التفكير من الدرجة الثانية
وماذا بعد؟
«إن التكنولوجيا حسنةٌ في ذاتها… لكن المشكلة ليست هنا. المشكلة في الطريقة التي ننظر بها. نحن نرى جزءًا… ونتعامل معه كأنه الكل. نُصلح ثقبًا… وننسى أن الجدار كله يتصدع.».
—باربرا ماكلينتوك
يكاد معظم الناس يفهمون نتائج أفعالهم القريبة بسهولة. هذه منطقة آمنة. تضغط زرًا… فيحدث شيء. واضح. مباشر. مفهوم.
لكن القليل فقط… من يرفع عينه قليلًا… ويسأل السؤال غير المريح: ماذا بعد؟
هنا يظهر الفرق.
هناك تفكير بسيط… مريح… سريع. هذا هو التفكير من الدرجة الأولى. يرى النتيجة القريبة وينتهي.
وهناك نوع آخر… مزعج… بطيء… لا يمنحك راحة فورية. هذا هو التفكير من الدرجة الثانية. لا يثق في أول إجابة. يسأل بعدها: وماذا بعد؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ كأنك تفتح صندوقًا… فتجد داخله صندوقًا آخر… وهكذا.
ومن يتجاهل هذه السلسلة… قد يشعل كارثة… وهو يظن أنه يحل مشكلة.
عادةً، التفكير الأول يريد شيئًا واحدًا: حل الآن. إشباع فوري. نهاية سريعة للمشكلة.
أما التفكير الثاني… فلا يثق في النهايات السريعة. هو يسأل السؤال المزعج دائمًا: “حسنًا… وماذا سيحدث بعد أن تنتهي؟”
ومن دون هذا اللون من التفكير، يصعب على المرء أن يلاحظ كم مرةٍ قاده الحل الظاهر إلى الابتعاد عن غايته وهو يظن أنه يقترب منها. فالتفكير من الدرجة الأولى يخبرك بأن قطعة الشوكولاتة لذيذة، وأنها تحقق لك إشباعًا فوريًا، وهذه حقيقة لا خلاف عليها. أما التفكير من الدرجة الثانية، فلا ينكر اللذة، لكنه يضعها في إطارها؛ يذكّرك بأن هذه اللذة مؤقتة، وأن ما يليها قد لا يكون استمرارًا لها، بل نقيضًا لها، وأن الإشباع العاجل قد يكون بداية لسلسلة من التعب المؤجل.
وكثيرًا ما تتكرر هذه القصة في وقائع لم يُنظر فيها إلا إلى الأثر الأول، فبدت القرارات معقولة، بل حسنة النية، ثم انتهت إلى نتائج لم تكن في الحسبان. وهنا فقط — بعد أن يقع ما كان يمكن تفاديه — ننتبه إلى ما كان ينبغي أن ننتبه إليه منذ البداية، ونمنح هذه الظاهرة اسمًا يبدو كأنه تفسير، وهو في حقيقته اعتراف متأخر: «قانون العواقب غير المقصودة». بمعنى أبسط: أنت لا ترى القصة كاملة… إلا بعد أن تنتهي.
ولا يقتصر هذا على السياسات الكبرى، بل يتسلل إلى أبسط تفاصيل الحياة. فزيادة نقوش الإطارات، مثلًا، تبدو فكرة حسنة لا تقبل الجدل، لأنها تقلل الانزلاق وتحسن التوقف، ومن ثم تزيد الأمان. غير أن النظر الأبعد — الذي لا نحبه لأنه يعقّد الصورة — يكشف أن هذه الزيادة تعني جهدًا أكبر من المحرك، واستهلاكًا أعلى للوقود، وانبعاثات أكثر، بل وأثرًا آخر غير مرئي يتمثل في جزيئات مطاطية تتناثر على الطرق. وهكذا يتحول ما بدا تحسينًا مباشرًا إلى سلسلة من النتائج التي لم تكن حاضرة في الذهن عند اتخاذ القرار.
