلت بكين إلى المؤسسات متعددة الأطراف لاعبًا رئيسًا، وقدمت نفسها ممثلًا لمصالح العالم النامي، مدعيةً أنها تنطق بما تعجز عنه عواصم الجنوب المتفرقة.
ولكن القوة، شأنها شأن النار، إذا اشتد أوارها أحرقت من حولها. فالصين، كلما ازدادت سلطانًا، أخذت تعامل شركاءها لا معاملة الندّ للندّ، بل معاملة السيد لمن دونه. وكثيرون يرون في سلوكها ملامح استعمارٍ جديد؛ في شروطها الصارمة للتجارة والاستثمار، وفي دبلوماسيتها الغليظة عبر أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. وفي تلك الأنحاء نفسها بدأت دولٌ كإندونيسيا والفلبين وفيتنام تشعر بأن الصين لم تعد شريكًا يسعى إلى التوازن، بل قوةً تطمح إلى الهيمنة.
بل إن القلق تسلل إلى داخل بريكس نفسها، وقد تجاوزت اليوم أعضاءها المؤسسين؛ إذ يخشى بعض المنتسبين إليها أن تكون الصين قد جعلت منها أداةً لبسط نفوذها، لا منبرًا حقيقيًا للعمل الجماعي الذي يخدم مصالح البلدان النامية جميعًا. ومن ثم فإن عودة ترامب، لن تجعل موازنة الصين بالولايات المتحدة أيسر على الجنوب العالمي؛ بل إن حمائيته التجارية ستزيد المشقة على هذه البلدان من كل وجه.
أوهام الهيمنة
كثير من الناس يظنون أن وعود ترامب الانتخابية في التجارة والمناخ والهجرة والضرائب تدل على نزوعٍ إلى الانعزال والانكفاء. ولكن الجنوب العالمي يقرأ هذه الوعود قراءةً أخرى؛ فهو لا يرى فيها انسحابًا، بل يرى فيها إصرارًا على إعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية في صورةٍ جديدة. فعندما يهدد ترامب بالانسحاب من الاتفاقات الدولية، فهو لا يقول إنه سيترك العالم وشأنه، وإنما يقول إن الولايات المتحدة قادرة على أن تمضي وحدها، وعلى الآخرين أن يتبعوها إن أرادوا السلامة.
وحين يشيع الشك في مصداقية الالتزامات الأمريكية، فإنه يحمل الدول على أن تتقارب مع واشنطن مخافة أن تُترك وحدها في عالمٍ مضطرب. ثم إن تخفيضاته الضريبية ورسومه الجمركية المقترحة لا بد أن تؤدي إلى تأجيج التضخم في الداخل الأمريكي، فيرتفع سعر الفائدة، وترتفع معه كلفة الاقتراض عالميًا، ولا سيما على البلدان المثقلة بالديون.
وعندئذٍ يهرب المستثمرون من الأسواق الصاعدة إلى الولايات المتحدة طلبًا للعوائد الآمنة، فتضعف العملات المحلية، وترتفع كلفة الواردات، ويتفاقم التضخم، وتتراجع القدرة الإنتاجية في كثيرٍ من البلدان النامية. وهكذا لا تكون هذه السياسة عزلةً كما يتوهم البعض، وإنما تكون ضربًا من التحريفية المحسوبة، غايتها أن تستعيد الولايات المتحدة صدارةً تشعر بأنها بدأت تفلت من قبضتها.
ولذلك لن يكون أمام قادة الجنوب العالمي مناصٌ من أن يلتمسوا السبل لتحصين أوطانهم من هذه النتائج. وليسوا اليوم كما كانوا بالأمس؛ فإن الجماهير في هذه البلدان أشد وعيًا، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأقدر على المطالبة بحقوقها. وقد استفادت الطبقات الفقيرة والوسطى في أنحاء كثيرة من الجنوب من ثمار العولمة التي يهددها هذا التحول، ولن ترضى بأن تُنتزع منها في صمت.
ومن ثم فإنها ستنتظر من قادتها أن يصمدوا، وأن يحسنوا الدفاع عن مصالحها، وأن يعرفوا كيف يصنعون لأنفسهم موضعًا كريمًا في عالمٍ لا يرحم الضعفاء إلا إذا عرفوا كيف يفرضون احترامهم على الأقوياء.
