في أبريل من سنة 1955، وفي جلسة مغلقة لمؤتمر آسيا وإفريقيا المنعقد في مدينة باندونغ الإندونيسية، نهض جواهرلال نهرو، رئيس وزراء الهند، يخاطب الحاضرين بلسان قوي وحجة صادعة، يدعو دول القارتين إلى ألا تنضم إلى أيٍّ من القوتين العظميين آنذاك: الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي، وأن تظل على الحياد غير منحازة. وجادل نهرو بأن الانحياز في أتون الحرب الباردة لن يجلب إلا التدهور أو المذلة لتلك الدول التي خرجت لتوها من عبودية الاستعمار إلى نسيم الحرية. وأكد أن القوة الأخلاقية للشعوب ما بعد الاستعمار ينبغي أن تكون ميزانًا مضادًا للقوة العسكرية لتلك القوى الكبرى. وفي لحظة من لحظات الجلسة، وبنبرة عتاب لا تخلو من الحدة، التفت إلى المندوبين العراقي والتركي، وقد وجدهما يتحدثان في آنٍ واحد عن محاسن الكتلة الغربية وعن الانضمام إلى حلف الناتو، بينما هما في الوقت نفسه يرثيان الاستعمار الفرنسي الذي لا يزال جاثمًا على شمال إفريقيا. فقال نهرو:
ينبغي أن ننظر إلى الموقف في شموله، وألا نناقض أنفسنا، فلا يصح أن نقول: "ينبغي أن ينتهي الاستعمار"، ثم نؤيد سياسات أو بعضها مما يرسخ الاستعمار. إنه موقف عجيب.
وبعد بضع سنين، في عام 1961، كان نهرو إلى جانب يوسيب بروز تيتو من يوغوسلافيا، وسوكارنو من إندونيسيا، وكوامي نكروما من غانا، وجمال عبد الناصر من مصر، من المؤسسين الأوائل لحركة عدم الانحياز. وبعد أن أزالت الهند نير الاستعمار البريطاني عن كتفيها، أرادت أن تقدم نفسها للعالم بوصفها دولة مؤهلة لتولي القيادة الأخلاقية والسياسية لعالم تحرر من قبضة الاستعمار. ولم يكن ذلك بمستغرب، فالهند كانت أكبر دولة من حيث عدد السكان تنال استقلالها من حكم أوروبي، وقصة كفاحها ضد الاستعمار صارت أسطورة، صنعتها مقاومة سلمية قادها رجال أمثال المهاتما غاندي، صاحب الروح العظيمة. وكان نهرو في نظر كثيرين قائدًا كاريزميًّا ومثقفًا بليغًا، يتحدث باسم شعوب آسيا وإفريقيا، ويسعى إلى إيجاد ما سماه الباحث إيان هول "طريقة أخرى لإدارة العلاقات الدولية". ولعبت مكانته، ومكانة الهند معه، دورًا بارزًا في ترسيخ هيمنة بلاده على نظام العالم الثالث، وفي بناء ما سُمِّي بـ "فكرة الهند" كديمقراطية ليبرالية علمانية تقوم على مبدأ أساسي هو الوحدة في التنوع.
لكن، حتى وهو يرفع لواء التفوق الأخلاقي للهند ضد الاستعمار، كان يشرف على احتلال بلاده الاستعماري لكشمير. وهناك، في تلك البقعة المتنازع عليها، قال قولته الشهيرة: "الديمقراطية والأخلاق يمكن أن تنتظرا".
وفي منتصف القرن العشرين، هبت رياح التحرر الوطني، فاستقلت أمم كثيرة عن القوى الأوروبية، ممارسة حقها في تقرير المصير. ومع ذلك، ظل قادة تلك الأمم الوليدة على ولائهم لفكرة الدولة القومية وسيادتها الإقليمية، وهي فكرة خرجت من رحم الحداثة الأوروبية. ورأى كثيرون أن الاستقلال لا يتحقق إلا في صورة الدولة القومية، متفوقة على كل أشكال التنظيم السياسي الأخرى أو الإمكانيات البديلة. غير أن حدود هذه الدول الجديدة لم تكن دائمًا تعبيرًا عن هوية شعوبها، فقد فرضتها القوى الاستعمارية بما لا يطابق واقع الجغرافيا أو التاريخ أو الطموحات السياسية. وكانت النتيجة وخيمة، حيث ظهرت مشكلات كبرى في أماكن شكّلت فيها الطبيعة، والسكان، والماضي، والتطلعات السياسية تحديات خطيرة للقومية. وفي مواجهة هذه التحديات، أكدت الدول القومية الجديدة سيادتها حديثة العهد بالقوة والعنف، الأمر الذي انعكس على الشعوب الأصلية وعديمة الجنسية التي حُرمت حركاتها الساعية لتقرير المصير من الشرعية في نظام الدولة القومية السيادية. وقد أطلقت الباحثتان منى بهان وهالي دوشينسكي على هذه الظاهرة اسم "الإمبريالية العالم ثالثية".
