أزمة إنخفاض المواليد: لماذا يتوقف العالم عن الإنجاب وما الذي ينتظرنا؟
تتداعى معدلات الخصوبة في كل أنحاء العالم، هل هي أزمة حضارية أم بداية طور إنساني جديد لم نعهده من قبل؟
لسماع المقال
انهيار المجتمعات والنبوءات الخاطئة
تنهار المجتمعات أحيانًا فجأة، كأن أحدهم سحب القابس من الحائط. ومع هذا، يجدر بأنبياء الكوارث أن يتذكروا حقيقة بسيطة: أكثر نبوءاتهم تشاؤمًا تكون صحيحة في الاتجاه الخطأ، أو في التوقيت الخطأ.
في عام 1968 نشر عالم الحشرات بول إيرليش، ومعه زوجته آن التي نادرًا ما يذكرها أحد، كتابًا حقق نجاحًا هائلًا بعنوان «قنبلة السكان». وكان الاقتصاديون منذ زمن طويل منشغلين بسؤال واحد: هل تستطيع الأرض أن تطعم هذا العدد المتزايد من البشر؟ لكن إيرليش رأى أن وقت القلق انتهى، وأن وقت الكارثة قد بدأ بالفعل. كتب يقول:
«لقد انتهت المعركة لإطعام البشرية كلها. ففي سبعينيات هذا القرن ستجتاح المجاعات العالم، وسيهلك مئات الملايين جوعًا.»
ولم يكن هذا الرأي يُعد تطرفًا في ذلك الوقت. بالعكس، كان قريبًا من المزاج الفكري السائد. قبل ذلك بعقد تقريبًا نشرت مجلة «ساينس» مقالًا لم يخلُ من سخرية مريرة، يتحدث عن مستقبل يزدحم بالبشر إلى درجة تبدو معها أرقام السكان في عام 2026 أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
اقترح إيرليش حلولًا رأى أنها منطقية: توسيع نطاق الإجهاض القانوني، والاستثمار في وسائل منع الحمل، ونشر التثقيف الجنسي على أوسع نطاق. لكن الأمر لم يتوقف هنا. فكلما ازداد اقتناعه بقرب الكارثة، ازداد استعداده لقبول إجراءات أكثر قسوة.
من بين ما طرحه فكرة إضافة مواد للتعقيم المؤقت إلى موارد المياه. وقد أدرك أن الأمريكيين لن يستقبلوا الفكرة بحماس، لكنه لم يرَ سببًا يمنع تطبيقها في أماكن أخرى من العالم. بل إنه رأى أن المساعدات الغذائية نفسها يجب ألا تُمنح بلا شروط. على الدول النامية، في رأيه، أن تثبت قدرًا من «ضبط النفس المتحضر». أما الدول التي تسمح بما وصفه بـ«فوضى الجماع غير التائب» — وقد ذكر الهند بالاسم — فلا ينبغي للعالم أن ينقذها من النتائج التي جلبتها لنفسها.
كان لكتاب «قنبلة السكان» أثر هائل. فقد نقل الخوف من كونه نقاشًا أكاديميًا محدودًا إلى كونه قضية عالمية ملتهبة. وخلال أقل من عامين خضع ملايين الأشخاص في الهند لعمليات تعقيم قسرية. وفي الصين بدأت سلسلة طويلة من السياسات السكانية التي ستصل لاحقًا إلى ذروتها في سياسة الطفل الواحد، بما رافقها من غرامات ضخمة، ووسائل منع حمل مفروضة، وعمليات إجهاض لم تكن دائمًا اختيارًا حرًا.
وليس من الإنصاف أن نُلقي بكل هذه النتائج على كتفي إيرليش وحده. فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يختزل في شخص واحد. لكن من حق منتقديه أن يشيروا إلى مفارقة تكاد تكون ساخرة.
ففي اللحظة نفسها التي كان فيها «قنبلة السكان» يثير الرعب في أنحاء العالم، كان معدل النمو السكاني العالمي قد بلغ ذروته بالفعل.
ذروة القلق السكاني وانعكاس المنحنى
كان المنحنى الذي أرعب الجميع قد بدأ، من حيث لا يشعرون، في تغيير اتجاهه.
لقد أمضت البشرية مئات الآلاف من السنين وهي تتزايد عددًا بعدد، وجيلًا بعد جيل. وكان من السهل أن يتخيل المرء أن هذا الصعود سيستمر إلى الأبد. لكن تلك الحقبة نفسها كانت تقترب من نهايتها.
ويقاس الأمر عادة بما يسمى «معدل الخصوبة الكلي»، وهو تقدير تقريبي لعدد الأطفال الذين يُتوقع أن تنجبهم المرأة الواحدة خلال حياتها. فإذا بلغ المعدل نحو 2.1 طفل لكل امرأة، ظل عدد السكان مستقرًا تقريبًا. أما ذلك الجزء الصغير من الرقم، ذلك الـ0.1 الزائد، فهو في الحقيقة محاولة إحصائية للتعامل مع حقيقة إنسانية مؤلمة: ليس كل طفل يولد سيعيش لينجب أطفالًا بدوره. إذا تجاوز المعدل هذا الحد استمر النمو السكاني. وإذا هبط دونه بدأ عدد السكان يتراجع، ولو ببطء في البداية.
ولعل سنغافورة تقدم مثالًا يكاد يكون دراميًا. ففي عام 1960 كان متوسط الخصوبة يقترب من ستة أطفال لكل امرأة. رقم هائل بمعايير اليوم. لكن بعد خمسة وعشرين عامًا فقط، وبحلول 1985، هبط المعدل إلى 1.6 طفل. هذا ليس مجرد انخفاض عابر. إنه مستوى منخفض إلى درجة أن عدد السكان قد يتقلص إلى النصف خلال جيلين إذا استمر الاتجاه نفسه. وقد لخّص الاقتصادي نيكولاس إيبرشتادت هذه المفارقة ببراعة حين قال:
«ظل قادة سنغافورة طوال عقدين يقولون: إن الخصوبة المنفلتة لها عواقب وخيمة، فلا بد من خفضها؛ ثم ما لبثوا، من غير أن يلتقطوا أنفاسهم، أن قالوا: بل ارفعوها!»
وهكذا وجدت الحكومة نفسها في موقف غريب. فبعد سنوات من تشجيع الناس على إنجاب عدد أقل من الأطفال، بدأت تشجعهم على إنجاب المزيد. وأطلقت حملة دعائية تحمل شعارًا يكاد يبدو مزحة: «أنجبوا ثلاثة أطفال أو أكثر — إن كنتم تستطيعون النفقة.»
وكان السنغافوريون شعبًا منظمًا ومنضبطًا إلى حد يثير الإعجاب أحيانًا والرهبة أحيانًا أخرى. لكنهم لم يُبدوا الحماسة نفسها حين تعلق الأمر بالاستجابة لهذا الشعار. ويبدو أن الانضباط القومي له حدود تنتهي عند أبواب غرف النوم. وهكذا بدأ الكابوس القديم يتبدل. لعقود طويلة كان العالم يخشى كثرة الأطفال. ثم بدأ يخشى قِلّتهم.
في اليابان، على سبيل المثال، بلغ معدل الخصوبة 1.3 طفل لكل امرأة عام 2007. وعندها خرج وزير محافظ بتصريح وصف فيه النساء بأنهن «آلات للإنجاب». لم يساعد التصريح في حل المشكلة بطبيعة الحال. لكنه نجح في شيء آخر: إثارة غضب الجميع تقريبًا، وربما زوجته في المقام الأول.
الشتاء الديموغرافي والقلق الجديد
واليوم لم تعد المشكلة حكرًا على الدول الغنية. فدول مثل ألبانيا والسلفادور ونيبال هبطت هي الأخرى إلى ما دون مستوى الاستبدال. أما إيران، فقد انخفض معدل الخصوبة فيها إلى نحو نصف ما كان عليه قبل ثلاثين عامًا فقط، وهو تحول يصعب تخيله لو أخبرت به أحدًا في ثمانينيات القرن الماضي. ولهذا أخذت الصحف تتحدث أكثر فأكثر عن «الشتاء الديموغرافي» الذي يخيّم على أوروبا. وأصبحت التحذيرات التي كانت تتحدث بالأمس عن الانفجار السكاني تتحدث اليوم عن الانكماش السكاني.
حتى جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، صرحت بأن بلادها «مقدّر لها أن تختفي».
أما اليابان، التي لا تكره الأرقام ولا تقاوم إغراء تحويل كل شيء إلى إحصاء، فقد شهدت ظهور ساعة رمزية تعدّ تنازليًا حتى يوم ميلاد آخر طفل ياباني. وكأنها ساعة يوم القيامة، لكن على الطريقة الديموغرافية. وحتى الآن تشير عقاربها إلى تاريخ بعيد للغاية: الخامس من يناير عام 2720.
كوريا الجنوبية: الكناري في منجم الفحم
ما زال الوقت مبكرًا لإعلان الحكم النهائي، لكن من المحتمل أن يكون العالم قد عبر عتبة تاريخية في عام 2023. للمرة الأولى ربما هبط معدل الخصوبة العالمي إلى ما دون مستوى الاستبدال. صحيح أن بعض المناطق، مثل آسيا الوسطى وأفريقيا جنوب الصحراء، ما زالت تسجل معدلات أعلى من ذلك، لكن الاتجاه العام هناك أيضًا يسير إلى أسفل. ومن هنا بدأت تظهر أشكال غريبة من القلق الجماعي، تكاد تبدو أقرب إلى الهلاوس الاجتماعية منها إلى المخاوف الواقعية.
في العام الماضي، على سبيل المثال، أبلغ مئات الرجال في جمهورية أفريقيا الوسطى أنهم يعتقدون أن أعضاءهم التناسلية اختفت. وفي نيجيريا، حيث تراجع معدل الخصوبة من سبعة أطفال للمرأة الواحدة إلى أربعة، نشرت صحيفة شعبية واسعة الانتشار قصة مؤامرة يصعب منافستها في الغرابة. فقد زعمت أن عملاء فرنسيين منحرفين يستخدمون تقنيات نانوية سرية لسرقة الأعضاء الذكرية من الرجال الأفارقة، في محاولة لإنقاذ الأوروبيين العازفين عن الإنجاب من الانقراض.
وتمتلك قضية الخصوبة قدرة استثنائية على إرباك العقول. وحتى وقت قريب لم يكن الأمريكيون يولونها اهتمامًا كبيرًا. لكن خلال العقدين الأخيرين انخفض معدل الخصوبة في الولايات المتحدة بنحو عشرين في المئة، ليستقر عند 1.6 طفل للمرأة الواحدة. وهنا بدأ الجدل السياسي المعتاد.
يرى اليمين الأمريكي أن انخفاض عدد السكان خطر يفوق في جسامته تغير المناخ نفسه. أما إيلون ماسك فقد وصفه بأنه «أعظم تهديد يواجه الحضارة بفارق كبير». ويبدو أنه قرر مواجهة هذا التهديد بصورة شخصية للغاية. فمن الناحية التقنية أنجب ما يقرب من ثلاثة عشر طفلًا معروفًا حتى الآن، كما أشارت تقارير إلى أنه عرض التبرع بحيواناته المنوية لأصدقاء وموظفين بل وحتى لأشخاص لم يعرفهم إلا خلال عشاء واحد. وبالطبع ينفي ماسك هذه الروايات. وربما كان من المفيد هنا أن نتذكر أن جنكيز خان نفسه — بحسب الروايات الشائعة — خلّف أكثر من ألف نسل، ومع ذلك لم يحل المشكلة الديموغرافية للبشرية.
أما نائب الرئيس الأمريكي ج. دي. فانس، فقد وجّه أصابع الاتهام إلى ما سماه «اليسار الذي لا أطفال له»، محمّلًا إياه مسؤولية هذه الكارثة القادمة. وفي المقابل يميل كثير من الليبراليين إلى التشكيك في القضية كلها، ويرون أنها مجرد فزاعة سياسية تُستخدم للهجوم على حقوق الإنجاب. وبعضهم يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن عددًا أقل من البشر قد يكون أكثر لطفًا على البيئة وأكثر استدامة للكوكب.
لكن المشكلة أن كل من يتحدث بثقة مطلقة عن أسباب الخصوبة أو مستقبلها يكاد يعلن جهله أكثر مما يعلن معرفته. فالخصوبة ليست قرارًا بسيطًا من قرارات الحياة اليومية. إنها القرار الأكبر تقريبًا. قرار يجمع بين أكثر أفعال الإنسان خصوصية وبين أكثر النتائج الجماعية اتساعًا. ولهذا فإن أي محاولة لتفسير الخصوبة تتحول سريعًا إلى محاولة لتفسير كل شيء: الجنس، والمال، والسياسة، والثقافة، والدين، والتطور الاجتماعي، وحتى معنى الحياة الجيدة.
وقد قال لي الاقتصادي نيكولاس إيبرشتادت عبارة تستحق التوقف عندها: «من استطاع أن يفسر هذه الظاهرة تفسيرًا كاملًا فهو يستحق جائزة نوبل. لا في الاقتصاد... بل في الأدب.»
ووفقًا لمعظم التوقعات السكانية، سيواصل عدد البشر الارتفاع لنحو نصف قرن آخر قبل أن يبدأ بالتراجع. وإذا حدث ذلك فعلًا فسيكون تحولًا لم تعرف البشرية مثله قط. أما ما بعد ذلك فمجرد تخمينات متفاوتة الجودة. ومع هذا، توجد بعض النوافذ الصغيرة التي تسمح لنا بإلقاء نظرة على المستقبل المحتمل. وكوريا الجنوبية هي أشهر هذه النوافذ.
هناك هبط معدل الخصوبة إلى 0.7 طفل فقط للمرأة الواحدة. إنه أدنى معدل معروف في العالم، وربما أدنى معدل عرفه التاريخ الحديث كله. وإذا استمر هذا الاتجاه فإن كل جيل جديد سيكون أصغر بكثير من الجيل الذي سبقه. فكل مائة كوري في سن الإنجاب اليوم لن يخلّفوا في النهاية سوى نحو اثني عشر حفيدًا.
صحيح أن كوريا الجنوبية تمثل حالة متطرفة، لكن التاريخ يعلمنا أن الحالات المتطرفة كثيرًا ما تتحول إلى نماذج يحتذيها الآخرون. ولهذا قال المحلل السياسي الكوري جون لي: «نحن الكناري في منجم الفحم.»
وهي عبارة قديمة تعود إلى زمن كان عمال المناجم يحملون طيور الكناري معهم إلى الأعماق. فإذا مات الطائر عرفوا أن الغاز السام قد سبقهم إلى المكان. كان الكناري يموت أولًا كي يفهم الآخرون الخطر.