ستظل حكوماتٌ كثيرةٌ من حكومات الجنوب العالمي ماضيةً في التماس السبل التي تخلصها من سلطان العملة الأمريكية، وستظل تنظر في الوسائل التي تتيح لها أن تتحرر، ولو قليلًا، من هذه القبضة التي أحكمتها واشنطن على الاقتصاد العالمي منذ عقود. وستجرب أنظمة دفعٍ لا يكون الدولار عمادها، وستسعى إلى العملات الرقمية، وإلى صورٍ من المبادلات التجارية تُجرى بالعملات المحلية، لعلها بذلك تُضعف قدرة البيت الأبيض على إخضاع الخصوم بالعقوبات والقيود وسائر أدوات الإكراه الاقتصادي.
ولن تقف هذه الحكومات عند هذا الحد، بل ستبحث عن طرائق جديدة، فيها شيء من الابتكار وشيء من الحيلة السياسية، لتحفظ بها انسياب التجارة الدولية، وتتجنب بها القيود التي قد تفرضها الإدارة الأمريكية المقبلة. ولقد أحس ترامب بهذا الميل قبل أن يستوي أمره السياسي، فبادر في نوفمبر إلى التهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متوعدًا دول بريكس برسومٍ جمركية تبلغ مائةً في المائة إن هي فكرت في عملةٍ بديلةٍ تحل محل الدولار الذي وصفه بالقوي.
وإذا مضى ترامب فيما لوّح به من الترحيل الجماعي، فلن يكون أثر ذلك قاصرًا على من يُرحَّلون أو على الاقتصاد الأمريكي وحده، وإنما سيمتد ليصيب صورة الولايات المتحدة نفسها في كثيرٍ من أنحاء الجنوب العالمي. ذلك أن هذه السياسة ستؤكد في أذهان الملايين ما يعتقدونه أصلًا: أن الرجل يضمر ازدراءً عميقًا للعالم غير الغربي، وأنه لا يرى في شعوبه إلا عبئًا أو خطرًا أو فائضًا بشريًا ينبغي إقصاؤه.
ومن شأن هذا أن يوسع الهوة بين الشمال والجنوب حول مسائل العرق والاختلاف الثقافي، وأن يرهق علاقات الغرب الدبلوماسية مع أمم أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وأن يبعث في هذه المجتمعات شعورًا متزايدًا بأن الغرب، مهما تزين بشعارات الحرية والمساواة، لا يزال يضمر منطق التفوق العرقي القديم. وليس بعيدًا أن ينعكس ذلك على الداخل الأمريكي نفسه، فيزيد الشقاق بين الجماعات، ويعمق النزاع حول الهجرة والهوية، ويقوض ما بقي للولايات المتحدة من سلطةٍ أخلاقيةٍ على المسرح العالمي.
ومن القضايا التي أجمعت حولها بلدان الجنوب العالمي، أو كادت، القضية الفلسطينية. فقد اتخذت جنوب أفريقيا، مثلًا، خطواتٍ قانونية للطعن في أفعال إسرائيل في غزة أمام محكمة العدل الدولية، متهمةً إياها بارتكاب أفعالٍ ترقى إلى الإبادة الجماعية. ولم يكن هذا التحرك في نظر كثيرٍ من حكومات الجنوب مجرد إجراءٍ قانوني، وإنما كان رمزًا لرفض نفاقٍ غربيٍّ طال أمده.
فهذه الحكومات ترى الغرب صاخبًا في إدانة العدوان الروسي وقتل المدنيين في أوكرانيا، ثم تراه صامتًا، أو متسامحًا، حين يتعلق الأمر بقتل الفلسطينيين واللبنانيين على يد إسرائيل. وهذا التفاوت الصارخ قد عمق الشكوك في الجنوب العالمي تجاه ما يسمى حياد النظام الدولي الليبرالي، وجعل كثيرين يرون في مأساة الفلسطينيين صورةً مكثفةً لاختلال النظام الدولي نفسه، ورمزًا حيًا لعمل إنهاء الاستعمار الذي لم يكتمل بعد.
ولهذا ستظل هذه القضية موضع اشتعال، وستظل عنوانًا للتوتر القائم بين الغرب والعالم غير الغربي. وحتى لو منح ترامب إسرائيل حريةً أوسع لتحقيق مطامحها، فإن بلدان الجنوب لن تكف عن استخدام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والقانون الدولي، وسائر المنابر المتاحة، لتحدي إسرائيل والولايات المتحدة معًا.