وكان بعض القوميين المناهضين للاستعمار قوميين بالمعنى الضيق، يرون أن أي مطالبة بتقرير المصير داخل "الأمة المتخيلة" ليست إلا انفصالًا، أو شقاقًا، أو تمردًا قوميًّا عرقيًّا، أو إرهابًا. وهذه التوصيفات، كما نراها في الخطابات الهندية عن كشمير، تفتقر إلى التاريخ، وتنتزع الإنسانية من أصحابها. وإذا تجاوزنا منظور الدولة القومية المهيمنة، رأينا أن هذه المناطق تملك تاريخها الخاص، وصورها المتخيلة، وأهدافها السياسية؛ بعضها يعيد صياغة الأمة، وبعضها الآخر يتخطاها نحو أشكال أخرى من السيادة.
وفي الخطاب الشائع، وحتى الأكاديمي، يُنظر إلى الاستعمار على أنه فعل يقع "في الخارج"، من أوروبا إلى جنوب العالم. ويرى كثيرون أنه أمر انقضى زمنه، وإن ظل أثره باقيًا. أما أشكال الاستعمار التي تقع داخل الجنوب نفسه، فهي أصعب على الرؤية، لأن كثيرًا من هذه المناطق متجاورة جغرافيًّا، فيُحسب أنها ذات وحدة ثقافية أو عرقية تُكوِّن أمة واحدة. وهنا يقع ما تسميه غولدي أوسوري "الإخفاء الهيكلي للعلاقة بين الدول القومية ما بعد الاستعمار ومستعمراتها الخاصة"، وإخفاء الكيفية التي تصبح بها القومية نفسها مشروعًا توسعيًّا. وتأتي المستعمرات المعاصرة – ككشمير، والصحراء الغربية، وبورتوريكو، وفلسطين، وتركستان الشرقية، وغيرها – لتكشف المسافة الضيقة بين الاستعمار وما بعد الاستعمار، ولتثير أسئلة عسيرة عن النظام العالمي القائم.
كشمير… تلك البقعة المعلقة بين السماء والثلج، في أعالي جبال الهيمالايا، حيث يلامس الطرف الأقصى الشمالي لشبه القارة الهندية تخوم الهند وباكستان والصين وأفغانستان. طالما كانت كشمير مملكة قائمة بذاتها، على ملتقى المجالين الفارسي والهندي، يصعب إدراجها في أحدهما دون الآخر، وهما – كما تقول الباحثة مانا كيا – وصفان غامضان في حد ذاتهما. منذ القرن السادس عشر، تعاقبت عليها سطوة المغول، ثم الأفغان، ثم السيخ، حتى جاء البريطانيون، فباعوها عام 1846 بعد الحرب الأنجلو-سيخية الأولى إلى أسرة الدوقرا، وهم زعماء هندوس من جامو القريبة. وهكذا، أصبحت جامو وكشمير، بحدودها المرسومة حديثًا، واحدة من كبريات الإمارات الأميرية تحت المظلة الاستعمارية البريطانية، ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية في الشمال، خاصة في زمن المنافسة المحمومة مع روسيا على قلب آسيا، في ما سُمّي يومها بـ "اللعبة الكبرى".
لكن لهذه الإمارة خصوصية نادرة: حاكمها هندوسي، وأكثر من ثلاثة أرباع رعاياها مسلمون. ولعل هذا لم يكن ليصنع شرخًا كبيرًا، لو لم يقم الدوقرا فعليًا بما سمّته المؤرخة مريدو راي "دولة هندوسية"، تحابي الأقلية الهندوسية وتقصي المسلمين من موارد الدولة السياسية والاقتصادية والرمزية. كان المسلمون الكشميريون – ومعظمهم فلاحون أو حرفيون – يرزحون تحت ضرائب باهظة، فيما كانت حركة التحرر ضد البريطانيين تتصاعد في الهند، ويشتد عود حركة مناهضة الدوقرا في جامو وكشمير خلال الثلاثينيات والأربعينيات، إلا أنها تم تهميشها بسبب الأحداث التي تجتاح شبه القارة الهندية.