لكن الغريب أن سيئول لا تبدو، للوهلة الأولى، مدينة تعاني نقص البشر. حين تقف وسط هذه الغابة الهائلة من الأبراج الزجاجية التي بنتها شركات مثل سامسونغ وإل جي، يبدو الحديث عن قلة السكان نوعًا من المزاح الثقيل. فالمنطقة الحضرية الكبرى تضم نحو ستة وعشرين مليون نسمة، أي ما يقارب نصف سكان البلاد كلها، وتُعد من أكثر المناطق كثافة في العالم الصناعي.
عندما زرتها في نوفمبر، نصحني أحدهم بأن أُخرج هاتفي من جيبي قبل دخول المترو. لا لسبب أمني، بل لأن إخراجه بعد ذلك قد يصبح مهمة مستحيلة وسط الزحام. وكانت هناك مقاعد فوشية اللون مخصصة للنساء الحوامل. أما النساء في المراحل الأولى من الحمل، ممن لا تظهر عليهن العلامات بعد، فيُمنحن شارات خاصة تدل على حالتهن. وعلى الشاشات كانت تُعرض باستمرار رسائل تذكّر الركاب بآداب السلوك وإفساح الطريق. ومع ذلك كله، كان ثمة مشهد لا تخطئه العين. ففي كثير من الأحيان كانت مقاعد الحوامل تبقى فارغة.
فارغة تمامًا.
وكأنها لم تعد قطعة من أثاث المترو بقدر ما أصبحت رمزًا لفكرة غائبة. شيئًا يشبه المقعد الذي يُترك للنبي إيليا على مائدة «السدر» في التقاليد اليهودية؛ حاضرًا دائمًا، ينتظر ضيفًا يعرف الجميع أنه قد لا يأتي.
لكن علامات التراجع الديموغرافي في كوريا الجنوبية لا تحتاج إلى كثير من التدقيق. إنها موجودة في كل مكان تقريبًا. الكوريون الذين بلغوا منتصف العمر يتذكرون بلدًا مختلفًا تمامًا؛ بلدًا كانت فيه كثرة الأطفال مشكلة يومية لا موضوعًا للحنين. في عام 1970 وُلد نحو مليون طفل في كوريا. كانت الفصول الدراسية تضم سبعين أو ثمانين تلميذًا، واضطرت المدارس إلى العمل بنظام الفترتين، صباحية ومسائية، كي تستوعب هذا السيل البشري. حين تسمع هذه الأرقام اليوم تشعر كأن الحديث يدور عن دولة أخرى لا عن كوريا الجنوبية نفسها. ففي عام 2023 لم يتجاوز عدد المواليد مئتين وثلاثين ألفًا.
مدرسة هانام: رمز الفراغ
وبعض الشركات اضطرت إلى التكيف مع الواقع الجديد بطرق لم تكن تخطر على البال. إحدى الشركات المتخصصة في حليب الأطفال أوقفت جزءًا من إنتاجها لتحول خطوط التصنيع إلى مشروبات مخصصة للحفاظ على الكتلة العضلية لدى كبار السن. وما يقرب من مائتي حضانة أطفال تحولت إلى دور لرعاية المسنين. أحيانًا بقي المديرون أنفسهم، وبقيت الأرضيات المطاطية نفسها، وحتى أقلام التلوين نفسها. فقط تغير الجمهور المستهدف. وفي إحدى المناطق أُعيد استخدام مدرسة ريفية كاملة لتصبح مأوى للقطط.
اليوم يعرف الكوريون جميعًا تقريبًا أن عدد سكان بلادهم يتجه نحو الانخفاض الحاد. وقد قال لي عالم السكان تشو يونغتاي من جامعة سيئول الوطنية: «اسأل أي شخص في الشارع عن معدل الخصوبة في كوريا، وسيعرف الإجابة.»
وفي كثير من الأحيان لا يكتفون بذكر الرقم، بل يذكرونه إلى منزلتين عشريتين. وربما كان هذا وحده دليلًا على أن للبلاد علماء سكان يتمتعون بشهرة لا يحظى بها نظراؤهم في أماكن أخرى من العالم.
وخارج سيئول يصبح الأطفال أشبه بكائنات نادرة الظهور. ففي عام 2023 كان هناك 157 مدرسة ابتدائية لم يسجل فيها تلميذ جديد واحد. وفي العام نفسه شهدت قرية إيوون-ميون الساحلية مولودًا واحدًا فقط. فاحتفلت البلدة كلها بالحدث، وعلقت لافتات تهنئة تحمل اسمي الوالدين وتبارك لهما «ملاكهما الجميل». أما إحدى القرى في مقاطعة هانام، في أقصى جنوب شبه الجزيرة، فلم تشهد أي ولادة منذ أولمبياد سيئول عام 1988.
تقع هانام عند لسان بحري يُعرف باسم «تتانغكيوت»؛ أي «نهاية العالم». وهناك، بالقرب من هذا الرأس البعيد، تقف مدرسة ابتدائية كانت تضم أكثر من ألف تلميذ في أيامها الذهبية. عندما زرتها في نوفمبر كان عدد التلاميذ فيها خمسة فقط. خمسة أطفال لا غير.
كانت واجهة المدرسة مطلية بألوان هادئة تتوسطها رسومات لقوس قزح. وأمام المبنى وقف تمثال لطفل يرتدي زيه الرياضي ويرفع شعلة فوق رأسه، بينما كُتبت على القاعدة عبارة تقول: «القوة البدنية هي القوة الوطنية».
وعند المدخل وجدت زوجًا من النعال ينتظر الزائرين إلى جوار صندوق مكتظ بالكؤوس والدروع التي تروي أمجاد المدرسة القديمة. وعلى أحد الجدران عُلقت لوحة مغلفة بأسماء تلاميذ الصف الأول الثلاثة. كتب أحدهم أنه يريد أن يصبح شرطيًا، والثاني مهندسًا معماريًا، والثالث نجمًا في موسيقى البوب الكورية. أما تلميذا الصف السادس فكان أحدهما يحلم بأن يصبح سائق شاحنة، بينما أراد الآخر أن يكون طيارًا مقاتلًا.
في تلك اللحظة تذكرت فيلم «أبناء الرجال». هناك مشهد يعبر فيه غزال ممر مدرسة مهجورة في عالم فقد القدرة على الإنجاب. لكن الفرق أن مدرسة هانام لم تكن مهجورة بهذا المعنى. لم تكن القمامة تغطي الممرات، ولم تكن الجدران متداعية. على العكس تمامًا. كانت الأرضيات نظيفة، والممرات مضاءة، والطلاء جديدًا نسبيًا. ومع ذلك كان هناك شعور غريب بأن شيئًا أساسيًا قد اختفى.
في مكتب المدير السابق تراكم الغبار فوق الأثاث كما لو أن اجتماعًا مؤجلًا ينتظر أشخاصًا لن يعودوا أبدًا. وفي غرفة مجاورة وقفت لوحة تحكم كبيرة تتصل بخمسة ميكروفونات مختلفة الارتفاعات، كأنها ما زالت تستعد لاستقبال حشود من الأطفال الذين لم يعودوا موجودين. بدت المدرسة كلها وكأن سكانها تبخروا في ليلة واحدة.
الضغوط الاجتماعية والتعليم المفرط
استقبلتني المديرة لي يونغمي في مكتب مرتب بعناية شديدة. كانت هناك آلة تجليد حلزوني وآلة تصفيح موضوعتان في أماكنهما بدقة، كما لو أن النظام نفسه أصبح وسيلة لمقاومة الفراغ. وقدمت لي كوبًا من شاي الزنجبيل مع بعض البسكويت، ثم بدأت تحكي.
حين وصلت إلى المدرسة قبل عشر سنوات كان فيها ستون تلميذًا. لكن البلدة أخذت تفقد سكانها تدريجيًا. اختفى سوق الماشية الذي كان يُضاء بالشموع بعد حلول الظلام. ثم اختفى مصنع الجعة. ثم مطحنة الأخشاب. ثم مركز الشرطة. ثم مكتب البريد.
وكان الأهالي يحاولون التمسك بالمدرسة باعتبارها آخر مؤسسة تمنح البلدة إحساسًا بالحياة المشتركة. لكن المشكلة أن الأطفال أنفسهم صاروا يشكون من أنهم لا يجدون أحدًا يلعبون معه.
وكان المعلمون يطلقون على التلاميذ الخمسة اسم «إخوة النسر الخمسة»، اقتباسًا من مسلسل رسوم متحركة كوري قديم عن فريق من الأبطال الخارقين. أما المديرة فقد اعتادت الوحدة. وحين خرجت من الغرفة للحظات انطفأت المدفأة تلقائيًا، فعاد الصمت يملأ المكان بسرعة لافتة.
وكان معلم الصف السادس، كانغ وويونغ، شابًا في العشرينيات من عمره، تبدو عليه تلك السكينة التي تأتي أحيانًا من كثرة الاستسلام للواقع لا من الرضا به. وكان التلميذان الوحيدان في صفه يدرسان معًا منذ دخولهما المدرسة.
سألته إن كانا يتوافقان أم يختلفان. فنظر إليّ كأن السؤال غريب بعض الشيء. قال إنهما يتشاجران أحيانًا بالطبع، لكنهما ببساطة لا يعرفان أطفالًا آخرين في عمرهما. ثم أضاف: «ميزة هذا الوضع أنني أستطيع أن أكون قريبًا جدًا من التلاميذ. أما عيبه فهو أنهم لا يتعلمون كيف يعيشون داخل جماعة.»
وكان أحد الطفلين يعاني إعاقة، ولهذا ما زالت المدرسة تحتفظ بمعلم تربية خاصة من أجله، رغم أن وجود هذا المنصب أصبح صعب التبرير من الناحية الإدارية. ولا يبدو أن شيئًا سيغير حياة هؤلاء الأطفال فجأة. لن يصل تلميذ جديد غدًا، ولن تنشأ منافسة مدرسية مع قرية مجاورة. والأرجح أن المدرسة نفسها قد تغلق أبوابها خلال العام المقبل. وكان كانغ يحب عمله حقًا. فقد كان حلم طفولته أن يصبح معلمًا. لكن المفارقة أنه هو نفسه لم يكن يملك أصدقاء في البلدة.
وعندما اقترب موعد الأنشطة المسائية عرضت المديرة برنامجين للاختيار بينهما: الطباعة ثلاثية الأبعاد، ونشاطًا أطلقت عليه اسم «رياضة جديدة». وعندما سألتها عن طبيعة هذه الرياضة الجديدة، لم تستطع أن تشرحها بدقة. في الماضي كانت المدرسة تقدم كرة القدم والكرة الطائرة والبادمنتون. لكن هذه الألعاب تحتاج إلى عدد من اللاعبين لم يعد موجودًا أصلًا. ثم سمحت لي بالتجول في المبنى. وكان الأمر أشبه بالسير داخل متحف مخصص لذاكرة الطفولة.
صالة رياضية كبيرة، مظلمة قليلًا لكنها مجهزة تجهيزًا ممتازًا. مطعم مدرسي هادئ الإضاءة يتصل بمسرح صغير. ملاعب واسعة لا يستخدمها أحد. وحقول كرة تحولت إلى مساحات فارغة من العشب. أما العلامة الوحيدة التي تشير صراحة إلى الواقع السكاني الجديد، فكانت جهازًا روبوتيًا لتنس الطاولة. جهاز صُمم خصيصًا لكي يتمكن الإنسان من لعب اللعبة... وحيدًا.
غالبًا ما يتخيل الناس نهاية العالم على هيئة انفجار هائل يشق السماء، أو زلزال كوني يطوي المدن والبحار في لحظة واحدة. هكذا علمتنا الأفلام، وهكذا اعتادت مخيلتنا أن ترسم النهاية: ضوء أبيض مبهر، وصفارات إنذار، وسقوط كل شيء دفعة واحدة. لكن تناقص البشر لا يعمل بهذه الطريقة. إنه لا يأتي راكبًا صهوة كارثة، بل يتسلل في صمت. لا يقتحم الباب، بل يدخل من النافذة المفتوحة. إنه نوع من الفناء البطيء الذي لا يثير الذعر لأنه يحدث ببطء كافٍ كي يعتاد الناس عليه.
في فيلم أبناء الرجال، يقف البطل الذي يؤدي دوره كليف أوين داخل مستودع أشبه بخزانة أسرار الحضارة البشرية الأخيرة. حوله تقف كنوز العالم: تمثال «دايفيد» لمايكل أنجلو، ولوحة «غرنيكا» لبيكاسو. ينظر إلى صاحب المكان ثم يسأله سؤالًا بسيطًا ومخيفًا في آن واحد: بعد مئة عام، لن يبقى إنسان واحد يشعر بالحزن أو الدهشة لينظر إلى أي من هذه الأشياء. فما الذي يدفعك إلى الاستمرار؟ فيأتيه الرد ببرود: «أنا فقط لا أفكر في الأمر».
وربما كانت هذه الجملة الأخيرة أكثر صدقًا مما نحب الاعتراف به. فالبشر بارعون في تجاهل الأشياء التي تفوق قدرتهم على الاحتمال. ولهذا كثيرًا ما تتحول الهستيريا المتعلقة بعدد الأطفال إلى ستار يخفي خلفه هاجسًا آخر أكثر قدمًا وأكثر خطورة: ليس كم طفلًا يجب أن يولد، بل أي نوع من الناس ينبغي أن ينجب هؤلاء الأطفال.
في العقود الأولى من الإمبراطورية الرومانية، استبد هذا الهاجس بالإمبراطور أوغسطس. كان يرى أن طبقات روما الثرية والمترفة بدأت تعزف عن الإنجاب، وأن هذا العزوف لا يمثل اختيارًا شخصيًا فحسب، بل نوعًا من الخيانة للدولة نفسها. بالنسبة إليه، لم يكن الامتناع عن إنجاب الورثة مجرد مسألة عائلية؛ كان جريمة في حق المستقبل. وقد وصف هذه الظاهرة بأنها تجعل البلاد «عقيمًا»، ورأى أن حرمان الأسلاف من الامتداد عبر الأبناء أمر «أسوأ من القتل».
ولهذا أصدر سنة 9 ميلادية قانونًا يفرض عقوبات على أبناء الطبقات الرفيعة الذين يظلون عزابًا بعد سن الخامسة والعشرين، فحرمهم بعض حقوق الميراث. ثم مضى أبعد من ذلك، فمنع أبناء النخبة من الزواج بالممثلين وأصحاب المهن التي رآها دون مستواهم الاجتماعي. كانت الدولة تحاول أن تدير غرف النوم بالقوانين، كما حاولت دول كثيرة بعدها بقرون طويلة.
والمفارقة أن المشكلة ربما لم تكن اجتماعية بالدرجة التي تخيلها الرومان. فبعض الباحثين يرى أن انخفاض الخصوبة آنذاك قد يكون ارتبط باستخدام الرصاص على نطاق واسع في الأواني ومستحضرات التجميل وشبكات المياه. لكن أياً يكن السبب، فإن النتيجة الساخرة للتاريخ أن معظم الأثر الجيني لسكان المدن الرومانية تلاشى إلى حد كبير مع مرور القرون، بينما استمر البشر أنفسهم في التكاثر والانتشار. اختفى كثير من الرومان، وبقي الإنسان.