ولهذا فإن التفكير الشامل لا يكتفي بالفعل، بل يتبعه حيثما ذهب، لأنه يعلم — أو على الأقل يشك — أن ما نبدأه لا ينتهي حين نتصور أنه انتهى. فما إن يخرج الفعل إلى الوجود حتى يغدو جزءًا من شبكة أوسع، ولا يعود بالإمكان إعادته إلى حالته الأولى، كأننا أطلقنا الجني من القمقم.
«الغباء هو نفسه الشر إذا حكمت بالنتائج».
— مارغريت أتوود
ومن أوضح أمثلة هذا القصور أننا درجنا على إطعام الماشية المضادات الحيوية، بدافع يبدو عقلانيًا تمامًا: إنتاج أكثر بتكلفة أقل. ولم يكن في هذا القرار ما يدعو إلى الريبة في بدايته، بل بدا تحسينًا مباشرًا لنظام قائم. غير أن ما لم يُحسب — أو لم يُرِد أحد أن يحسبه — هو ما سيحدث لاحقًا، حين تبدأ البكتيريا في التكيف، وحين يتحول ما كان وسيلة للعلاج إلى عامل من عوامل المشكلة.
وقد صاغ غاريت هاردن هذا المعنى في عبارته الشهيرة: «إنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا واحدًا فقط». فنحن لا نعيش في عالمٍ من علاقات بسيطة، بل في شبكة كثيفة تتداخل فيها الأسباب والنتائج، بحيث يمتد كل فعل إلى ما وراء حدوده المباشرة. ومن لم ينظر إلى «آثار الآثار»، فإنه لا يمارس التفكير بالمعنى الحقيقي، بل يكتفي بالنظر إلى سطح يبدو واضحًا لأنه يخفي تعقيده.
ففي مثال المضادات الحيوية، تكون النتيجة الأولى واضحة ومغرية: زيادة وزن الحيوان مقابل كمية الطعام، ومن ثم زيادة ربح المزارع. لكن هذه ليست نهاية القصة، بل بدايتها؛ إذ تنشأ بكتيريا قادرة على مقاومة هذه الأدوية، وتنتقل عبر سلسلة الغذاء، حتى نجد أنفسنا أمام واقع لم نخطط له، لكنه نشأ من قرارات بدت في وقتها منطقية تمامًا.
وكلما ازداد ترابط الأشياء، ازدادت الحاجة إلى هذا النوع من التفكير، لأن الفعل الواحد لم يعد محدود الأثر، بل صار يمتد في اتجاهات متعددة، لا يحيط بها نظر سريع. فما من شيءٍ يُنتج أو يُستهلك في فراغ، بل كل شيءٍ متصل بغيره اتصالًا يجعل من الصعب عزله عن بقية السياق.
«إذا حاولنا أن نختار شيئًا بمفرده، وجدناه مرتبطًا بكل ما في الكون».
— جون موير
غير أن التفكير من الدرجة الثانية ليس وسيلةً للتنبؤ المطلق، ولا أداةً للسيطرة الكاملة على المستقبل، بل هو — في جوهره — محاولة لتوسيع زاوية النظر، بحيث لا نقع في وهم البساطة. وليس في ذلك ما يبرر الإقدام الأعمى، وتأجيل الفهم إلى ما بعد وقوع النتائج.
فلو سألنا: أكان يمكن توقع نتائج إطعام الماشية المضادات الحيوية؟ لكان الجواب: نعم، في الجملة، لكل من يملك حدًا أدنى من المعرفة بعلم الأحياء. فالكائنات الحية تتكيف مع الضغوط، والبكتيريا — لقصر دورة حياتها — تفعل ذلك بسرعة أكبر. والمضادات الحيوية تقتلها، غير أن ما ينجو منها يكتسب قدرة على المقاومة، ثم يتكاثر، حتى يصبح هو السائد. وهكذا، عبر أجيال متتابعة، لا نصنع حلًا بقدر ما نصنع مشكلة أكثر تعقيدًا، ثم نتساءل — بدهشة متأخرة — كيف حدث هذا كله.