وحين جاء عام 1947، وجاء معه التقسيم، انشطر إرث البريطانيين – ما كان تحت حكمهم المباشر أو غير المباشر – إلى دولتين: الهند وباكستان. لم يكن هذا المصير حتميًا، فقد طرح قادة مسلمون، مثل محمد إقبال ومحمد علي جناح، فكرة اتحاد واسع بصلاحيات ذاتية تحفظ للمجتمعات، وخاصة المسلمين، حريتهم من هيمنة الهندوس في الهند الديمقراطية. لكن بريطانيا رسمت الحدود على عجل، وسالت الدماء: نحو مليون قتيل، وخمسة عشر مليون مهجر. ولم يكن توحيد الهند بحدودها الإقليمية الجديدة أمرًا هادئًا، فجاء ضم جوناغاد – حاكمها مسلم وأغلب أهلها هندوس – باستفتاء رجّحت كفته بالإنضمام للهند، ثم جاء سبتمبر 1948 بضم حيدر آباد بالقوة في "عملية بولو"، وسحق نهرو حركات تقرير المصير في ناغالاند ومانيبور.
في كشمير، كان المشهد أكثر مأساوية. ففي منتصف 1947، سحق هاري سينغ، آخر حكام الدوقرا، تمردًا مسلمًا أراد الانضمام إلى باكستان. وجاءت مذبحة جامو بين أكتوبر ونوفمبر، حيث قام الدوقرا، بدعم قوى يمينية هندية مثل "آر إس إس"، بعملية تطهير عرقي للمسلمين، قلبت التركيبة السكانية لصالح الهندوس في أسابيع. وعندما دخل مقاتلون مسلمون من الباثان – من شمال غرب باكستان – إلى المعركة، وهددوا بالسيطرة على كشمير، لجأ الحاكم إلى توقيع "معاهدة انضمام" مثيرة للجدل مع الحكومة الهندية، فأرسلت بموجبها الأخيرة جيشها في أكتوبر 1947، وانفجرت الحرب مع باكستان. وفي يناير 1948، حملت الهند قضية كشمير إلى الأمم المتحدة، التي دعت إلى استفتاء بعد وقف القتال، يكون خياره: الهند أو باكستان. وفي 1949، وُقّع اتفاق وقف النار، ورُسم خط السيطرة الذي شطر كشمير بين البلدين.
كان نهرو – في البدء – مطمئن النفس، واثق القلب، يظن أن أهل كشمير إذا دُعوا إلى الاستفتاء فلن يختاروا إلا الهند. ولكنه، حين تبيّن له أن الأمر لن يجري على ما أحب، وأن صناديق الاقتراع قد تحمل ما لا يرضيه، أخذ يبتعد عن الوعد الذي قطعه. وأظهر للناس أنه ينظر إلى الأمم المتحدة بعين الاحترام، بوصفها هيئة دولية أُقيمت لتوطيد السلام، ولكنه في حقيقة الأمر كان يخاصم قراراتها، ويجادل فيها، ويعترض على تنفيذها. ثم كان أن أعلن أن باكستان قد ارتبطت بتحالفات عسكرية مع الولايات المتحدة، وجعل من هذا سببًا لإبطال الاستفتاء. ولم تقف الهند عند هذا، بل راحت تبتكر مبررات أخرى، تزعم أن باكستان لم تُخرج جيوشها من كشمير كما طلبت الأمم المتحدة، وتجادل بأن الانتخابات المحلية للجمعية التأسيسية في جامو وكشمير قد قامت مقام الاستفتاء وأثبتت – بزعمها – أن الكشميريين قد اختاروا الهند. وأصر نهرو على أن هذه الانتخابات قد جعلت الاستفتاء أمرًا لا لزوم له. غير أن الحقيقة – كما هي في وثائق الأمم المتحدة – أن قراراتها قد طلبت من البلدين معًا سحب قواتهما، ولكن الخلاف احتدم حول الكيفية، وحول العدد، وحول الجهة التي تُشرف على هذا الاستفتاء.