وخلال الألفي سنة التالية واصل عدد سكان أوراسيا نموه البطيء والعنيد. لم يكن نموًا منتظمًا دائمًا؛ فقد اعترضته كوارث هائلة مثل الغزوات المغولية والطاعون الأسود وحرب الثلاثين عاماً. ومع ذلك ظل الاتجاه العام صاعدًا.
ثم جاء توماس مالتوس بملاحظته الشهيرة التي أصبحت حجر أساس في التفكير السكاني الحديث. فقد رأى أن العائق الحقيقي الوحيد أمام ما سماه «العاطفة بين الجنسين» هو الخوف من المجاعة. كان الناس ينجبون كثيرًا لأنهم يعرفون أن كثيرًا من أطفالهم لن يعيشوا أصلًا. كان إنجاب ستة أو سبعة أطفال نوعًا من التأمين ضد الحقيقة القاسية التي تقول إن نصفهم تقريبًا قد يموت قبل أن يبلغ الخامسة. ولهذا استغرق وصول البشرية إلى أول مليار نسمة تاريخها كله تقريبًا. لكن ما إن تحقق ذلك، حوالي سنة 1805، حتى بدأ الإيقاع يتسارع بصورة غير مسبوقة. فالمليار الثاني لم يحتج إلا إلى مئة وثلاثة وعشرين عامًا.
والطريف أن هذه القفزة السكانية الكبرى تزامنت مع بداية انخفاض الخصوبة في أجزاء من أوروبا. وكان النبلاء الفرنسيون من أوائل من ساروا في هذا الطريق. لم يكن دافعهم فلسفيًا ولا إنسانيًا؛ كانوا ببساطة يريدون حماية الثروة العائلية من التفتت. فكل طفل إضافي يعني وريثًا إضافيًا، وكل وريث إضافي يعني تقسيمًا جديدًا للميراث. بدا القرار منطقيًا داخل طبقتهم الضيقة.
لكن ما يحدث كثيرًا في التاريخ هو أن السلوك الذي يولد في القمة يهبط إلى القاع. وسرعان ما بدأت الطبقات الأدنى تقلد النبلاء في أنماط الزواج والإنجاب، حتى حين لم تكن الظروف الاقتصادية نفسها موجودة. وكأن الأفكار تنتقل أحيانًا كالعدوى، لا لأنها صحيحة، بل لأنها تبدو راقية.
ومع دخول القرن العشرين ظهرت تفسيرات أكثر إقناعًا. فالاقتصاد الصناعي لم يعد بحاجة إلى أعداد كبيرة من الأطفال للعمل في الحقول. والنساء بدأن يدخلن مجالات التعليم والعمل على نطاق أوسع. وفي الوقت نفسه أدت الثورة الطبية وتحسن الصرف الصحي إلى انخفاض وفيات الأطفال بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل.
هنا تغيرت المعادلة كلها. لم يعد الطفل مصدر دخل إضافي للأسرة، بل صار مشروعًا طويل الأمد يحتاج إلى استثمار متواصل في التعليم والرعاية والصحة. وصاغ بعض الاقتصاديين الفكرة بلغة جافة ولكنها معبرة: الأسر الغنية لا تشتري عددًا أكبر من السيارات، بل سيارات أفضل. وبالطريقة نفسها، بدأت كثير من الأسر تفضل عددًا أقل من الأطفال مع استثمار أكبر في كل طفل.
ومن هنا نشأت قناعة واسعة خلال سنوات الحرب الباردة بأن خفض الخصوبة ليس مجرد قضية سكانية، بل مفتاح لحل مشكلات أوسع. تذكر الباحثة جينيفر سكيوبا أن قطاعات واسعة من النخب الأمريكية كانت تنظر إلى المسألة عبر سلسلة سببية بسيطة: زيادة السكان تؤدي إلى الفقر، والفقر يؤدي إلى الشيوعية.
ولهذا رأى قادة مثل ليندون جونسون أن نشر وسائل منع الحمل والتثقيف الجنسي يخدم أهدافًا استراتيجية بقدر ما يخدم أهدافًا اجتماعية. لكن المشكلة أن التخطيط السكاني، حين يتحول إلى مشروع سياسي واسع، يبحث دائمًا عن أداة يطبق من خلالها أفكاره. وفي أغلب الأحيان كانت هذه الأداة هي جسد المرأة.
ومن هنا ظهرت بعض أكثر اللحظات إزعاجًا في تاريخ سياسات السكان. فقد حذر أحد رؤساء منظمة «تنظيم الأسرة» من أن الإفراط في مراعاة «النساء الفرديات» قد يعوق التقدم المنشود. وكان منطقه واضحًا إلى حد مخيف: لا ينبغي أن تضيع الغاية الكبرى بسبب الاعتراضات الفردية. فالهدف، كما قال بصراحة، هو تطبيق هذه السياسات على جماهير السكان.
كانت كوريا الجنوبية من أكثر الدول التي دفعت عجلة التحول السكاني بقوة وإصرار، حتى إنها تجاوزت كثيرًا من الدول التي سارت في الطريق نفسه. ولعل المرء إذا تذكر حال البلاد بعد عشر سنوات فقط من انتهاء الحرب الكورية أدرك سبب هذا الإصرار. فقد كان نصيب الفرد من الناتج المحلي آنذاك لا يتجاوز مئة دولار سنويًا، أي أقل مما كان عليه في دول تُعد اليوم من أفقر دول العالم مثل هايتي. وكان الجوع جزءًا من الحياة اليومية إلى حد أن بعض الناس كانوا يأكلون لحاء الأشجار أو يغْلون الأعشاب ليصنعوا منها ما يشبه الطعام، بينما كان الأطفال يتسولون في الشوارع طلبًا لما يسد الرمق.
وعندما وقع الانقلاب العسكري سنة 1961، لم تنظر القيادة الجديدة إلى المشكلة باعتبارها أزمة اقتصاد فحسب، بل باعتبارها أزمة بشر أيضًا. وكان التصور السائد أن النهضة الاقتصادية لا تحتاج فقط إلى مصانع وطرق ومدارس، بل تحتاج كذلك إلى مواطن أقل عددًا وأكثر تعليمًا. ولهذا ارتبط المشروع الاقتصادي كله بمشروع سكاني واسع النطاق. انتشرت العاملات الاجتماعيات في القرى والأحياء يحثثن النساء على الاكتفاء بثلاثة أطفال أو أقل، وروجت الحكومة لوسائل منع الحمل، وضغطت بقوة من أجل استخدام اللولب الرحمي. وكان كل ذلك يجري داخل مجتمع شديد الحساسية تجاه فكرة التجانس العرقي والالتزام بالقيم التقليدية. أما الأطفال الذين وُلدوا من جنود أمريكيين أو من أمهات غير متزوجات، فقد أُرسل عدد كبير منهم إلى الخارج للتبني، حتى أصبحت كوريا الجنوبية معروفة لعقود طويلة بأنها أكبر «مصدّر» للأطفال المتبنين في العالم.
وبكل المقاييس الإحصائية بدا المشروع نجاحًا مذهلًا. ففي أقل من عشرين عامًا هبط معدل الخصوبة من ستة أطفال تقريبًا للمرأة الواحدة إلى مستوى الاستبدال. وقد وصف علماء الديموغرافيا في آسيا هذا التحول بأنه واحد من أسرع وأغرب الانخفاضات السكانية في التاريخ الحديث. وكان التعليم، وخاصة تعليم النساء، أحد أهم محركات هذا التحول. فقد شهدت البلاد توسعًا تعليميا هائلًا وصفه الباحثون بأنه يكاد يكون بلا سابقة في العالم الحديث. وهكذا أصبح عدد المواليد أقل، لكن حياة المواليد أنفسهم صارت أفضل بصورة يصعب تخيلها. آباء عرفوا الجوع الحقيقي أنجبوا أبناء يستطيعون تحمل تكاليف التعليم الجامعي وجراحات التجميل والهواتف الذكية والسيارات الحديثة.
وعند هذه النقطة بدا للكثيرين أن الخصوبة أصبحت أشبه بمفتاح يمكن للحكومات أن تديره كما تشاء. فإذا أرادت عددًا أقل من السكان خفضت المعدلات، وإذا أرادت عددًا أكبر رفعتها مرة أخرى. وكان الاعتقاد السائد بين الباحثين أن ما يسمى «الانتقال الديموغرافي» سينتهي تلقائيًا عند نقطة التوازن، أي عند معدل الاستبدال تقريبًا. وكأن هناك قوة خفية تحافظ على النظام: شخص يولد مقابل شخص يرحل. لم يتخيل أحد تقريبًا أن المشكلة قد تصبح يومًا هي قلة الأطفال لا كثرتهم.
لكن أحد علماء السكان الهولنديين قال عبارة تستحق أن تُكتب بماء بارد فوق مكاتب صناع القرار. قال ببساطة: «ربما بالغ الناس طويلًا في تقدير الدافع البشري إلى الإنجاب». وكانت هذه الجملة البسيطة تحمل في داخلها قدرًا هائلًا من الحقيقة. فعندما وصلت كوريا الجنوبية إلى معدل الاستبدال سنة 1983، كان بإمكان قادتها أن يتوقفوا قليلًا وأن يسألوا أنفسهم إن كانت المهمة قد انتهت. لكن ما حدث هو العكس تمامًا. فقد ضاعفوا جهودهم، وأطلقوا شعارًا جديدًا أكثر حدة يقول: «حتى اثنان كثيران جدًا». وبعد سنوات قليلة فقط هبط معدل الخصوبة إلى 1.6 طفل للمرأة، ثم استقر لفترة قصيرة قبل أن يبدأ سقوطه الحر الذي ما زال مستمرًا حتى اليوم.
والمفارقة أن الحكومة الكورية الحديثة تفعل الآن كل ما كانت تحارب ضده في الماضي. فهي تنفق ما يقرب من 250 مليار دولار على برامج تشجيع الإنجاب، من المساعدات النقدية إلى إجازات الأبوة المدفوعة والدعم السكني والحوافز الضريبية. لكن النتائج تكاد تكون معدومة. ومنذ عامين، عندما شاهدت الباحثة النسوية القانونية الشهيرة جوان ويليامز أحدث أرقام الخصوبة الكورية في فيلم وثائقي، وضعت يديها على وجهها في ذهول كامل، وبقي فمها مفتوحًا كما في لوحة «الصرخة» للفنان إدفارد مونش. وانتشرت الصورة على الإنترنت بسرعة هائلة، لا لأنها مضحكة، بل لأنها عبّرت بدقة عن شعور كثير من الخبراء أمام هذه الأرقام.
واليوم صار الانحدار السكاني في كوريا الجنوبية يُعامل باعتباره حقيقة لا مفر منها أكثر من كونه مشكلة قابلة للحل. وكما قال المحلل السياسي جون لي بقدر من السخرية السوداء: «يقولون إن كوريا الجنوبية ستختفي بعد مئة عام. ومن يهتم؟ سنكون جميعًا أمواتًا قبل ذلك». وعندما تسأل الناس عن الأسباب، تتدفق الإجابات من كل اتجاه. أسعار المساكن المرتفعة، وتكاليف التعليم، ونفقات رعاية الأطفال، وساعات العمل الطويلة، والمنافسة المهنية القاسية. كلها عوامل حقيقية بلا شك. لكنك تشعر أحيانًا أن هناك شيئًا أعمق من الاقتصاد وحده. شيئًا يتعلق بالطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الأطفال أنفسهم.
وقد التقيت ذات مرة بمراسلة شابة أنيقة في أحد مقاهي حي إيتايوون في سيئول. كان المقهى واسعًا وهادئًا وممتلئًا بالشباب. وعندما سألناها عن الأزمة السكانية أجابت من دون تردد: «الناس هنا يكرهون الأطفال». ثم ضحكت قليلًا وأضافت: «أو على الأقل يتصرفون كما لو كانوا يكرهونهم». وقالت إن رؤية طفل صغير في مكان عام كثيرًا ما تُقابل بتأفف أو انزعاج، وإن الأمهات أنفسهن يتعرضن أحيانًا لنظرات ازدراء إذا أحدث أطفالهن ضجيجًا بسيطًا. وأضافت أن بعض الأوصاف التي تُطلق على الأمهات في الإنترنت تشبه الألقاب التي تُطلق على الطفيليات أو الحشرات.
ثم قارنت ذلك بما رأته خلال رحلة إلى إيطاليا. ففي روما كان الأطفال يركضون بين الطاولات بينما يجلس الكبار في المقاهي والحانات يتحدثون ويأكلون ويشربون، ولم يكن أحد يبدو منزعجًا من وجودهم. أما في سيئول، كما قالت، فإن المشهد نفسه قد يثير موجة كاملة من التذمر والاستياء.
والأغرب أن كثيرًا من النقاشات الدائرة على الإنترنت حول انخفاض الخصوبة تتخذ طابعًا ساخرًا إلى حد العدوان. فحين تنشر الصحف خبرًا جديدًا عن تراجع المواليد، تمتلئ التعليقات بعبارات من قبيل: «لا تقلقوا، ما زال بإمكاننا أن نهبط أكثر»، أو «لن ننجب عبيدًا جددًا لهذا النظام». وعندما سألت تلك المراسلة إن كان هناك شيء يمكن أن يغير موقفها الشخصي من الإنجاب، فكرت لحظة ثم قالت: «لا شيء تقريبًا. أعتقد أن عدم الرغبة في الأطفال أمر طبيعي».
وكان من اللافت أن كثيرًا من الشباب الذين لا يرغبون في الأطفال يبدون في الوقت نفسه تعلقًا شديدًا بحيواناتهم الأليفة. وقد اكتشفت ذلك بنفسي عندما حاولت شراء هدية لطفليّ اللذين يعشقان كرة القدم. قضيت وقتًا طويلًا أبحث عن قمصان للمنتخب الكوري بمقاسات الأطفال، ولم أجد في النهاية إلا نسخًا مقلدة في السوق السوداء. أما متاجر مستلزمات الحيوانات الأليفة فكانت في كل مكان تقريبًا، حتى بدا العثور عليها أسهل من العثور على متجر متخصص في حاجات الأطفال.
بل إن الإحصاءات أظهرت أن عربات التنزه المخصصة للكلاب تجاوزت في عدد مبيعاتها عربات الأطفال العادية. وعندما ذكرت ذلك للمراسلة ابتسمت وقالت: «أنا لا أقول إن الناس يحبون الكلاب أكثر من الأطفال». ثم توقفت لحظة ونظرت إلى المقهى المزدحم حولها، حيث كانت الكلاب الصغيرة تظهر أكثر من الأطفال، وأضافت: «لكن... انظر بنفسك».