المشكلة من الدرجة الثانية
لقد ضرب وارن بافيت مثلًا بليغًا في تصوير هذه المعضلة، حين شبَّهها بحشدٍ في موكب: فإذا وقف بعضهم على أطراف أصابعهم طلبًا لمزيدٍ من الرؤية، لم يلبث أن اضطر الجميع إلى أن يفعلوا مثلهم؛ وهنا المفارقة التي لا تخطئها العين: لا أحد يرى أفضل مما كان، ومع ذلك صار الجميع أكثر تعبًا، وأكثر توترًا، وكأنهم كسبوا الوهم وخسروا الراحة.
ويُعلِّمنا التفكير من الدرجة الثانية مبدأين جليلين، لا يظهران لأول وهلة، ولكنهما يغيران طريقة رؤيتك للعالم إذا استوعبتهما حقًا. فإذا أردنا أن نفهم كيف تسير الأمور، فلا يكفي أن نلتقط الأثر الأول كأنه الحقيقة الكاملة، بل ينبغي أن نتبعه، وأن نرى ما يتولد عنه، وما يتفرع منه، وما يتراكم فوقه. فغياب الأثر العاجل لا يعني أن الفعل بلا أثر، كما أن حضور الأثر السريع لا يعني أنه نافع في النهاية؛ وكم من ربحٍ قريبٍ كان مجرد فخٍ أنيق، وكم من لذةٍ عابرةٍ كانت بداية قصة طويلة من الندم.
فلننظر إذن في مجالين يتجلى فيهما نفع هذا التفكير بوضوحٍ تام:
أولًا: تغليب المصالح البعيدة على المكاسب العاجلة.
ثانيًا: بناء الحجج المحكمة.
تغليب المصالح طويلة الأمد
إن النظر إلى العواقب البعيدة ليس ترفًا فكريًا، بل هو مهارة بقاء. فمعظم السلوكيات السيئة لا تبدو سيئة في لحظتها؛ بل على العكس، تبدو جذابة، سهلة، ومغرية. الناس – ببساطة – أسرى للحاضر، يستجيبون لما يلمع أمامهم الآن، لا لما سيحدث لاحقًا. لكن من يحاول أن يعيش بوعي، عليه أن يفعل شيئًا غير مريح: أن يتخيل المستقبل وهو يتخذ قراره.
خذ مثالًا بسيطًا جدًا: قطعة حلوى. التفكير من الدرجة الأولى يقول لك إنها لذيذة، وأنها تستحق التجربة الآن. التفكير من الدرجة الثانية يسألك سؤالًا مزعجًا: وماذا بعد؟ ماذا بعد هذه اللذة الصغيرة؟ ماذا لو أصبحت عادة؟ ماذا لو تراكمت؟ هنا يتحول القرار من لحظة عابرة إلى مسار طويل، ومن اختيار بسيط إلى نمط حياة.
ومن هنا يظهر السؤال الذي لا يجب أن يغيب: هل ما تفعله الآن يقربك مما تريد، أم يبعدك عنه بطريقة خفية؟
وأخطر ما في الأمر أن كثيرًا من الناس يظنون أن ما لا يُرى لا يتراكم. وهذه واحدة من أكبر الخدع التي نعيش بها. الحقيقة أبسط وأقسى: كل شيء يتراكم. العادات الصغيرة، القرارات اليومية، الاختيارات التي تبدو تافهة… كلها تتحول مع الوقت إلى اتجاه. إما أنك تقترب، أو أنك تبتعد، لكنك لا تبقى في مكانك أبدًا.
وليس من السهل أن نحكم على هذه الأمور من خلال التاريخ، لأننا – بطبيعتنا – نحب أن نربط الحكمة بالنتيجة. إذا نجح شخص، قلنا إنه كان حكيمًا. وإذا فشل، قلنا إنه أخطأ. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذا بكثير. قد تتخذ القرار الصحيح وتخسر، وقد تتخذ القرار الخاطئ وتربح… مؤقتًا على الأقل.