وفي سنة 1951، أعلنت الولايات المتحدة كذلك أن الانتخابات المحلية في كشمير لا تقوم مقام الاستفتاء. أما في الجزء الذي تسيطر عليه الهند، فقد أقامت حكومتها أنظمة موالية لها، تؤيد الانضمام، ووعدتهم بمزيد من الحكم الذاتي في إطار الاتحاد الهندي. وكان هذا الحكم الذاتي قد ثُبّت في المادة 370 من الدستور، التي أعطت ولاية جامو وكشمير "وضعًا خاصًا" داخل الاتحاد. فأصبح للولاية دستورها الخاص، وعلمها، وجمعيتها التشريعية؛ وصار رئيس الولاية يُلقب "رئيس الوزراء" لا "الوزير الأول" كما هو الحال في سائر الولايات. وكانت الهند تتولى الدفاع، والعلاقات الخارجية، والاتصالات. ثم راحت تؤكد أن هذه الحكومات الموالية قد جاءت بانتخاب ديمقراطي، والحقيقة غير ذلك؛ إذ إن أول انتخابات في 1951 كانت مطبوخة على مهل، إذ ترشّح المؤتمر الوطني المؤيد للانضمام وحده في 73 مقعدًا من أصل 75، ولم يُترك مجالٌ لمعارضي الانضمام إلى الهند. وكانت باكستان بدورها ترى أن الاستفتاء لا يمكن أن يُجرى في ظل حكومة صاغتها الهند على هذا النحو، لأن النتيجة ستكون معلومة سلفًا.
ثم لم تمضِ أعوام حتى أخذت الهند تتجاوز حدود المادة 370، فتتدخل في شؤون كشمير الداخلية. وكان رئيس وزرائها الأول، الشيخ عبد الله – وهو من الموالين – قد أبدى شيئًا من المقاومة، فلم يطل به الأمر حتى أُطيح به بانقلاب سنة 1953، وحل مكانه نائبه بخشي غلام محمد، ثم جاء من بعده جي إم صادق. وفي الأثناء كانت المقاومة الكشميرية للحكم الهندي تشتد، مطالبة بالاستفتاء الذي أقرته الأمم المتحدة، ووافقت عليه الهند وباكستان. وفي ستينيات القرن الماضي، بدأت حركات سياسية منظمة تطرح خيارًا ثالثًا، هو الاستقلال التام عن الدولتين معًا. حتى إذا جاءت أواخر الثمانينيات، أشعلت انتخابات مزورة، وتطورات دولية – من انتفاضة فلسطين الأولى، ومن هزيمة السوفييت في أفغانستان – نار التمرد المسلح، وكان لباكستان فيه يد ومعونة.
عندها عسكرت الهند كشمير، وجعلتها – في الواقع – أشد بقاع الأرض عسكرة. وكانت التسعينيات أعوام رعب وظلمة في كشمير؛ أخبار القتل، والمجازر، والاختفاء القسري، والعنف الجنسي، والتعذيب، والقمع، والاعتقالات، تملأ الصحف كل يوم. وكان الجيش الهندي، محميًا بقوانين جائرة كقانون السلطات الخاصة للقوات المسلحة، يمارس سلطته وحكمه من غير حساب ولا عقاب. وقد شهدت بذلك منظمة العفو الدولية سنة 1995، ثم أكده مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في تقريري 2018 و2019، حيث أشار إلى "نمط ثابت من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في جامو وكشمير".
كشمير – إذن – مستعمرة هندية. وممارسة الهند لسيادتها هناك، وبسط نفوذها على الأرض، صورة من صور الاستعمار في أوضح معانيه. إنها سلطة تُفرض بالقوة، وتتنكر لحق الشعب في تقرير مصيره، وتستند إلى نخبة محلية متعاونة، كما كان شأن القوى الإمبريالية في عصورها الماضية. وهي استعمارية أيضًا لأنها تقوم على منطق الاستعمار "الكلاسيكي" الذي مارسته أوروبا في الجنوب العالمي: خطاب الحضارة والإنقاذ، والأساطير، والنهب الاقتصادي، والعنصرية. والهند – كغيرها من الدول الاستعمارية – لا تسعى إلى حكم كشمير إلا بإخضاع أهلها، وإهدار حقوقهم.