وقد شُغف المحافظون الأمريكيون في السنوات الأخيرة بفكرة «الانتحار الحضاري» الذي يصيب الأمم حين تتوقف عن إنجاب ما يكفي من الأبناء. وقبل عام نشر روس دوثات، كاتب الرأي في نيويورك تايمز وأب لخمسة أطفال، مقالاً استشهد فيه بكوريا الجنوبية بوصفها صورةً لما قد ينتظر الغرب إذا استمرت الاتجاهات الحالية. فمنذ الأزمة المالية عام 2008 أخذ معدل المواليد الأمريكي في الانخفاض، حتى اقترب في عام 2022 من المستويات التي عرفتها كوريا في ثمانينيات القرن الماضي. ويرى دوثات وآخرون أن أوجه الشبه تدعو إلى القلق: الزواج يتراجع، والفجوة بين الرجال والنساء تتسع، والشباب أقل ممارسةً للجنس، لا بغرض الإنجاب ولا حتى للمتعة، فيما تزداد المنافسة الاجتماعية قسوة ويقضي الجميع وقتاً أطول أمام الشاشات.
ومع ذلك ظل دوثات أكثر تحفظاً من كثير من الأصوات الجمهورية المرتبطة بشعار «ماغا». فقد ذهب بعض السياسيين إلى أبعد من مجرد التحذير. فأصدر وزير النقل في إدارة ترامب توجيهات تقضي بإعطاء الأولوية للمجتمعات التي تتجاوز فيها معدلات الزواج والولادة المتوسط الوطني. أما الناشط المحافظ تشارلي كيرك فقال في الصيف الماضي إن الذين لا أطفال لهم هم من يدمرون البلاد.
وفي هذه الرواية المحافظة يبدو المستقبل الخالي من الأطفال مستقبلاً ليبرالياً بامتياز. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بأمثلة مثل ديفيد هوغ، الناشط التقدمي الشاب، الذي كتب مرةً أنه يفضل امتلاك سيارة بورش وكلب ماء برتغالي وكلب غولدن دودل على إنجاب الأطفال، لأن ذلك — في رأيه — أقل تكلفة على المدى الطويل، وأفضل للبيئة، ولن ينتهي بكلب يخبرك أنه يكرهك أو يطالبك برسوم الجامعة. ويرى المحافظون في هذه النظرة دليلاً على أن الالتزامات العائلية باتت تُعامل بوصفها عائقاً أمام «تحقيق الذات»، وهو تعبير يتحول أحياناً إلى اسم مهذب للبحث عن الراحة والمتعة.
لهذا يدعون إلى استعادة نموذج الأسرة التقليدية. ومن هنا ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة «زوجات التقليد»، وهن نساء يقدمن أنفسهن بوصفهن حارسات لنمط الحياة القديم، فيصنعن الطعام من الصفر ويحتفين بالأدوار المنزلية الكلاسيكية. وكما قالت المعلقة المحافظة بيتشي كينان: «البيت الذي يجتمع فيه أب وأم هو المصنع الصغير الذي يصنع المستقبل حرفياً». بينما ذهب آخرون إلى تفسيرات أكثر تشاؤماً، فصنع تاكر كارلسون فيلماً وثائقياً عن تراجع مستويات التستوستيرون في الولايات المتحدة، في حين ألقى بعض المؤثرين اليمينيين اللوم على المواد الكيميائية التي يعتقدون أنها تؤثر في الغدد الصماء. لكن المشكلة أن الأدلة لا تشير إلى وجود وباء واسع من العقم. ولعل هذا التفسير مريح لأنه أسهل كثيراً من الاعتراف بأن المجتمع نفسه ربما فقد رغبته في الإنجاب.
غير أن رواية الانحلال الأخلاقي لا تنسجم تماماً مع ما تقوله الأرقام. ففي عام 2011 كانت 45% من حالات الحمل في الولايات المتحدة غير مخطط لها، ثم انخفضت هذه النسبة بصورة كبيرة، ويرجع ذلك بدرجة ملحوظة إلى التراجع الحاد في حمل المراهقات. كما أن «زوجات التقليد» اللواتي يملأن الشاشات لا يبدون أكثر إنجاباً من غيرهن. وفي الماضي كان الطموح المهني للمرأة يرتبط غالباً بصغر حجم الأسرة، لكن هذا الارتباط لم يعد واضحاً كما كان. ففي أماكن مثل تونس وجنوب الهند، حيث مشاركة النساء في سوق العمل محدودة نسبياً، انخفضت الخصوبة أيضاً إلى ما دون معدل الاستبدال. بل إن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أن معدلات الإنجاب تميل اليوم إلى الارتفاع في البلدان التي تحظى فيها النساء بفرص أكبر في العمل.
وفي الولايات المتحدة لا يقتصر الانخفاض على فئة دون أخرى، بل يشمل تقريباً جميع المجموعات السكانية. وحتى المورمون، الذين ارتبط اسمهم تقليدياً بالأسر الكبيرة، لم يعودوا ينجبون بالوتيرة التي تكفل تعويض أعدادهم.
وقد اتهم تاكر كارلسون الليبراليين بأنهم يسعون إلى استبدال الأمريكيين المولودين في البلاد بالمهاجرين. لكن حتى لو افترضنا صحة هذا الادعاء، فإن الدراسات تشير إلى أن المهاجرين القادمين من مجتمعات مرتفعة الخصوبة يتبنون خلال جيل واحد تقريباً أنماط الإنجاب السائدة في وطنهم الجديد. وتشكل النساء اللاتينيات اليوم جزءاً مهماً من الانخفاض العام في الخصوبة الأمريكية. وفي الواقع لا تكاد تبقى سوى جماعات قليلة تحافظ على معدلات إنجاب مرتفعة جداً، مثل اليهود الأرثوذكس المتشددين وبعض الطوائف الأنابابتستية. وقد مزح الباحث روبن هانسون مرةً بأن الولايات المتحدة في القرن الثالث والعشرين قد يحكمها ثلاثمئة مليون من الأميش. وإذا كان ثمة «استبدال عظيم» محتمل، فربما تكون أكثر صوره واقعية أن تمتلئ الأرياف الأمريكية بالحظائر الخشبية الجميلة.
أما في كوريا الجنوبية نفسها، فقد تحولت قضية الخصوبة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام. ومن أبرز الأصوات المحافظة هناك السياسي الشاب لي جون-سوك، خريج هارفارد الذي لم يتجاوز الأربعين بعد، والذي يقارنه بعض المراقبين بجاي دي فانس. وقد التقيته في إحدى أمسيات الجمعة المتأخرة على مائدة تجمع بين البيرة والسوجو، وكانت مجموعات المحتفلين السكارى تقاطعه كل بضع دقائق لالتقاط صور السيلفي معه. وفي انتخابات 2022 الرئاسية ساعد لي في تعبئة أصوات الشباب الغاضبين خلف مرشح محافظ وعد بإلغاء وزارة النوع الاجتماعي المسؤولة عن تنسيق سياسات المساواة. وقد رأى بعض المراقبين في ذلك الانتصار ما يشبه التمهيد لفوز ترامب لاحقاً.
وقال لي إن كثيراً من النساء يبلغن الخامسة والثلاثين وهن يشعرن بأن النسوية وعدتهن بإمكانية الجمع بين كل شيء، ثم يكتشفن أن العثور على شريك يساويهن اجتماعياً واقتصادياً أصبح شديد الصعوبة. وأضاف: «نصفنا غير متزوجين الآن، وأنا واحد منهم». وحين سألته عن جاي دي فانس قال إنه لم يكن ينبغي له أن يتحدث بلغة تعمم على الناس جميعاً، ثم أضاف مبتسماً أن الواقع الكوري يشهد بالفعل عدداً متزايداً من «سيدات القطط» اللواتي يعشن بلا أطفال.
لكن إحجام الكوريين عن الإنجاب لا يمكن تفسيره بالقول إنهم تخلوا عن التقاليد. فالمجتمع الكوري، كما قال لي أحد المدافعين عن سياسات تشجيع الإنجاب، مجتمع محافظ بطبيعته. فالإباحية والعمل الجنسي محظوران قانوناً، والإجهاض لم يُرفع عنه التجريم إلا قبل سنوات قليلة، والمواليد خارج الزواج ما زالوا نادرين للغاية. ومع ذلك فإن الرجال لا يشاركون عادةً بنصيب كبير من الأعمال المنزلية. ومن يفعل ذلك قد يُسخر منه أحياناً بلقب «بونغبونغنام»، المشتق من اسم أحد أنواع صابون غسل الصحون. أما إجازة الأبوة، رغم وجودها في القوانين، فما زالت محدودة الاستخدام، ومن يستفد منها قد يُلقب بـ«بابا اللاتيه»، في إشارة ساخرة إلى أنه يقضي وقتاً للراحة لا لرعاية طفل.
وفي المقابل تخشى كثير من النساء أن يؤدي الزواج أو الإنجاب إلى إبعادهن عن المسار المهني الذي عملن سنوات طويلة للوصول إليه. وكما قالت كيم جيونغمين، مديرة التحرير في مؤسسة «كوريا برو»، فإن النساء يدخلن مقابلات العمل وهن يشعرن بضغط مستمر لإثبات أن التزامهن المهني كامل إلى درجة لا تترك مجالاً حتى للتفكير في الزواج.
وكان يكفي في كوريا الجنوبية أن يلمّح أحد إلى أن النساء يتحملن جانباً من المسؤولية عن الأزمة الديموغرافية حتى يتحول النقاش كله إلى ما يشبه حرباً بين الجنسين. ففي عام 2016 نشرت الحكومة ما أطلقت عليه «خريطة الولادة»، وهي مبادرة رآها كثيرون محاولةً لإحصاء النساء القادرات على الإنجاب كما تُحصى الثروة الحيوانية. وعلّق أحد المدوّنين يومها بأن الدولة تتعامل مع النساء كما لو كن أرقاماً في سجل إنتاج. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد استأجر أحد النواب المحافظين في الجمعية الوطنية فرقة رقص لتقديم عرض زعم أنه يساعد النساء على تقوية عضلات الحوض وزيادة فرص الإنجاب. وكان من الطبيعي أن تؤدي مثل هذه التصرفات إلى نتيجة عكسية تماماً.
ومن هنا انتشرت بين بعض الشابات ما يُعرف بحركة «الأربعة باءات» أو «4B»، وهي فلسفة تقوم على أربعة أنواع من الرفض: رفض المواعدة، ورفض العلاقات الجنسية، ورفض الزواج، ورفض الإنجاب. وبعض المنتميات إليها لا يكتفين بذلك، بل يفضلن أيضاً الابتعاد عن الصداقات مع الرجال. وقد حدثتني يهو، وهي طالبة في التاسعة عشرة تدرس في السنة الثانية بإحدى الكليات النسائية المرموقة في سيئول، عن الأجواء التي عاشتها في المدرسة الثانوية، فقالت إن كثيراً من زملائها الذكور كانوا يرددون عبارات مستمدة من المواد الإباحية، ويتبادلون صوراً ومقاطع غير قانونية بصورة تكاد تكون اعتيادية.
أما هي نفسها فلم تكن تبدي أي اهتمام بفكرة المواعدة أو الإنجاب. قالت ذلك بلهجة حاسمة لا تحتمل التأويل: «الأطفال ليسوا شرطاً للحياة الجيدة. وقد لا ينشؤون أصلاً بصورة سليمة، وربما ينتهون داخل مجتمعات الإنسل.» وكانت ترى أن نساء جيل أمها قد دفعن ثمناً باهظاً مقابل التضحيات التي فرضتها عليهن الأسرة، ولذلك ربين بناتهن على أن يضعن العمل والطموح المهني فوق كل اعتبار آخر. وفي كليتها يوجد منتدى إلكتروني مجهول الهوية يشبه منتديات ريديت، وأخبرتني أن العرف غير المكتوب فيه يعتبر أي حديث إيجابي عن الرجال أو العلاقات العاطفية نوعاً من التغاضي عن الجوانب المظلمة لتلك العلاقات. بل إن المنشورات التي تتناول الرومانسية بين الرجال والنساء كثيراً ما تُرفق بتحذير مسبق من «المحفزات». وأشهر هذه التحذيرات كلمة ساخرة تمزج بين الحب والكراهية في تعبير واحد. وقرأت هناك تعليقاً نموذجياً كتبته إحدى الطالبات تقول فيه: «هل يمكنك التوقف عن النشر عن المواعدة؟ الأمر محرج للغاية. الرجل الذي تواعدينه ليس مميزاً إلى هذه الدرجة.»
وعندما سألت في سيئول عن مكان يمكن أن يرى فيه المرء الأطفال كما يرى الحيوانات النادرة في البرية، أُشير عليّ بالتوجه إلى حي دايتشي-دونغ، أحد أكثر أحياء العاصمة ثراءً. يشتهر الحي بأبراجه السكنية الضخمة وسياراته الفارهة، لكنه يشتهر أكثر بشبكة المعاهد التعليمية الخاصة المعروفة باسم «الهاغوون». وتحمل هذه المعاهد أسماء أجنبية تبدو كأنها مقتبسة من مدارس إنجليزية عريقة: «غروتون»، و«سواتون إنترناشونال»، و«إميلتون أكاديمي»، ولكل منها شعار لاتيني ملفق يمنحها هالة من الوقار الأكاديمي. وهناك يقضي الأطفال المتفوقون معظم أوقاتهم متنقلين بين الدروس الخاصة، حتى إن بعضهم يمر خلال الأسبوع الواحد على ما يقارب اثني عشر معهداً مختلفاً.
وتنفق نحو 80% من العائلات الكورية أموالاً على هذا النوع من التعليم. والمثير أن الأسر الفقيرة نفسها تخصص له مبالغ توازي تقريباً ما تنفقه على الطعام. وقد وصل حجم الإنفاق الوطني على هذه الدروس إلى مستوى يفوق ما تنفقه شركة سامسونغ على البحث والتطوير، وهي الشركة التي يمثل نشاطها نحو خمس الاقتصاد الكوري كله. وبعد انتهاء اليوم الدراسي يصعد الأطفال إلى حافلات صفراء تنقلهم من معهد إلى آخر، وبين نوافذ أحد المباني المزدحمة رأيت صفاً من تلاميذ المرحلة الابتدائية — بألوانهم الزاهية وأجسادهم الصغيرة — ينتظرون دورهم في المصعد.