في عام 48 قبل الميلاد، كانت كليوباترا في وضع لا يُحسد عليه. ملكة بالاسم، مطاردة في الواقع، محاصرة بصراعات عائلية لا ترحم، في بيئة سياسية لا تغفر الخطأ. كانت خارج القصر، بلا جيش حقيقي، بلا خطة واضحة، وبخصم و هو أخيها لا يتردد في التخلص منها إذا سنحت الفرصة. باختصار: كل الخيارات سيئة، وبعضها أسوأ من البعض.
وفي ذلك الوقت نفسه، قدم يوليوس قيصر إلى مصر، يتعقب خصمه بومبي، ويُثبت للمصريين سلطان روما على البحر المتوسط. وكانت مصر بلدًا خصيبًا غنيًا، له شأنٌ عظيم في نظر الرومان، غير أن تدخلهم فيها أورثهم كراهيةً بين أهلها.
وهنا تظهر المعضلة الحقيقية: ماذا تفعل حين تكون كل الطرق محفوفة بالخطر؟ هل تختار أقلها خطرًا الآن، أم أكثرها فائدة لاحقًا؟ أتسعى إلى مصالحة أخيها؟ أم تستجلب عونًا من خارج البلاد؟ أم تُوالي قيصر؟
“وفي كتاب «كليوباترا: حياة»، تذكر ستيسي شيف أن كليوباترا، وهي في الحادية والعشرين، كانت قد تلقت تربيةً سياسيةً عميقة، قائمة على معرفةٍ بالتاريخ، ومصحوبة بخبرةٍ مباشرةٍ بأحداثٍ مضطربة شهدتها منطقة البحر المتوسط. وكانت قد رأت بعينها ما انتهى إليه أمر أبيها وأقاربها من نفيٍ ورشوةٍ وقتل، على أيدي أفراد من العائلة أو من الرومان أو حتى من الشعب نفسه، فاستقر في ذهنها أن السياسة لا تعرف طريقًا سهلًا. وكان الإرث الذي تركه لها أبوها توازنًا هشًا، بحيث إن إرضاء فئةٍ واحدة يعني بالضرورة إغضاب فئةٍ أخرى، وعدم الامتثال لروما يؤدي إلى تدخلها، في حين أن عدم مواجهتها يفضي إلى الشغب، فصار كل اختيارٍ محفوفًا بعاقبة لا مفر منها.
في مثل هذا الموقف، لم يكن بدٌّ من أن تنظر إلى ما وراء الأثر الأول لكل قرار، لأن المكسب العاجل قد ينقلب إلى هلاكٍ محقق، كما حدث لكثيرٍ من ذويها. وإذا أرادت أن تثبت في الحكم، كان عليها أن توازن بين البقاء والسيطرة على العرش في الحاضر، وبين ضمان سندٍ يحمي هذا الحكم في المستقبل.
فاختارت، في نهاية المطاف، أن تتحالف مع قيصر، وهي تدرك – على الأرجح – أن لهذا القرار آثارًا عاجلة، منها غضب أخيها الذي سيزيد من سعيه للتخلص منها، واستثارة الشعب الذي ينفر من التدخل الروماني. وقد وقع ذلك كله، بل اندلعت حرب أهلية، وحوصرت في القصر مع قيصر أشهرًا، وعاشت في ظل تهديد دائم بالاغتيال، فبدا القرار، في ظاهره، كأنه مقامرة خطرة.
ولا نملك يقينًا في تفسير هذا الاختيار، لكن يمكن أن يُفهم في ضوء إدراكها لآثار الآثار، إذ لعلها رأت أن احتمال الألم القريب أهون من خسارة المستقبل كله، وأن الصبر على هذه التبعات العاجلة قد يضمن لها دعمًا بعيدًا من قيصر وروما يجعل ملكها أكثر رسوخًا. وقد قيل إن حرب الإسكندرية انتهت إلى ما أرادت، ولم تكلفها إلا القليل إذا قيس بما كسبت، إذ تخلصت من خصومها، وتثبت سلطانها.