كانت منزلة الهند في العالم، بوصفها قائدة لنظام عالمي يرفع راية مناهضة الاستعمار، سيفًا ذا حدين. فقد منحتها تلك المكانة هالةً جعلت العيون تُعشى عن رؤية الكشميريين في صورتهم الحقيقية: شعب مستعمَر، لا يختلف في مأساته عن أي أمة ترزح تحت الاحتلال. ووراء هذا البريق، توارت ملحمة نضالهم ضد الهيمنة الهندية، حتى غابت عن وعي كثير من حركات التضامن العالمية وحركات التحرر التي رفعت، في أماكن أخرى، شعارات نصرة المستضعفين. لعقود طويلة، ظلّت الهند تصرّ على أن ما يُسمّى بـ "نزاع كشمير" ليس إلا خلافًا إقليميًا ينبغي حسمه بين الهند وباكستان، وكأن الكشميريين أنفسهم لا شأن لهم بالقضية التي تمسّ أرواحهم وأرضهم. وفي الأعوام الأخيرة، تجاوزت الهند حتى هذا الاعتراف الجزئي، فأنكرت وجود أي نزاع في كشمير من الأساس، وزعمت أنّ ما يجري هناك لا يعدو كونه تدخلًا من باكستان في "شؤونها الداخلية". وهكذا مُحي، بجرة قلم، حق الكشميريين في الكلام عن مصيرهم، وجرى إنكار أكثر من سبعة عقود من مطالبهم الثابتة في تقرير مصيرهم.
واليوم، من على منابر المنتديات الدولية، وعلى ألسنة القادة الهنود، وحتى في تغريدات حسابات خلية تكنولوجيا المعلومات التابعة لحزب بهاراتيا جاناتا، يتردّد لازمة واحدة: "كشمير جزء لا يتجزأ من الهند". وتُرفق هذه اللازمة أحيانًا بخطابات عن حضارة هندية ضاربة في عمق خمسة آلاف عام، زُيّن تاريخها بادعاء دور محوري لكشمير، أو بإيحاءات تُسند انتماءها للهندوسية وحدها. غير أنّ تاريخ كشمير الحقيقي أكثر ثراءً وتعقيدًا مما تسمح به هذه الروايات القومية الضيقة؛ فهي أرض كسرت الحدود الحضارية السهلة. فمن خلال طريق الحرير، كانت صلة الوصل بين شرق آسيا ووسطها؛ سافر أبناؤها من سريناغار إلى سمرقند وبخارى وكاشغر والتبت، وجلبوا معهم تجارةً وأفكارًا وثقافات. هي أرض احتضنت الأدب السنسكريتي العريق مثل "راجاتارانجيني"، واحتفت في الوقت نفسه بالأدب الفارسي مثل "واقعيات كشمير" و"بهاريستان شاهي". وكشمير، بما كانت عليه من فسيفساء روحية وثقافية، لم تعرف يومًا الانغلاق على دين واحد أو قوم واحد؛ فقد كانت وطنًا للبوذيين والهندوس والمسلمين، سنةً وشيعة، وللسيخ كذلك.
ومع ذلك، فإنّ كثيرًا من الباحثين الهنود ما زالوا يكررون، بوعي أو بغير وعي، الفكرة القائلة بأن كشمير "جزء لا يتجزأ" من الهند. فحين يُقرأ تاريخها فقط من خلال عدسة القومية الهندية، يصبح من الصعب على علماء أمثال سوميت غانغولي وسومانترا بوس أن يتجاوزوا الإطار الذي يربط كشمير بالدولة الهندية ربطًا عضويًا. بل حتى بارثا تشاتيرجي، وهو من أعمدة النقد ما بعد الاستعماري وأحد مؤسسي حقل دراسات "السبالترن"، لم يتخيّل كشمير إلا داخل الإطار الدستوري الهندي. ولذا انصبّ تركيز جيل سابق من العلماء على أحداث عام 1947 وما تلاها، وعلى التمرّد المسلّح في الثمانينيات، باحثين عن علل "فشل" الديمقراطية الهندية في استيعاب كشمير داخل البنية الفيدرالية، من دون الاعتراف بأنّ أصل الداء هو إنكار تقرير المصير وفرض الاحتلال الاستعماري.
لكن في مقابل هذا المنظور، نشأ حقل جديد يُعرف بـ "دراسات كشمير النقدية"، جاء ليقلب الطاولة على الأطر القومية، ويضع البحث في كشمير داخل منظومات معرفية مناهضة للاستعمار والاحتلال. هذا الحقل يفكك العلاقة بين الهند وكشمير، كاشفًا كيف أنّ الاستعمار، والاستعمار الاستيطاني، والاحتلال، ليست إلا وجوهًا متعددة لسياسة واحدة هدفت إلى ترسيخ الحكم الهندي في كشمير، وإدارة مقاومة أهلها، والسيطرة على حاضرهم ومستقبلهم.