ويكاد الكوريون يجمعون على أن تكاليف التعليم وضغوطه من أهم الأسباب التي تجعل الناس يترددون في الإنجاب. فالحلم الأكبر لمعظم الأسر هو أن يُقبل أبناؤها في واحدة من الجامعات الثلاث الكبرى في سيئول. ويتوقف ذلك إلى حد بعيد على نتيجة امتحان القبول الوطني المعروف باسم «سونيونغ»، وهو امتحان يعقد مرة واحدة كل عام في شهر نوفمبر. وفي يوم الامتحان يتغير إيقاع البلاد كلها؛ إذ يتأخر افتتاح سوق الأسهم، وتُخفف أعمال البناء، وتُضاف رحلات جديدة للحافلات والمترو. وإذا تأخر طالب عن الامتحان قد تنقله الشرطة على دراجة نارية حتى يصل في الوقت المناسب. أما أثناء فقرة الاستماع في اختبار اللغة الإنجليزية — الذي يتطلب صمتاً كاملاً — فتُوقف السلطات عمليات إقلاع الطائرات وهبوطها حتى لا يفسد الضجيج تركيز الطلاب.
وتبلغ المنافسة التعليمية أحياناً حدوداً يصعب تصديقها. ففي بعض المعاهد يدرس أطفال الصف الخامس مبادئ التفاضل والتكامل، بينما يحصل بعض تلاميذ المرحلة الابتدائية على دورات تمهيدية في الطب. ويتخصص آخرون في الموسيقى أو الرياضة منذ سن مبكرة جداً. ولدى الكوريين مثل يقول: «قد يخرج التنين من الجدول الصغير»، في إشارة إلى أن الموهبة قد تظهر في أكثر الأماكن تواضعاً. لكن جون لي، المحلل السياسي الذي عمل سابقاً مدرساً في أحد هذه المعاهد، لم يكن مؤمناً كثيراً بهذه الرواية المثالية. فقد أخبرني أن الإدارة كانت تحدد له نطاقاً معيناً للدرجات، لأن إعطاء درجات مرتفعة جداً يدفع الآباء إلى نقل أبنائهم إلى معهد أكثر نخبوية، بينما تؤدي الدرجات المنخفضة إلى اتهام المعهد بإهدار أموال الأسر.
وبعض هذه المؤسسات انتقائي إلى درجة أن إحدى الشابات قالت لي: «إذا لم تدرس في معهد معين فأنت ببساطة خارج المجموعة.» أما العلاقات الاجتماعية داخل بعض المعاهد، خصوصاً الأكثر صرامة، فتخضع لقواعد دقيقة. ففي بعضها يُمنع الحديث بين الأولاد والبنات إلا فيما يتعلق بالدراسة مباشرة، وقد يؤدي عناق عابر أو تبادل رسائل عاطفية إلى عقوبة تنظيف الحمامات.
واليوم يقول أربعة من كل خمسة أطفال في كوريا إن المدرسة أشبه بساحة معركة. وفي عام 2012 أطلقت منظمة تحمل اسم «عالم بلا قلق بشأن التعليم الخاص» حملة دعائية عرضت صورة زجاجة حليب مليئة بالأرز المقلي، وتحتها عبارة تقول: «أمي، هذا مبكر جداً بالنسبة لي.» وقد فرضت الحكومة حظر تجول يلزم المعاهد بإيقاف الدروس بعد العاشرة أو الحادية عشرة ليلاً، لكن ذلك لم يغير الكثير من الواقع. فالمشكلة تشبه ما يسميه الاقتصاديون «معضلة السجين»؛ الجميع يدرك أنها مؤذية، لكن أحداً لا يستطيع الانسحاب منها بمفرده.
الانقسام الثقافي والسياسي حول الخصوبة
وعندما زرت مقر المنظمة حدثني أحد العاملين فيها قائلاً: «الجميع يعرف أنها مشكلة على المستوى العام، لكن حين يتعلق الأمر بأطفالي أنا شخصياً لا أستطيع أن أتصرف بصورة مختلفة.» وعندما قلت إن الأطفال لا بد أن يكونوا تعساء تحت هذا القدر من الضغط، صحح عبارتي قائلاً: «المفارقة أنهم يصبحون أكثر تعاسة إذا لم يذهبوا إلى هذه المعاهد، لأنها المكان الوحيد الذي يستطيعون رؤية أصدقائهم فيه. لم يعد أحد يذهب إلى الملاعب.»
وربما لا يوجد رقم يلخص المأساة كلها أفضل من رقم واحد: السبب الأول لوفاة الشباب في كوريا الجنوبية اليوم هو الانتحار. ولهذا لم أسمع كوريّاً واحداً يتحدث عن المشكلة بوصفها مجرد أزمة مواليد. أكثر من شخص وصف لي المجتمع كله بكلمة واحدة قصيرة ومؤلمة: «إنه مجتمع مكسور».
وليس الخروج من هذا النظام أمراً هيّناً، ولا قراراً يتخذه المرء ثم يواصل حياته كأن شيئاً لم يكن. ففي أحد صباحات حي هابجيونغ في سيئول التقيت مجموعة صغيرة من الآباء والأمهات يديرون نموذجاً مختلفاً لرعاية الأطفال. كانوا يتحدثون عن حيهم كما لو كان آخر الجزر التي لم تبتلعها الشركات الكبرى بعد. اجتمعنا في مخبز محلي هادئ يبدو خالياً في أغلب الأوقات، لكن المفارقة الساخرة كانت أن المخبز نفسه يقع بين عدة فروع لمقهى ستاربكس؛ واحد إلى جواره مباشرة، وآخر على الجانب المقابل من الشارع، وثالث عند الزاوية القريبة. بدا الأمر كما لو أن الاستقلال نفسه صار محاصراً من كل الجهات.
وقبل أربعة عقود لم تكن رعاية الأطفال في سيئول مسألة تحظى بكثير من الاهتمام المؤسسي. كان بعض الآباء العاملين يتركون أبناءهم الصغار داخل الشقق المغلقة وينطلقون إلى أعمالهم، مدفوعين بالحاجة أكثر من أي شيء آخر. وأحياناً كانت المأساة تزور تلك البيوت؛ فقد مات بعض الأطفال في حرائق اندلعت أثناء غياب ذويهم. ومن رحم هذه التجارب المؤلمة ظهرت عام 2002 مبادرة أسسها ناشطون محليون لتقديم نموذج جماعي بديل، يحاول أن يمنح الأطفال شيئاً من الطفولة التي أخذتها المدينة الحديثة.
وكان الآباء الذين التقيتهم يستعيدون طفولتهم القديمة بلهجة يختلط فيها الحنين بالحسرة. قال لي فنان يُدعى داوم إن الأزقة كانت في الماضي امتداداً طبيعياً للبيت، وإن الطفل إذا ركل كرته داخل حديقة أحد الجيران ذهب ببساطة وطرق الباب ليستعيدها. أما اليوم فقد اختفت تلك المدينة من الوجود تقريباً. قال مبتسماً بمرارة: «الآن يصرخ صاحب المنزل في وجهك قائلاً: كدت تكسر نافذتي!» حتى إن الضوضاء الصادرة من الأطفال في الشقق السكنية أصبحت قضية متكررة إلى درجة أن اللغة الكورية خصصت لها مصطلحاً مستقلاً. وقد اضطر داوم وزوجته داني إلى مغادرة منزلهما بعدما ضاقت إحدى الجارات بأصوات أطفالهما وقالت لهما صراحة: «لم أعد أحتمل أطفالكما.»
وكانت فلسفة الرعاية في هذه الجماعة بسيطة ومختلفة. يخرج الأطفال إلى الهواء الطلق كل يوم، ويتعلمون أسماء النباتات والحيوانات، ويتعرفون إلى الفصول من خلال الأعياد التقليدية القديمة. وحتى العلاقة بين الأطفال والمعلمين كانت أكثر تحرراً؛ فلم تكن الألقاب الرسمية الصارمة مستحبة، بل كان الجميع يستخدمون أسلوباً لغوياً أقرب إلى حديث الأصدقاء. واتفق الآباء أيضاً على تجنب إرسال أبنائهم إلى معاهد الهاغوون في هذه المرحلة من العمر. وكانت إحدى الأمهات تصف هذه البيئة بقولها إنها تجعل تربية الأطفال «أقل رعباً».
لكن المشكلة أن هذا الملاذ المؤقت لا يدوم طويلاً. فعندما يبلغ الأطفال سن المدرسة العادية يجدون أنفسهم فجأة داخل النظام التعليمي الكوري بكل ضغوطه ومطالبه. قالت إحدى الأمهات إن أطفالها يصلون إلى المدرسة بينما يكون أقرانهم قد اعتادوا منذ سنوات على أيام دراسية طويلة وعلى إيقاع الهاغوون القاسي، في حين لا يزال أطفالها معتادين على وقت القيلولة واللعب.
وترى هوانغ أوك-كيونغ، وهي رئيسة مركز أبحاث مدعوم حكومياً، أن المشكلة أعمق من أن تُحل عبر الإعانات أو القوانين. فالمجتمع نفسه، في رأيها، لا يمنح الأطفال مكانة مركزية في حياته. قالت لي إن بعض الموظفات اللواتي يعملن معها يعترفن أحياناً بأن أبناءهن أصبحوا أشبه بالغرباء بالنسبة إليهن. ثم أضافت ملاحظة مريرة : «الشباب يطالبون بزيادة ساعات رعاية الأطفال، لكن معنى ذلك ببساطة أنهم يريدون قضاء وقت أقل مع أطفالهم.»
وفي رأيها أن الهوس بالمكانة الاجتماعية حوّل الأبناء إلى مشروع شخصي يثبت نجاح الوالدين أكثر مما يمنح الأطفال فرصة للنمو بوصفهم أفراداً مستقلين. فكثير من الأسر تحصل على الإعانات الحكومية المخصصة للأطفال، ثم تنفقها على مزيد من الدروس الخاصة، فتدور الحلقة من جديد. ولهذا قالت لي ساخرة إن من يزور حي دايتشي-دونغ سيجد معاهد الهاغوون وصالات البيلاتس داخل المبنى نفسه؛ فكل شيء هناك يدور حول تحسين الأداء ورفع الكفاءة، حتى الطفولة ذاتها.
وقبيل عيد الميلاد بقليل انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي إحصائية جديدة عن تراجع الخصوبة في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي. والمفاجأة أن بعض الليبراليين استقبلوا الخبر بقدر من الابتهاج. فقد انتشرت تغريدة لشابة كتبت فيها: «رائع، استمروا جميعاً!» عشرات الآلاف من المرات، بينما طالبت كوميديانة متابعيها بالحفاظ على هذا «الإنجاز»!.
وفي العام الماضي نشرت الفيلسوفة أناستازيا بيرغ والمحررة ريتشل وايزمان كتاباً بعنوان «ما الغاية من الأطفال؟». وبعد صفحات طويلة من التأمل والتحليل انتهى الكتاب إلى نتيجة متواضعة للغاية: ربما يكون إنجاب الأطفال أمراً جيداً ولطيفاً أحياناً. لكن حتى هذا الموقف المعتدل تعرض لهجوم حاد. فقد كتبت مويرا دونيغان أن النساء الأمريكيات لا يحتجن إلى موعظة جديدة عن فضائل الإنجاب، بل إن أي يساري يشعر بالحاجة إلى الترويج للأطفال ربما لا يكون يسارياً بالقدر الذي يظنه. وذهبت إلى أن بعض الدعوات الحديثة إلى الإنجاب قد تكون محاولة غير واعية لإقناع النساء بأن الحريات الإنجابية التي فُقدت أخيراً لم تكن تستحق الدفاع عنها أصلاً.
ومن السهل فهم هذا القلق إذا نظرنا إلى التاريخ القريب. فكثير من التقدميين يرون أن أي مشروع لتشجيع الإنجاب يحمل في داخله خطراً دائماً يتمثل في تحويل جسد المرأة إلى أداة لخدمة أهداف الدولة. وقد عبرت عن ذلك عالمة الديموغرافيا لي سندرزوفيتش بعبارة مباشرة حين قالت: «لا توجد طريقة أساسية لفعل ذلك من دون أن ينتهي الأمر بمعاملة أجساد النساء كوسيلة.»
ولعل الأرقام تدعم شيئاً من هذا التخوف. فبحسب بيانات الأمم المتحدة، تميل الدول التي تتبنى سياسات قوية لزيادة الإنجاب إلى أن تكون أقل ديمقراطية في المتوسط. وفي إيطاليا مثلاً حمل أحد برامج مكافآت المواليد شعارات وأسماء أعادت إلى الأذهان رموزاً فاشية قديمة. أما في الصين، كما أشار الاقتصادي نيكولاس إيبرشتادت، فتمتلك السلطات بالفعل أدوات تسمح لها بالتدخل المباشر في الحياة الخاصة للمواطنين، حتى إن بعض المسؤولين المحليين يتابعون الدورات الشهرية للنساء ويزورون البيوت لهذا الغرض. وفي روسيا ذهبت الحكومة خطوة أبعد حين أقرت قانوناً يجرّم ما أسمته «الدعاية الخالية من الأطفال»، وهو تعريف فضفاض إلى درجة قد تشمل مخالفةُ أحكامه مجردَ ظهور زوجين سعيدين بلا أطفال في برنامج تلفزيوني أو على إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن بعض التقدميين لا يجدون حرجاً في التعامل مع العزوف عن الإنجاب بوصفه فضيلة أخلاقية في حد ذاته. فحركة «إضراب الولادة» مثلاً تعلن بوضوح أن الامتناع عن إنجاب الأطفال هو أكثر ما يستطيع الإنسان فعله لمواجهة تغيّر المناخ. والفكرة تبدو معقولة حين تُقال بسرعة، لكنها تفقد كثيراً من قوتها عندما ننظر إلى الأرقام. فالتغير السكاني يحدث على مهل شديد، بينما تتحرك الأزمة المناخية على إيقاع مختلف تماماً. الأطفال الذين يُفترض أنهم كانوا سيزيدون العبء على الكوكب هم، في الأغلب، قد وُلدوا بالفعل أو سيولدون خلال العقود القريبة مهما كان اتجاه الخصوبة العام. ولهذا ترى الفيلسوفة أناستازيا بيرغ والمحررة ريتشل وايزمان أن الحجج البيئية قد تتحول أحياناً إلى غطاء أخلاقي أنيق لميول شخصية لا يرغب أصحابها في عرضها بصورتها المباشرة. وقد أطلق أحد الباحثين على هذه الظاهرة تعبيراً لافتاً: «التسليح السياسي والاجتماعي للخصوبة».
وفي المقابل يشير الليبراليون إلى الهجرة باعتبارها العلاج الأكثر وضوحاً للمشكلات الاقتصادية التي يسببها تراجع عدد السكان. فإيطاليا تحتاج إلى ممرضات، وألمانيا تحتاج إلى سباكين، والرضيع الذي يولد اليوم لن يصلح أنبوباً معطلاً في دوسلدورف قبل عشرين عاماً على الأقل. لكن الهجرة ليست حلاً نهائياً بقدر ما هي تأجيل للمشكلة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن معظم دول العالم ستجد نفسها، بحلول نهاية هذا القرن، تحت مستوى الإحلال السكاني. وعندئذ لن يبقى عدد كافٍ من المهاجرين المحتملين لإنقاذ الجميع في الوقت نفسه.