أما في شأن المناخ، فإن نهج ترامب يحمل في طياته ما يشجع جماعات المصالح المرتبطة بالصناعات عالية الكربون واستخراج الوقود الأحفوري في بلدان الجنوب العالمي. وسيؤدي هذا إلى تحويل ميزان القوى المحلي بعيدًا عن أنصار الانتقال الأخضر، وإلى تمكين أولئك الذين يرون في الإصلاح البيئي خطرًا على مكاسبهم القريبة.
وهؤلاء لن يترددوا في مقاومة الإصلاحات الضرورية، وسيجعلون الانتقال الأخضر أبطأ وأعلى كلفة. وقد تشجع لا مبالاة ترامب النسبية تجاه المناخ الحطابين ومربي الماشية وعمال المناجم في أنحاء شتى من العالم، فيتسارع اقتلاع الغابات، وتتوسع الزراعة غير المستدامة، ويشتد اختلال المناخ، ويُهدَّد الأمن الغذائي العالمي نتيجة اضطراب النظم البيئية وتراجع المحاصيل في الجنوب كما في الشمال.
ومع ذلك، فقد تأتي لسياسة ترامب الخارجية عواقب لم تخطر حتى لأصحابها. فقد تسعى هذه السياسة إلى إعادة فرض الصدارة الأمريكية، ثم تنتهي — على غير قصد — إلى الاعتراف بأن العالم قد تغير، وأن موازينه لم تعد كما كانت.
فإذا خفف ترامب التوتر مع روسيا، وهو لا يزال مصرًا على الضغط على الصين، فقد يسرّع بذلك — من حيث لا يريد — انجراف العالم نحو التعددية القطبية. إذ إن تهدئة العداء مع بوتين ستكون اعترافًا ضمنيًا بأن روسيا لا يمكن إخضاعها، وأن سعيها إلى مجال نفوذٍ إقليمي أمرٌ مشروع.
وسيكون في هذا تثبيتٌ لما دأبت بلدان الجنوب العالمي على قوله منذ سنين: أن النظام الدولي لم يعد خاضعًا لهيمنةٍ أمريكيةٍ منفردة، وإنما صار نظامًا أكثر توازنًا، ينبغي فيه للولايات المتحدة أن تكف عن اندفاعها الأحادي، وأن تستبدل به شيئًا من الحذر وضبط النفس.
وعندئذٍ ستواصل البلدان النامية تعاملها مع الصين وروسيا بوصفهما مركزين رئيسين للقوة، وستغتنم ما يتيحه ذلك من فرص لانتزاع تنازلات اقتصادية وأمنية وتكنولوجية عبر منصاتٍ متعددة الأطراف، كمنظمة شنغهاي للتعاون وسواها. وفي عالمٍ مجزأ، تسوده المنافسة والمساومات البراغماتية، قد تزيد سياسات ترامب من نفوذ الجنوب العالمي، إذ تمكنه من أن يوازن القوى العظمى بعضها ببعض، وأن يستخرج من تنافسها ما يخدم مصالحه.
ومع هذا كله، فلا ينبغي المبالغة في تقدير قدرة الجنوب العالمي. فهو لا يزال يفتقر إلى وحدةٍ كافية، وإلى موارد تمكّنه من تعطيل أشد سياسات ترامب حدةً تعطيلًا كاملًا. وستظل الولايات المتحدة، في عهده أو في عهد من يخلفه، صاحبة نفوذٍ لا يضاهى، قادرةً على وضع الأجندات وصياغة القواعد الدولية.
وستحتفظ واشنطن دائمًا بقدرتها على استخدام الإكراه الاقتصادي، والعزلة الدبلوماسية، بل والقوة العسكرية نفسها، إذا شاءت أن تسحق جهدًا جادًا تبذله البلدان النامية لتحدي إرادتها.
ولكن الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها هي أن الفاعلية الصاعدة للجنوب العالمي، والوعي الجيوسياسي المتنامي بين شعوبه، قد بدّلا قواعد اللعبة تبديلًا عميقًا. ولن يكون يسيرًا على أي إدارة أمريكية، في عهد ترامب أو بعده، أن تتجاهل الأهمية السياسية المتزايدة لهذه البلدان التي كانت يومًا تُعامل على أنها هامشٌ لا وزن له.
ولهذا فإن محاولة ترامب إعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية ستصطدم بعالمٍ لم يعد مطواعًا كما يتخيل، ولا قابلًا للامتثال كما كان في الأزمنة التي انقضت.
مترجم من foreignaffairs