والحق أنّ كشمير أُلحقت بالهند، قانونًا وسياسةً واقتصادًا، بعد التقسيم مباشرة. وبواسطة أنظمة موالية، وبأسلوب مدروس في بناء الدولة، دمجتها الهند شيئًا فشيئًا في الاتحاد الهندي. في كتابي "استعمار كشمير" (2023)، أتناول بالتفصيل عقدًا كاملًا تولّى فيه بخشي غلام محمد منصب رئيس وزراء ولاية جامو وكشمير، من عام 1953 إلى عام 1963. كان رجلًا مواليًا بامتياز، أوكلت إليه مهمة مزدوجة: تثبيت الانضمام المثير للجدل إلى الهند، وإقناع الكشميريين بأن حكم الهند سيجلب لهم النفع. وكانت الفرضية، عند الهند وعند حلفائها المحليين، أنّ إظهار منافع الحكم الهندي سيكفي لكبح أي طموحات بديلة كالاستقلال أو الانضمام إلى باكستان. ويُروى أنّ نهرو قال لشيخ عبد الله، سلف بخشي: "سنربط كشمير بسلاسل من ذهب".
وقد فعل بخشي ذلك من خلال ما أسميه "سياسات الحياة"؛ إذ قدّمت حكومته، وحكومة الهند، وعود التنمية والتمكين والتقدم، لتحسين مستوى المعيشة وتطبيع الاحتلال في عيون الناس. شملت هذه السياسات توفير فرص العمل، والغذاء، والتعليم، والخدمات الأساسية، فيما كان قمع المطالب السياسية بالاستقلال يجري بلا هوادة. رُكّز على إصلاح الأراضي، وبناء المدارس، وفتح أبواب العمل، لكن دائمًا تحت سقف السيادة الهندية.
وكان بخشي يرى في الدمج المالي مع الهند مفتاحًا للتنمية، بخلاف عبد الله الذي لم يمنحه هذا القدر من الأهمية. ففي عامي 1953 و1954، أعاد بخشي التفاوض حول الصلات المالية بين كشمير والحكومة الهندية، مطالبًا بمنح وإعانات زراعية معينة. لكن هذا الترتيب المالي الجديد، في الوقت الذي ضخّ بعض الموارد، قوض استقلالية كشمير وجعلها معتمدة اعتمادًا شبه كامل على الدولة الهندية، مانحًا نيودلهي نفوذًا واسعًا. وهكذا، يصبح مثال بخشي دليلاً على أنّ الاحتلالات الاستعمارية لا تقوم على القهر الخارجي وحده، بل تحتاج دائمًا إلى أذرع محلية، وشخصيات نافذة، ومتعاملين، يملكون هم أيضًا وكالة في رسم معالمه وترسيخ جذوره.
في تلك الخمسينيات والستينيات، لم تكتفِ الهند بسلطان السياسة والجيش لتثبيت أقدامها في كشمير، بل لجأت إلى سلطان آخر لا يقل أثرًا، بل ربما كان أشد نفاذًا في النفوس: سلطان الصورة والخيال. استدعت السينما، وأطلقت السياحة، وجعلت منهما أداتين لتزيين الاحتلال وتلميعه في أعين الجماهير الهندية. كم من فيلم هندي، من أفلام الصفوة والرائجة، صُوِّر على أرض كشمير في تلك الحقبة! وها هو "كشمير كي كالي" سنة 1964، و"جاب جاب فول خيلي" سنة 1965، وغيرهما كثير، قد جعلوا من أنهار كشمير وبحيراتها، من غاباتها وجبالها، مشاهد حية في خيال المشاهد الهندي. وكان السياح من الطبقتين الوسطى والعليا يتدفقون على كشمير في كل فصول العام، يلتمسون فيها المتعة والمغامرة، حتى صارت – كما تسميها أنانيا جهانارا كبير – "إقليم الرغبة" في المخيال الهندي، دعامةً للمطالبة الاستعمارية التي لا تعرف الحياء.
ولم تقف المسألة عند حدود المنظر الطبيعي، بل امتدت إلى مسالك الدين والتاريخ. فقد كانت كشمير، في الوجدان الهندوسي، موطنًا للتعلق الروحي، وجزءًا من سردية حضارية تدّعي امتدادًا خمسة آلاف عام. ولقد حرص المشروع الاستعماري الهندي المبكر على تعزيز هذا الارتباط، فجعل من كشمير قلب الحضارة الهندية منذ أقدم العصور إلى يومنا ذاك. أما نهرو وقادة الهند، فقد كانوا يجدون في انضمام الولاية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة إلى الهند برهانًا على تفوق المثل العلمانية للهند، في مقابل المثل الدينية لباكستان، ثم يقدّمون هذه الحجة للعالم الخارجي ليتفاخروا بها. لكنهم، في الداخل، رسموا لكشمير صورة هندوسية الطابع، محوا أو قللوا من آثارها الإسلامية، من مساجدها وشخصياتها وتواريخها، حتى في المواد السياحية الموجهة للمسافرين الهنود. وفي العشرات من الأفلام التي صُوِّرت في كشمير آنذاك، ندر أن ترى شخصية مسلمة، وهو أمر يثير الدهشة، إذا تذكّر المرء أن كشمير ولاية ذات أغلبية مسلمة.