ثم إن الهجرة نفسها تثير حساسيات لا تقل تعقيداً عن المشكلة التي يُراد بها علاجها. ففي سيئول أثار برنامج صغير لاستقدام مئة مربية من الفلبين جدلاً واسعاً تجاوز حجمه الحقيقي بكثير. ولم يكن ذلك غريباً تماماً؛ فالمجتمعات التي تشعر بالقلق على مستقبلها الديموغرافي تصبح أكثر حساسية تجاه الاختلافات الثقافية، مهما بدت تافهة للغرباء. إذ تشتهر بعض النساء الكوريات بتوبيخ مربياتهن الفيتناميات لأنهن يقشرن التفاح في الاتجاه «الخاطئ».
وغالباً ما يربط الليبراليون الأمريكيون بين الخوف من التغير السكاني وبين العداء للأجانب، لكن الصورة ليست متطابقة في كل مكان. فكوريا، التي عاشت قروناً تحت ظل قوى أكبر منها ثم خضعت للاستعمار الياباني، تنظر إلى فكرة البقاء الثقافي بعين تختلف عن نظرة المجتمعات المهاجرة بطبيعتها. وحتى أكثر الناس انفتاحاً يشعر أحياناً بشيء من القلق حين يتخيل اختفاء لغة أو ثقافة صغيرة من الوجود. وقد قالت لي عالمة الديموغرافيا الفنلندية آنا روتكيرش إن أقل من عشرة آلاف طفل وُلدوا في إستونيا خلال عام واحد، ثم سألت بجدية كاملة: ماذا سيحدث للغة الإستونية نفسها؟ ولم يكن سؤالها من باب المبالغة الأدبية.
وخلال السنوات الماضية جرّبت الحكومات تقريباً كل ما يمكن تخيله من سياسات تشجيع الإنجاب. ففي المجر تُعفى المرأة التي تنجب أربعة أطفال من ضريبة الدخل مدى الحياة. وفي جورجيا أعلن البطريرك الأرثوذكسي استعداده لتعميد كل طفل ثالث يولد في الأسرة بنفسه. وفي دول أخرى قُدمت إعانات مالية وإجازات أطول للوالدين ودعم للسكن ورعاية الأطفال. لكن النتائج بقيت محدودة على نحو يثير الإحباط. فحتى الآن لا يعرف الباحثون مثالاً حديثاً لدولة هبطت خصوبتها إلى مستويات شديدة الانخفاض ثم نجحت في إعادتها إلى معدل الإحلال بصورة مستقرة. وقد تنجح بعض البرامج في رفع المعدلات قليلاً، إلا أن هذا الارتفاع يبقى متواضعاً مقارنة بحجم الإنفاق المبذول.
بل إن بعض الباحثين يذهب إلى أن المشكلة ليست في نوع الحوافز بل في حجمها. فإذا أرادت الحكومات تغيير سلوك الناس فعلاً، فقد تضطر إلى تقديم مبالغ هائلة تقترب من ثلاثمئة ألف دولار لكل طفل. وعند هذه النقطة يبدأ السؤال المحرج في الظهور: هل يمكن حقاً شراء قرار بحجم قرار الإنجاب؟
المستقبل والمعنى الإنساني للإنجاب
وفي صباح ضبابي زرت مكتب أوه سي-هون، عمدة سيئول، داخل مبنى بلدية يبدو شديد الولع بالمستقبل. كان الرجل يتحدث بحماسة عن أزمة السكن الخانقة في العاصمة، حيث يعيش عدد متزايد من السكان بمفردهم، ثم انتقل إلى استعراض البرامج التي أطلقتها المدينة لمواجهة انخفاض المواليد. كانت القائمة طويلة إلى درجة يصعب تذكرها: عشرات المبادرات وعشرات المشروعات الفرعية، كلها مصممة لإقناع الناس بإنجاب مزيد من الأطفال.
وخلال حديثه كانت شاشة ضخمة في الطرف الآخر من القاعة تعرض رسوماً وأشكالاً متفائلة عن مستقبل المدينة. أهرامات سكانية، ومبانٍ حديثة، وصور لحياة حضرية مزدهرة. وعندما ذكرت له أن بعض علماء السكان بدأوا يتحدثون عن إدارة الانكماش السكاني بدلاً من القضاء عليه، لمح إلى أن المشكلة لا تتعلق بالخبراء وحدهم. فالسياسي، في النهاية، لا يعمل في مختبر. وهناك ناخبون يريدون حلولاً لا مجرد تفسيرات.
وعند مغادرتي المبنى أشار مساعداه إلى مقهى صغير في الردهة. كانت ذراع روبوتية تعد أكواب الإسبريسو للزوار بدقة لا تخطئ. ولم يكن المشهد يحتاج إلى كثير من التأمل لفهم مفارقته؛ فمدينة تخشى نقص البشر تستعرض في الوقت نفسه براعة الآلات التي تستطيع أداء أعمالهم.
وقد بدأت الشركات الكورية تتعامل مع هذا الواقع بقدر أكبر من البراغماتية. فبدلاً من انتظار عودة معدلات الولادة إلى سابق عهدها، أخذت تستعد لعالم يضم عدداً أكبر من المسنين وعدداً أقل من الأطفال. ويتوقع المحللون أن تصل قيمة ما يسمى «الصناعة الفضية» إلى نحو مئة وستين مليار دولار، وهي سوق موجهة أساساً إلى كبار السن الذين يعيشون أعماراً أطول ويتمتعون بصحة أفضل. وتراهن شركات السفر على أن المتقاعدين الذين لا ينفقون أموالهم على الأبناء والأحفاد سينفقونها على رحلات أبعد وأكثر كلفة.
ولهذا تخطط شركات كبرى مثل هيونداي لإنشاء مجتمعات تقاعد متكاملة وفاخرة للأشخاص الذين لا يستطيعون الاعتماد على الأبناء في رعاية الشيخوخة. كما بدأت شركات أخرى تعيد التفكير في طبيعة المنتجات التي تبيعها. فبدلاً من بيع أعداد ضخمة من السلع المتوسطة، قد يصبح من الأجدى بيع عدد أقل من المنتجات الفاخرة. وقد امتدح عالم الديموغرافيا تشو إحدى الخطط التسويقية الجديدة التي تقوم على بيع ثلاجات أقل عدداً وأكثر فخامة. فالسوق نفسها تتغير مع تغير المجتمع.
أما الولايات المتحدة فما تزال بعيدة نسبياً عن عن مرحلة «الباريستا الروبوتي». وربما تنتهي بعض المخاوف الحالية بالطريقة نفسها التي انتهت بها نبوءات «قنبلة السكان» قبل عقود. ولهذا يحذر كثير من الباحثين من الثقة الزائدة بالتوقعات البعيدة. وقد قال عالم الاجتماع فيليب كوهين إن من يعتقد أنه قادر على التنبؤ بمعدلات الولادة بعد مئتي عام لا يفعل أكثر من رسم خطوط على ورقة ثم افتراض أن التاريخ سيلتزم بها.
ومعظم علماء السكان لا يرون في انخفاض الخصوبة كارثة محتومة. ففي كتابه «الانحدار والازدهار!» يجادل الديموغرافي النرويجي فيغارد سكيربيك بأن الخصوبة المنخفضة ليست بالضرورة أمراً يدعو إلى الذعر، ما دامت لم تنخفض إلى مستويات متطرفة. لكن لهذه الفكرة قيداً مهماً. فسكيربيك نفسه شارك قبل سنوات في تطوير ما عُرف باسم «فرضية الفخ الخصوبي المنخفض».
وتقول هذه الفرضية إن المجتمع قد يدخل حلقة يصعب الخروج منها. فحين يقل عدد الأطفال كثيراً، يكبر جيل كامل وهو يرى عدداً أقل من الأطفال حوله، ويختبر الأبوة والأمومة بدرجة أقل، ويتعامل مع الإنجاب بوصفه خياراً نادراً لا تجربة مألوفة. ومع مرور الوقت لا تتغير الأرقام وحدها، بل تتغير التوقعات الثقافية أيضاً. وعندئذ لا يصبح السؤال: لماذا لا تنجب؟ بل يصبح السؤال المعاكس: ولماذا تنجب أصلاً؟
كانت هذه الفرضية تبدو، حتى وقت قريب، أقرب إلى تمرين ذهني يتداوله الباحثون منها إلى مسار يمكن أن تسلكه المجتمعات فعلًا. ثم جاءت كوريا الجنوبية لتمنحها قدرًا من المصداقية لم يكن متاحًا من قبل. وعندما سألت سكيربيك إن كان يتوقع أن تلحق بها دول أخرى، لم يتردد كثيرًا قبل أن يقول: «عدد كبير جدًا منها... ربما». أما عالمة الديموغرافيا الفنلندية آنا روتكيرش فترى أن الرغبة في الإنجاب لا تنشأ في فراغ، بل تتغذى من الخبرات الاجتماعية اليومية. قالت لي إنها تفكر في تضمين سؤال بسيط في أحد الاستطلاعات المقبلة: «هل حملت طفلًا بين ذراعيك يومًا؟» ثم أضافت أنها تشك في أن نسبة غير قليلة من الفنلنديين ستجيب بالنفي.
ولا تتوقف هذه العدوى الاجتماعية عند حدود الدولة الواحدة. فبحسب عالم الاجتماع هوانغ سون-جاي، الذي يدرس المعايير المرتبطة بالخصوبة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي سرعت انتشار نموذج عالمي موحد للحياة. لم يعد الناس يقيسون أوضاعهم بمن يعيشون في الشارع نفسه أو المدينة نفسها، بل يقارنون أنفسهم بأشخاص في نيويورك ولندن وباريس. وهم يرون يوميًا الرحلات التي لم يقوموا بها، والمطاعم التي لم يدخلوها، وأنماط الحياة التي لم يختبروها. لهذا قال هوانغ: «كان الناس يقارنون أنفسهم بجيرانهم. أما اليوم فهم يقارنون أنفسهم بالعالم كله، ثم يخرجون بانطباع واحد: حياتي ليست جيدة بالقدر الكافي.»
في المقابل، تبدو كلفة المجتمع المتناقص عددًا أقل وضوحًا للعين المجردة. ففي العام الماضي انتشر رسم كاريكاتيري كوري يتخيل الاحتفال بعيد الميلاد الأول لطفل بعد عشرة أعوام من الآن. لم يعد الاحتفال يقتصر على الأسرة والأقارب، بل يقام في ملعب كأس العالم أمام عشرة آلاف شخص، بحضور رئيس الجمهورية نفسه. وكان الرسم يسخر من المستقبل عبر تفاصيل صغيرة: طلب طعام يستغرق أكثر من ساعة ونصف، أو خدمات يومية أصبحت أبطأ مما اعتاد الناس. لكن ما يبدو اليوم مجرد مزحة قد يتحول غدًا إلى مشكلة حقيقية. فبحلول عام 2050 ستتقلص قوة العمل الكورية إلى نحو ثلثي حجمها الحالي، وقد يصبح العثور على من يوصل الطعام إلى منزلك أكثر صعوبة مما نتخيل الآن. وكان تشو قد نصح شركة نونغشيم للمعكرونة بأن تستعد ليوم يصبح فيه العثور على عامل واحد في بوسان، ثاني أكبر مدن البلاد، مهمة شاقة للغاية.
لهذا يرجح أن تستمر سن التقاعد في الارتفاع عامًا بعد عام. وقد تلجأ بعض الأنظمة الأقل اكتراثًا بالضغوط الانتخابية إلى حلول أكثر خشونة، كتقليص مزايا التقاعد لمن لم ينجبوا أطفالًا. وقد تنشأ كذلك انقسامات اجتماعية جديدة تختبر قدرة المجتمعات الليبرالية على التعايش. فالعمال الأصغر سنًا قد يزداد ضيقهم من تمويل برامج اجتماعية يعلمون أنهم لن ينالوا منها الفوائد نفسها حين يبلغون الشيخوخة. وفي الوقت ذاته، تشير البيانات إلى أن الرجال، خصوصًا من هم في المراتب الاجتماعية والاقتصادية الأدنى، يحققون رغباتهم الإنجابية بدرجة أقل من السابق، إن أنجبوا أصلًا. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تتحول بعض الصراعات السياسية إلى انعكاس مباشر لهذه الفجوة المتنامية.
وقد تناولت رواية «أبناء الرجال» لبي. دي. جيمس هذه الفكرة من زاوية أكثر قتامة مما قدمه الفيلم الشهير المقتبس عنها. فبريطانيا هناك بلد هرِم، ضبابي، يزداد انغلاقًا مع الزمن. البنية الأساسية تعتمد على عمال مهاجرين لا يراهم أحد تقريبًا، فيما يُنقل المسنون إلى رحلات أخيرة تنتهي في البحر. ومن اللافت أن الاقتصادي الياباني يوسوكي ناريتا أثار ضجة قبل سنوات عندما اقترح، على سبيل الاستفزاز الفكري، أن يؤدي كبار السن في اليابان «سيبوكو - انتحار ياباني قديم كان يمارسه محاربو الساموراي». لم يكن الاقتراح جادًا بطبيعة الحال، لكنه كشف حجم التوتر الذي قد ينشأ حين يجتمع طول العمر مع ندرة المواليد.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من الكوريين الذين التقيتهم لا ينظرون إلى المستقبل بهذه السوداوية. كانوا يتحدثون عن مجتمع أقل إنهاكًا لأفراده، وأهدأ إيقاعًا، وأوفر نصيبًا من الموارد لكل شخص. وفي تصورهم أن عددًا أقل من السكان قد يعني ازدحامًا أقل وضغوطًا أقل وحياة أكثر راحة. لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالتراجع السكاني لا يوزع المنافع بالضرورة على الجميع بالتساوي. وإذا أغلقت الجامعات أبوابها تباعًا بسبب نقص الطلاب، فقد تصبح المؤسسات المتبقية أكثر انتقائية وأصعب وصولًا. وإذا ضعفت قدرة قوة العمل على إنتاج السلع الأساسية وتوزيعها، فقد تتحول بعض هذه السلع إلى امتياز لا يملكه إلا القادرون على دفع ثمنه.
ويلفت عالم الديموغرافيا دين سبيرز النظر إلى نقطة أخرى أكثر عمقًا. فكلما أصبحت احتياجات البشر أكثر تخصصًا، ازداد اعتمادهم على وجود عدد كافٍ من الأشخاص الذين يشتركون معهم في هذه الاحتياجات. فالطب المتقدم مثلًا يحتاج إلى عدد كبير من المرضى والأطباء والمختبرات والخبرات حتى يظل ممكنًا اقتصاديًا. ولهذا فإن العثور على علاج متخصص في مدينة كبيرة أسهل كثيرًا من العثور عليه في بلدة صغيرة معزولة. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يأتي وقت يصبح فيه معظم الكوريين متمركزين داخل سيئول الكبرى، بينما تمتد خارجها مساحات واسعة قليلة السكان. عندها قد تبدو البلاد أقرب إلى مدينة عملاقة تحيط بها أراضٍ شاسعة تديرها الآلات والروبوتات، وربما حقول أرز تعمل وحدها تقريبًا.
ولسنوات طويلة بُنيت فكرة الازدهار الاقتصادي على افتراض بسيط: مزيد من الناس يعني مزيدًا من الإنتاج، ومزيدًا من الاستهلاك، ومزيدًا من الأسواق. وقد أشار المدافعون عن الانكماش السكاني إلى أن هذا النموذج يحمل في داخله مشكلة واضحة؛ فهو يعتمد على توسع مستمر لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. لكن تصحيح هذا الخلل قد لا يكون سلسًا كما يتخيل البعض. فإذا تعرض سوق العقارات الصيني، وهو أحد أكبر مخازن الثروة في العالم، لانهيار واسع بسبب التحولات السكانية، فلن تبقى آثاره داخل حدود الصين وحدها.
ويقدم التاريخ أمثلة على مجتمعات حاولت مواجهة التراجع العددي بطرق أكثر عنفًا. فقد كثف اتحاد الإيروكوا في القرنين السابع عشر والثامن عشر ما عُرف بحروب الحداد، وهي غارات كان الهدف منها أسر أفراد من الشعوب الأخرى لتعويض الخسائر السكانية التي سببتها الأمراض والعنف الاستعماري. ويرى بعض المراقبين أن الهواجس الديموغرافية لعبت دورًا، ولو جزئيًا، في رؤية فلاديمير بوتين لأوكرانيا بوصفها مصدرًا محتملًا لتعزيز الكتلة السكانية الروسية.
ومن زاوية غريبة، يبدو عالم «ماد ماكس» أقل كآبة مما نتوقع. فهو عالم عنيف وفوضوي، لكنه ما زال مليئًا بالبشر والحركة والطاقة. أما المجتمع الذي يتناقص عدد سكانه ببطء فقد يكون أكثر هدوءًا من اللازم، وأكثر سكونًا مما تحتمله المجتمعات الحية. وهناك أدبيات واسعة تربط بين الشباب والابتكار، فالأجيال الشابة أكثر استعدادًا للمغامرة وتجربة الأفكار الجديدة وتحمل المخاطر التي تصنع الشركات والتقنيات والأسواق.
ولهذا يرى إيلون ماسك وكثير من المتحمسين للتكنولوجيا أن الأطفال ليسوا مجرد أفراد جدد، بل احتمالات مفتوحة للمستقبل. فهم لا يعرفون أي طفل سيصبح عالمًا أو مخترعًا أو صاحب فكرة تغير العالم. وقد قال لي أحد المدافعين عن سياسات تشجيع الإنجاب من أبناء وادي السيليكون: «نحن لا نعيش من أجل الاستهلاك وحده. ولا أظن أن النهاية التي نتمناها للبشرية هي مجموعة من القرى الهادئة التي يقضي سكانها أيامهم في التقاعد.»
كانت القوة الحقيقية وراء الحماس التكنولوجي لفكرة زيادة الإنجاب لا تكمن في الوعود النظرية التي تتحدث عن اقتصاد أكبر أو أسواق أوسع، بقدر ما تكمن في الخوف مما قد يختفي إذا تقلص عدد البشر أكثر مما ينبغي. ولهذا استدعى عالم الأنثروبولوجيا التطوري جوزيف هنريش مثال سكان تسمانيا الأصليين، الذين انعزلوا عن البر الأسترالي منذ ما يقرب من عشرة آلاف عام. فقد كان عددهم محدودًا وموزعًا على نطاق واسع إلى درجة جعلت نقل المعرفة بين الأجيال أكثر هشاشة مما ينبغي. وبمرور الوقت ضاعت مهارات كانت موجودة من قبل؛ فتراجعت قدرتهم على صناعة الأدوات العظمية المعقدة، واختفت بعض تقنيات صناعة الملابس الدافئة، بل يبدو أن أساليب معينة من الصيد اندثرت هي الأخرى.
غير أن القضية لا تتعلق بالعدد المجرد وحده. فالثقافات لا تتقدم لأن لديها عددًا أكبر من البشر فحسب، بل لأن لديها عددًا أكبر من الأنماط البشرية أيضًا. تحتاج إلى أصحاب العقول العنيدة الذين يرفضون المألوف، وإلى أصحاب الطباع الغريبة الذين يجربون ما لا يجرؤ غيرهم على تجربته، وإلى أولئك الذين يطرحون أفكارًا تبدو في البداية غير معقولة قبل أن تتحول لاحقًا إلى جزء من الواقع. ولهذا فإن الأطفال ليسوا مجرد أفراد جدد يُضافون إلى الإحصاءات السكانية؛ إنهم المصدر الدائم لذلك التنوع غير المتوقع الذي تحتاج إليه أي ثقافة إذا أرادت أن تبقى حية وقادرة على التجدد.
ويخشى كثير من علماء السكان أن يؤدي الانجراف وراء تصورات الخيال العلمي إلى نتائج سياسية غير محمودة. فحين تتحول المخاوف المستقبلية إلى يقين راسخ، قد تجد الحكومات نفسها مدفوعة إلى إجراءات متعجلة أو متشددة باسم إنقاذ المجتمع. ومع ذلك تعترف عالمة الديموغرافيا ليزلي روت بأن بعض الأسئلة المقلقة تفرض نفسها أحيانًا حتى على الباحثين الأكثر حذرًا. فقد قالت لي إنها تتساءل أحيانًا عما إذا كان الإنسان قد أصبح منشغلًا بأهداف وطموحات جديدة إلى درجة جعلته أقل اهتمامًا بالمهمة البيولوجية القديمة المتمثلة في استمرار النوع. ثم توقفت قليلًا قبل أن تضيف أنها لا تعرف إن كان هذا التفسير صحيحًا أم لا، لكنها ترى أن السؤال يستحق التفكير.
ومع ذلك فإن ما يشغلها أكثر ليس سبب التراجع في حد ذاته، بل ما قد يترتب عليه. فإذا أرادت المجتمعات الحفاظ على عدد مستقر من السكان في العقود المقبلة، فقد لا يكفي تعديل بعض السياسات أو زيادة بعض الحوافز المالية. وربما ينتهي الأمر إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير: إعادة النظر في الطريقة التي نعيش بها، ونعمل بها، ونبني بها علاقاتنا الاجتماعية من الأساس.
وقبل نحو عشر سنوات بث أحد برامج الواقع الكورية صورًا لنجوم أثرياء يعيشون لحظات أسرية مثالية مع أطفالهم، في مشاهد مصقولة بعناية لا تشبه حياة معظم الناس إلا من بعيد. لكن قصة أكثر تواضعًا، وأقل بهرجة، بدت لي أكثر قدرة على تفسير ما يجري بالفعل. إنها قصة ميجي وهو-جيل، زوجان في مقتبل العمر، هادئان على نحو لافت، وفي شخصيتيهما مسحة من الاختلاف عن النموذج الكوري المألوف. واليوم يربيان طفلين صغيرين.
كانت ميجي، البالغة من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، قد درست الإعلام في سيئول ثم عملت بصورة حرة مع محطة تلفزيونية في كوانغجو. أما هو-جيل، البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، فقد التحق بعد تخرجه بوظيفة في مؤسسة تُعنى بالأطفال. وهناك بدأ يشعر بأن المسار التقليدي الذي يدفع الكوريين إلى مطاردة النجاح المهني بلا توقف لم يعد يغريه بالقدر نفسه. وأخبرني أنه قرأ مؤخرًا تقريرًا يشير إلى أن كوريا هي الدولة الصناعية الغنية الوحيدة التي يضع فيها الناس تحسين أوضاعهم الاقتصادية في مرتبة تسبق الحب والعلاقات الشخصية. ثم قال: «منذ الصغر نتلقى رسالة واضحة جدًا حول ما ينبغي أن نسعى إليه. لكن عندما نصل إلى مرحلة نستطيع فيها الاختيار بأنفسنا، نكتشف أننا لا نعرف بالضرورة كيف نعيش حياة جيدة أو ماذا نفعل بهذه الحرية.»
التقى الاثنان في نادٍ للقراءة عام 2016. وكانت ميجي تصف نفسها بصراحة بأنها من الأشخاص الذين يتأثرون بسهولة بآراء المحيطين بهم، بينما أعجبها في هو-جيل أنه بدا أقل اكتراثًا بتلك الضغوط. وبعد خمس سنوات من العلاقة قررا الزواج. كانت هي تميل إلى حفل كبير يراعي التقاليد الاجتماعية، بينما كان هو يفضل احتفالًا صغيرًا يقتصر على المقربين. وفي النهاية توصلا إلى تسوية بين الرغبتين. وقالت لي ميجي: «لا أستطيع أن أتصرف وكأن المجتمع غير موجود، لكنني أحاول دائمًا أن أجد نقطة توازن بين ما يتوقعه الآخرون وما أريده أنا بالفعل.»
كانت ميجي تتصور منذ البداية أن تصبح أمًا يومًا ما. أما هو-جيل فكان أكثر ترددًا. وقد أخبرني أنه كان ينظر إلى فكرة الأبوة بشيء من الشك، بل وصفها في ذلك الوقت بأنها نوع من الأنانية. لم يكن قد اعتاد التعامل مع الأطفال، ولم يشعر أنه يفهم عالمهم أو يعرف كيف يتصرف داخله. ولهذا بدأ يقرأ في تربية الأطفال، ثم دخل مع زوجته في نقاشات طويلة ومحتدمة حول الموضوع. ووصف تلك الفترة قائلًا: «كانت مناقشات قاسية فعلًا.»
وكان هناك جانب عملي لا يمكن تجاهله. فميجي لم تكن تتمتع باستقرار مهني يمنحها شعورًا بالأمان. ولهذا قال لها بوضوح: «إذا كنتِ جادة بشأن إنجاب الأطفال، فمن الأفضل أن تبحثي عن وظيفة أكثر استقرارًا.» وقد فعلت ذلك بالفعل، حتى حصلت على وظيفة أمينة في أحد المتاحف.
أما هو-جيل فلم يكن يرى مستقبله من خلال الترقيات والمناصب. وقال لي إنه لم يكن مهتمًا بالصعود الوظيفي التقليدي، ولذلك لم يخش كثيرًا من أثر إجازة الأبوة على مساره المهني. لكن ميجي نظرت إلى المسألة بصورة مختلفة. فقد قالت: «حين تكون لديكِ طموحات مهنية حقيقية، يصبح قرار التوقف مؤقتًا من أجل الأطفال قرارًا صعبًا جدًا.» وكانت تتحدث من واقع تجربة؛ إذ رُفض طلب ترقيتها مرتين.
وفي تلك الفترة كانت مدينة كوانغجو تقدم للآباء إعانة شهرية تقارب مئة وخمسين دولارًا، إلى جانب دعم اتحادي يبلغ نحو خمسمئة دولار شهريًا حتى يصل الطفل إلى سن الالتحاق برعاية النهار. ولم يكن هو-جيل يخفي أن الحسابات المالية لعبت دورًا مهمًا في موقفه من فكرة الإنجاب. وضحكت ميجي وهي تشرح الأمر قائلة: «كان يتعامل مع كل قرار تقريبًا بالأرقام. وفي هذه المرة كانت الأرقام في صالح الأطفال.»
ثم وُلد ابنهما الأول، ووجو، عام 2022. وعندما عادا به من المستشفى إلى المنزل، لم يكن أول ما شغلهما ترتيب الغرفة أو التقاط الصور التذكارية، بل طرق أبواب الجيران للاعتذار مسبقًا. أخبروهم أن الطفل قد يستيقظ ليلًا، وأنهم قد يضطرون إلى الحركة في ساعات متأخرة، وأن بعض الضوضاء قد يكون أمرًا لا مفر منه. ولحسن حظهما كان الزوجان المسنان اللذان يعيشان في الطابق السفلي أكثر صبرًا وتفهمًا مما اعتاد الناس أن يتوقعوه في مثل هذه المباني.
لم تكن برامج الدعم التي تقدمها الأقاليم للمواليد عديمة الأثر تمامًا، لكنها كثيرًا ما تبدو أنجح على الورق منها في الواقع. فبعض الارتفاعات التي تسجلها الإحصاءات لا تعكس زيادة حقيقية في عدد الأسر المستقرة، بل تنتج عما يسميه المسؤولون «الآباء الذين يأخذون ويهربون»؛ أولئك الذين ينتقلون إلى منطقة ما للحصول على الإعانات السخية، ثم يغادرونها بعد قبضها. وهكذا تتحول المنافسة بين المدن والبلدات إلى لعبة صامتة يتنقل فيها الناس من مكان إلى آخر بحثًا عن العرض الأفضل.
وفي عام 2023 خفضت كوانغجو قيمة الدعم الذي كانت تمنحه للأسر. وفي الوقت نفسه تقريبًا، وبينما كانت ميجي حاملًا بطفلها الثاني، أعلنت بلدة صغيرة تُدعى كانغجين، تبعد نحو ساعة ونصف بالسيارة، برنامجًا جديدًا يمنح إعانات تعادل ثلاثة أضعاف ما كان متاحًا من قبل. وكان لوالدي هو-جيل مزرعة هناك، فبدت الفكرة أقل غرابة مما قد تبدو عليه للوهلة الأولى.
ولم تكن ميجي تعرف الكثير عن كانغجين. فصورتها عن البلدة جاءت في معظمها من برنامج تلفزيوني واقعي يتناول ترميم البيوت في المدن المتراجعة سكانيًا. أما أصدقاؤها فكانوا ينظرون إلى قرار الانتقال باعتباره خطوة يصعب فهمها، بل ربما تدعو إلى شيء من الاستغراب. ومع ذلك حزمت الأسرة أمتعتها وانتقلت إلى هناك في أكتوبر من العام الماضي.
وفي صباح أحد أيام العمل استقبلاني في شقتهما الصغيرة المرتبة بعناية. لم يكن في الجدران ما يلفت النظر إلا أشياء قليلة، بينها جهاز اتصال مرئي قديم تعطل منذ زمن. بدا قطعة نجت من عصر تقني مضى وانتهى. وكان البيت فقيرًا في الزينة، لكنه غني بما هو أهم منها؛ شعور واضح بأن من يعيشون فيه يشغلون المساحة نفسها ويقضون حياتهم معًا بالفعل.
أما ابنهما الأصغر، إيون-بيول، فلم يكن قد تجاوز شهره العاشر. كان طفلًا ممتلئ الخدين يرتدي مريلة خضراء، وقد بدأ لتوه ينطق كلمة «ماما». وكان والداه يتحدثان بسرور عن الفروق بين الشقيقين؛ فالأكبر هادئ وحساس ويميل إلى الانطواء، بينما يبدو الأصغر أكثر جرأة وانطلاقًا.