ومثلما سخرت الحكومة الهندية وأنظمة كشمير الموالية المدارس والمناهج، سخرت أيضًا الإصلاح الثقافي لصياغة نوع محدد من الكشميريين: رعايا علمانيون "صالحون". ولكن أي علمانية هذه؟ كانت علمانية لا ترى في التاريخ إلا الجغرافيا والتخيلات والتواريخ الهندوسية، وتستقي مادتها من التفسيرات الاستعمارية البريطانية والبراهمانية لتاريخ كشمير. في المناهج والكتب السياحية، كانت قصة "الأصل" لكشمير – كيف نشأت أرضها – مأخوذة من نصوص أسطورية سنسكريتية مثل راجاتارانجيني، تصوّر الهندوس سكانًا أصليين، وتعرض كشمير موطنًا للتعلم الهندوسي القديم، وتجعل المسلمين غزاة طارئين. بل اعتمد التاريخ القومي الهندي على نصوص سنسكريتية تمزج الأسطورة بالتاريخ، وأهمل عمدًا الأعمال الفارسية التي قدّمت روايات مختلفة، تُظهر أهمية كشمير للعالم الإسلامي. وهكذااعتمد التاريخ القومي الهندي على تفسيرات استشراقية وبراهمانية للتاريخ للمساعدة فى اكتمال بناء تاريخ مناهض للمسلمين، يعزز الزعم بأن كشمير "جزء لا يتجزأ" من الهند.
أما عقد بخشي غلام محمد في السلطة، فقد ثبّت أقدام الاحتلال الاستعماري في الأرض، لكنه عجز عن دمج قلوب الكشميريين في جسد الاتحاد الهندي. وحين أُطيح به سنة 1963، انفجرت في كشمير حركات كبرى لتقرير المصير. ثم جاءت سنة 1987، فشهدت انتخابات محلية تلاعبت بها الحكومة الهندية على نحو فج، فكان أن حمل الكشميريون السلاح للمقاومة. وردت الدولة الهندية بالقتل والتعذيب والاختفاء القسري. وليس معنى ذلك أن العقود السابقة كانت واحة سلام؛ فالقبضة القمعية كانت حاضرة دومًا، ولكن الأساليب كانت تتبدل بين حين وحين، تبعًا لصوت المقاومة الكشميرية وتيارات السياسة الدولية.
في أغسطس من عام 2019، أقدمت الهند على خطوةٍ جريئة، بل على قفزةٍ هائلة في مشروعها الاستعماري: ألغت الوضع شبه المستقل لكشمير، وضمتها ضمًّا كاملًا، كما يضم الغازي أرضًا رآها منذ زمن غنيمة مؤجلة. أسقطت الحكومة القوانين التي كانت، فيما مضى، تحمي الأرض والممتلكات والعمل لأهل كشمير المقيمين الدائمين فيها، تلك القوانين التي تشبثت بها الأنظمة الكشميرية الموالية في الماضي صونًا للتركيبة الديموغرافية في ولاية أغلب أهلها مسلمون. واليوم، يقف مسلمو جامو وكشمير على حافة الخوف: خوف من تغييرٍ في البشر والحجر، ومن تسارعٍ في الأجندة الاستيطانية التي تتيح للهنود – وبخاصة للهندوس – أن يشتروا الأرض والممتلكات، ويقيموا حيث شاءوا في قلب الوادي، فيقوضوا بذلك آمال تقرير المصير. ولم يكتفِ بعض المسؤولين الهنود بالعمل في الخفاء، بل جهروا بدعوات لبناء مستوطنات "على غرار المستوطنات الإسرائيلية" للهندوس في كشمير. أما حكومة مودي، فقد بنت قرارها على مطلب قديم للقوميين الهندوس، أولئك الذين ضاقوا ذرعًا بمحاولات الدولة الهندية في عهد المؤتمر الوطني تهدئة مسلمي كشمير بوعود الحكم الذاتي. وكان هذا القرار يحظى بشعبية كبيرة في الهند.