لكن الحياة هناك ليست سهلة. فالعائلة معجبة بالحقول والهدوء والاتساع الذي يحيط بها من كل جانب، إلا أن أقرب طبيب أطفال يبعد نحو عشرين دقيقة بالسيارة. قالت ميجي وهي تتحدث بواقعية لا تخلو من الحزم: «إذا لم يكن طفلك بصحة جيدة فلا يمكنك أن تعيشي هنا.»
وكانا قد تعارفا إلى جار واحد فقط لديه طفل. ويأملان أن تتطور العلاقة يومًا ما إلى أكثر من تبادل التحية. أما بقية الأسر الشابة فتكاد تكون غير مرئية. ولذلك استسلما لفكرة أن الاحتكاك بآباء آخرين لن يبدأ فعليًا إلا عندما يدخل الأطفال المدرسة، وعندها سينضمان إلى مجموعات الدردشة المعتادة التي يدير من خلالها الآباء تفاصيل الحياة اليومية.
ولا تضم البلدة سوى ثلاثة أماكن تقريبًا يمكن اصطحاب الأطفال إليها. أحدها ملعب داخلي تشرف عليه الإدارة المحلية. وأرَياني صورًا لإيون-بيول وهو يلهو في صندوق رمل صغير وُضع فوق أرضية من اللينوليوم. أما المقهى الوحيد الذي تصفه ميجي بأنه أنيق ومناسب لصور إنستغرام، فقد اختار أن يعلن نفسه منطقة خالية من الأطفال.
وكان واضحًا أن الزوجين يستمتعان بالحديث عن تفاصيل هذه الحياة الريفية البسيطة. فالأحاديث التي تملأ يومهما لا تجد آذانًا كثيرة تصغي إليها. أصدقاء ميجي في المدينة لا يخفون رأيهم في الأمر، ويكررون عليها العبارة نفسها: «حين يكبر الأطفال ستعودين إلى كوانغجو من أجل تعليمهم.»
ولم يكن هذا الكلام بعيدًا تمامًا عن خبرتها الشخصية. فقد أمضت هي نفسها سنوات في معاهد الهاغوون استعدادًا لامتحانات القبول الجامعي، ولم تكن مرتاحة لفكرة حرمان أبنائها من الفرصة ذاتها.
أما هو-جيل فكان ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة. لم يختبر تلك التجربة أصلًا، ولذلك لم يقتنع يومًا بأنها ضرورة لا غنى عنها. بل إنه لم يكن مؤمنًا بأن الحصول على شهادة جامعية شرط أساسي لحياة ناجحة. وفي كوريا يُعد هذا الرأي خروجًا ملحوظًا على الإجماع السائد.
وعندما يعود الزوجان إلى عمليهما ستنتظرهما رحلة يومية مرهقة تستغرق ساعة ونصف في الذهاب ومثلها في العودة. لكن هذه المشكلة ما زالت مؤجلة إلى المستقبل. في أثناء حديثنا كان هو-جيل يضع إيون-بيول على ركبته. مال الطفل إلى الخلف قليلًا ثم أطلق زفرة رضا هادئة.
وقال الأب: «أحيانًا تراودني الشكوك طبعًا. أفكر في الحياة التي كان يمكن أن أعيشها لو لم أؤسس عائلة.» ثم صمت لحظة قبل أن يضيف أن كثيرًا من أصدقائه يخطئون حين يفترضون أن الأبوة تبتلع الحياة الشخصية بالكامل.
ومع ذلك بدا كلامه غريبًا على مسامع مترجمي، وهو رجل أعزب يعيش مع كلبه. وبعد انتهاء اللقاء أخبرني أن هذا النوع من التعبير العاطفي ليس مألوفًا كثيرًا بين الآباء الكوريين. ثم قال إنه لم يستطع مقاومة سؤال خطر بباله فورًا: «ألا تشعر بالملل؟»
وهناك رؤية فلسفية ترتبط غالبًا باسم الباحثة لوري آن بول، ترى أن قرار إنجاب الأطفال لا يمكن اختزاله إلى عملية حسابية باردة. يستطيع المرء أن يجمع المنافع والتكاليف ويضع الاحتمالات في جداول دقيقة، وأن يحاول تقدير القيمة المتوقعة لطفل لم يولد بعد. لكن المشكلة أن التجربة نفسها تعيد تشكيل الشخص الذي اتخذ القرار. فأنت تحاول الحكم بعقلية إنسان لم يعش الأبوة بعد، بينما النتيجة النهائية هي أنك تصبح شخصًا مختلفًا تمامًا. ولهذا يفقد الحساب الأول كثيرًا من معناه بمجرد أن تقع التجربة.
وفي هذا الرأي شيء قد يبدو متعاليًا أحيانًا عندما يردده الآباء أمام غيرهم؛ كأنهم يتحدثون عن أرض لا يستطيع الوصول إليها إلا من عبرها بنفسه. ولست متأكدًا تمامًا من صحة الفكرة، ومع ذلك وجدتني أكررها أحيانًا من دون قصد.
وخلال العمل على هذه المقالة أبعدتني متطلبات الكتابة طويلًا عن ابنيَّ الصغيرين. وعندما سألت ابني ذي السنوات الثماني: لماذا ينبغي لأحد أن ينجب أطفالًا؟ توقف عن لكم أخيه الأصغر للحظة، وفكر قليلًا، ثم أجاب ببساطة لا يملك الكبار مثلها: «لأننا رفقة ممتازة.»
لكن هذا التصور الذي يعامل الإنجاب بوصفه قفزة في المجهول لا يكتسب معناه الكامل إلا إذا بقي الإنسان — وبقي المجتمع من حوله — قادرين على استقبال ما تحمله تلك القفزة من تحولات. وقد قالت لي طالبة دراسات عليا في كوريا: «الحياة هنا مرسومة سلفًا على نحو يبعث على الملل. المفاجآت ليست فضيلة، ويمكننا أن نتوقع تقريبًا كل ما سيحدث لنا حتى نهاية العمر». وهذه الملاحظة تلخص شيئًا من المزاج العام. فقبل الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، كما أخبرني الاقتصادي كيم سونغ-أون، كان أصحاب الدرجات الأعلى في امتحان القبول الجامعي يتجهون غالبًا إلى دراسة الفيزياء في جامعة سيئول الوطنية. ثم جاءت الأزمة، ورأى الناس الشركات الكبرى تستغني عن العلماء والباحثين، فتغيرت الحسابات سريعًا. بدأ الآباء ينظرون إلى الطب بوصفه الملاذ الأكثر أمانًا، ولم تمض سنوات كثيرة حتى صار المتفوقون يتدفقون على كليات الطب بدلًا من أقسام الفيزياء.
ولم يكن كيم نفسه بمنأى عن هذا المنطق. قال لي: «كيف أضع ابني في قارب صغير؟». فأجبته عابرًا بأن الأبوة نفسها اعتراف ضمني بأن جميع القوارب صغيرة. ضحك، ثم سكت لحظة قبل أن يقول: «ربما كانت الخصوبة المنخفضة هنا نتيجة أن الناس أذكياء أكثر مما ينبغي. ففي محفظة استثمارية متنوعة، الأصل الخالي من المخاطر هو صفر طفل». لكنه لم يكن مستعدًا لتحويل هذه الفكرة إلى حكم نهائي. واكتفى بالقول: «انخفاض الخصوبة ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا. الحقيقة أننا لا نعرف بعد».
وهذا في جوهره موقف فكري متزن، حتى لو بدا عاطفيًا أقل حسمًا مما يرغب الناس. وتذكرت هنا عالمة الديموغرافيا الفنلندية آنا روتكيرش حين حدثتني عن خبر صحفي قرأت فيه سؤال امرأة شابة: لماذا ينبغي لها أن تعرض جسدها وعلاقتها الزوجية لكل ما يصاحب الحمل من تغيرات؟ بالنسبة إلى روتكيرش لم يكن هذا السؤال غريبًا ولا صادمًا، بل جزءًا طبيعيًا من التردد الذي يسبق أي خطوة كبيرة في الحياة. ومع ذلك قالت بدهشة صادقة: «كنت أظن دائمًا أن الأمر يسير بهذه الطريقة، وأن شيئًا من القلق جزء طبيعي من التجربة».
وشاركتها الرأي الباحثة النسوية تشانغ بيل-هوا، التي أمضت أربعة عقود في دراسة قضايا المرأة والنسوية. قالت لي: «كثير من أقرب صديقاتي النسويات يقلن إن أفضل قرار اتخذنه في حياتهن كان إنجاب طفل. ولا أرى سببًا يجعل هذا الرأي محافظًا أو ليبراليًا». لكنها كانت تفكر في مسألة أخرى تتجاوز التصنيفات السياسية. كانت تتساءل عما قد يحدث لمجتمع يتناقص فيه عدد الآباء والأمهات عامًا بعد عام. وأضافت: «أن تصبح أمًا أو أبًا تجربة يتعلم فيها الإنسان شيئًا أساسيًا عن معنى أن يكون إنسانًا. وإذا اختفت هذه الخبرة بما تحمله من ضعف وهشاشة، فأخشى أن يزداد العالم قسوة».
ومع ذلك فالأبوة والأمومة ليستا الطريق الوحيد إلى هذه الهشاشة الإنسانية، وليستا ضمانًا لها أيضًا. لكن ثمة جانبًا في التجربة يصعب اختزاله في النظريات أو تحويله إلى مفاهيم مجردة. إنه ذلك الإحساس الغريب بأن جزءًا منك قد غادر جسدك ليستقر في جسد آخر. ترى أبًا أو أمًا يراقبان طفلًا نائمًا في عربة داخل المترو، فتدرك أن الأمر يتجاوز روابط القرابة المباشرة. هناك بشر كثيرون يحمل كل واحد منهم في قلبه شخصًا ضعيفًا مستعد لأن يضحي بكل شيء من أجله.
ولسنوات طويلة ظل الأطفال يؤدون دورًا رمزيًا في نقاش لم يكن يدور حولهم بقدر ما كان يدور حول أفكار الكبار ومخاوفهم. فكل من رأى في الطفل برهانًا نهائيًا على معنى الحياة، وجد في الجهة المقابلة من يرى في معاملة البشر لأطفالهم دليلًا على عبثها. ولهذا كتب الشاعر فيليب لاركن:
«يورث الإنسان البؤس للإنسان،
ويتعاظم كجرف على الساحل؛
فاخرج مبكرًا ما استطعت،
ولا تنجب أطفالًا بنفسك.»
لكن الحياة اليومية كانت تمضي في اتجاه آخر. فقد استمر الناس في الزواج والإنجاب، ولم تتوقف عجلة العالم كثيرًا أمام هذا الجدل.
أما اليوم، فيبدو أننا نحاول تحويل سؤال فلسفي قديم لا يملك إجابة نهائية إلى تجربة اجتماعية واسعة النتائج. بل إن الحماسة التي نخوض بها هذه التجربة تثير الدهشة أحيانًا. فقد أصبحت المعارك الثقافية حول الخصوبة تستخدم الأطفال بوصفهم رموزًا لهويات متصارعة. ينظر بعض الناس إلى معدلات المواليد باعتبارها دليلًا على الفضيلة أو الانحراف، وعلى الصحة أو الخلل. ولهذا يشعر الجميع تقريبًا بضغط الحكم الاجتماعي. أصحاب الأسر الكبيرة يخشون أن يُنظر إليهم باعتبارهم ظاهرة غريبة، ومن لا أطفال لهم يخشون أن يُتهموا بالأنانية أو الانغماس في الذات. وربما لم يكن هذا المناخ نتيجة لانخفاض الخصوبة فقط، بل أحد العوامل التي تغذيه وتدفعه إلى مزيد من الانخفاض. فالمشكلة تبدأ حين يتحول الأطفال من بشر مستقلين إلى شارات تُرفع في معارك الكبار.
فالأطفال، في النهاية، ليسوا مجرد متغيرات في معادلاتنا الاجتماعية أو الاقتصادية. إنهم أشخاص قائمون بذواتهم. المتدينون يرون فيهم أثرًا من الشرارة الإلهية، وأهل التكنولوجيا يرون فيهم إمكانات المستقبل، أما الإنسانيون فيتحدثون عن الخيال والاحتمال وما يمكن أن يصبح عليه العالم بفضلهم. وكل ذلك حسن إلى حد ما. لكن أقل ما نستطيع الاتفاق عليه هو أن نمنعهم من إدخال أصابعهم في مقابس الكهرباء أو إشعال الحرائق داخل منازلنا.
أما ما عدا ذلك، فربما يجدر بنا أن نترك لهم مساحة ليكتشفوا بأنفسهم ماذا يعني وجودهم في هذا العالم. وربما كان الواجب الأهم على الآباء، وعلى المجتمعات أيضًا، أن يتحلوا بشيء من التواضع. فليس من العدل أن نحمل الأطفال عبء يقينياتنا وأحلامنا ومخاوفنا. إنهم، في نهاية المطاف، أطفال فحسب.
نُقل من مقال فى newyorker بقلم Gideon Lewis-Kraus
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.
سؤال أتركه معك:
ما نسبة الخصوبة فى بلدك ؟ و ما رأيك فيها ؟
شاركني رأيك في التعليقات.




«أن تصبح أمًا أو أبًا تجربة يتعلم فيها الإنسان شيئًا أساسيًا عن معنى أن يكون إنسانًا. وإذا اختفت هذه الخبرة بما تحمله من ضعف وهشاشة، فأخشى أن يزداد العالم قسوة».
قبل إنجابي لابنتي لم أكن أتصور حقيقة الحياة، وما حقيقة الحياة؟ أنك يومًا ما كنت معدومًا فأوجدك الله، أنك كنت في ظلمات بعضها فوق بعض في رحم أمك ولا يرعاك أحد إلا الله، قبل أن تكون مرئيًا للدرجة التي تسمح لوالديك أن يكونّا مشاعر تجاهك كان الله يحفظك ويرزقك ويطلّع إليك في ظلماتك حتى أذِن لك بالخروج، ثم ماذا بعد؟ لم يتركك هملًا ضائعًا طريدًا شريدًا في هذه الدنيا، بل أرسل إليك الرسل وأنزل إليك كتابه وهداك وأرشدك لما فيه الخير والصلاح، أراك الطريق وبصرّك بالمآلات وترك لك حرية الاختيار.
ولهذا أضيف على الاقتباس وأقول: أن تصبح أمًا أو أبًا تجربة يتعلم فيها الإنسان شيئًا أساسيًا عن معنى أن يكون إنسانًا ضعيفًا، تجربة إما تزيد من يقينك بالله سبحانه وتعالى وقدرته ورحمته، أو تزيد من تشكك بعبثية الحياة.
مقال نافع وماتع جدًا، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا.
الله ينور