واليوم، تعيد الهند استخدام خطابها المألوف عن "سياسات الحياة"، تلك الفكرة التي تزعم أنها تمنح الكشميريين التنمية، وتفتح لهم أبواب الرزق الأوسع، لتبرير الإلغاء، وتستدعي من جديد السينما والسياحة لتعلن للعالم أن الأمور بخير، وأن الوادي يعيش "الوضع الطبيعي". ولكن، في هذه المرحلة من السيطرة، كانت قبضة الدولة الهندية أشد وأحكم، حتى أوهنت المجتمع المدني وألزمته الصمت. صارت جميع أشكال الاحتجاج، من الجماعات المؤيدة للحرية إلى الصحافة، ومن الأوساط الأكاديمية إلى منظمات حقوق الإنسان، صدى بعيدًا لا يُسمع، بعد أن جرى إسكاتها إسكاتًا ممنهجًا. قطعت الدولة الإنترنت، واعتقلت الصحفيين والمدافعين عن الحقوق، وراقبت وسائل التواصل، وقيّدت حركة الناس بإلغاء جوازات السفر. ولم تترك سبيلًا إلا سلكته لتجريم الخطاب السياسي وإظهار صورة "الوضع الطبيعي" للجماهير في الداخل والخارج. ثم جاء الوصف الجديد: "الإرهابي ذو الياقة البيضاء"، يطلقونه على كل من يجرؤ على تحدي السيادة الهندية. وصارت قوانين مكافحة الإرهاب سيفًا مسلطًا على كل تعبير، حتى على طلاب لم يفعلوا أكثر من تشجيع فريق الكريكيت الباكستاني، كما حدث العام الماضي. وهكذا، خوفًا من البطش وفقدان الرزق أو الديار، لجأ كثير من مسلمي كشمير إلى رقابة أنفسهم بأنفسهم.
ولم تقف الحكاية عند حدود السياسة وحدها، بل امتدت إلى الاقتصاد والتحالفات. فقد وقّعت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل اتفاقيات مع الحكومة الهندية تضمن تدفق الاستثمار الأجنبي إلى كشمير. وكانت الهند، منذ زمن بعيد، قد مدت يدها إلى موارد كشمير الطبيعية، وفي مقدمتها المياه. وفي شتاء الوادي البارد، حين يشتد على الناس البرد، تنقطع الكهرباء مرارًا، بينما تُصدّر الطاقة الكهرومائية إلى راجستان وغيرها من الولايات. ثم هناك ظل الكارثة البيئية الذي يثقل الأفق: خبراء حذروا منذ زمن من تراجع الأنهار الجليدية، ومن هشاشة بيئة كشمير، وهي هشاشة فاقمها الاحتلال العسكري الطويل. ومع العقود التي تمنحها الحكومة الهندية لشركات هندية لتعدين المعادن، ازدادت المخاطر؛ فهذه الشركات لا تلتزم باللوائح البيئية، ولا تعرف شيئًا عن بيئة الوادي وحساسيته. وهكذا، صار الاستعمار المعاصر مزيجًا من تكنولوجيا المراقبة، وتجارة السلاح، ونهب الموارد على الطريقة النيوليبرالية، وتجريم كل أشكال الاحتجاج، وتغير المناخ.
والحق أن كشمير ليست حالة منفردة في هذا العالم؛ فلكثير من الدول "كشميراتها" الخاصة، أراضٍ أخضعتها إما بعنف سافر، أو بسيطرة استيعابية ناعمة، أو بكليهما معًا. وإن أشكال الاستعمار المعاصرة تجد لها مقامًا في ظل الحكومات المستبدة كما في ظل الحكومات الديمقراطية. أما الهند، فهي تقدم المثال الأوضح على ذلك، إذ تمارس هذا كله وهي تدّعي أنها "أكبر ديمقراطية في العالم". وقضية كشمير لا تكتفي بتحدي هذا الادعاء، بل تمضي إلى أبعد، فتطعن في فكرة الهند ذاتها.
مترجم من Aeon بقلم Hafsa Kanjwal أستاذ مشارك في تاريخ جنوب آسيا في كلية لافاييت في ولاية بنسلفانيا ، الولايات المتحدة.
إذا أردت أن تُدّعم المحتوى الثقافي المقّدم لك بثمن كوب قهوة فهذا يسرنا كثيراً، فقط اضغط على الزر التالي