وهكذا يتضح أن الوعي بالعواقب البعيدة، واتخاذها أساسًا في القرار، قد يجعل النتائج القريبة أقل إبهارًا، لكنه يفتح الباب لعوائد بعيدة قد تكون أعظم شأنًا. فمن يؤجل لذته اليوم، يجنّب نفسه عناء الغد، ولا يضطر إلى إصلاح ما أفسده اندفاعه.
ويعيدنا هذا كله إلى أصل الفكرة، وهو أن التفكير من الدرجة الثانية لا يقف عند إدراك الأثر الأول، بل يلزم صاحبه أن يسأل دائمًا: ماذا بعد؟ وأن يزن الربح القريب بميزان الخسارة البعيدة، لأن كثيرًا مما يبدو مكسبًا عاجلًا ليس إلا دينًا مؤجلًا لا بد من سداده.
تطوير الثقة للنجاح المستقبلي
إن الثقة، وما ينشأ عنها من شعورٍ بالاطمئنان، ليست أمرًا يُنال دفعةً واحدة، بل هي نتيجة تفاعلاتٍ متتابعة تتراكم آثارها مع الزمن. ومن هنا تظهر أهمية التفكير من الدرجة الثانية، لأن السعي إلى مكسبٍ عاجل في التعامل مع الآخرين، ما لم يكن قائمًا على منفعةٍ متبادلة، يهدد العلاقة من أصلها، فلا يبقى منها إلا أثر عابر. أما تعظيم الفائدة، فلا يتحقق إلا على مهل، وفي إطارٍ زمني يسمح للثقة بأن تنمو وتستقر. ولهذا، فإن مراعاة ما تؤول إليه أفعالنا من آثارٍ لاحقة، سواء في نفوس الناس أو في صورتنا لديهم، تظل أمرًا ضروريًا لمن يريد أن يكسب ثقة الآخرين، وأن يجني ثمار التعاون التي لا تتحقق بغيرها.
بناء الحجج المحكمة
كما يمكن للتفكير من الدرجة الثانية أن يعين على تجنب العثرات واستباق العقبات، لأنه يتيح للإنسان أن يتوقع ما قد يواجهه، فيُعد له الجواب قبل أن يقع، ويتدبر أمره قبل أن يفاجئه.
فالإنسان، في حياته اليومية، يبني حججًا على نحوٍ مستمر، سواء أراد إقناع مديره بالمخاطرة في مشروعٍ جديد، أو إقناع شريك حياته بتجربة أسلوبٍ مختلف في تربية الأبناء، لأن الحياة في جوهرها لا تنفك عن الحاجة إلى الإقناع. غير أن الحجة لا تبلغ قوتها إلا إذا دلّت على أن صاحبها لم يكتفِ بالنظر إلى الوجه القريب من القرار، بل نظر كذلك إلى ما يترتب عليه من آثارٍ أبعد، وتحقق من أن هذه الآثار مرغوبة، لا مما يُخشى عاقبته.
وفي إنجلترا، في أواخر القرن الثامن عشر، كانت المرأة محرومةً من كثيرٍ من الحقوق، وقد رأت الفيلسوفة ماري وولستونكرافت في هذا الحرمان قيدًا يحول دون استقلالها وقدرتها على اختيار مسار حياتها. لكنها لم تعتمد على الجدل المباشر لإثبات استحقاق النساء لهذه الحقوق، بل اتجهت إلى بيان ما يترتب على هذه الحقوق من آثار نافعة، فأوضحت ما يمكن أن يعود على المجتمع من خير إذا مُنحت المرأة حقوقها، ودافعت عن تعليم النساء، لأنه يؤدي إلى أن يكنّ زوجاتٍ وأمهاتٍ أصلح، وأقدر على إعالة أنفسهن، وأحسن تربيةً لأبناءٍ أكثر وعيًا.
وقد عرضت أفكارها في كتاب «دفاع عن حقوق المرأة» عرضًا يعكس هذا النوع من التفكير، إذ بيّنت أنها لم تنكر ما في النساء من عيوب، ولم تسعَ إلى التقليل منها، بل فسّرت هذه العيوب بوصفها نتيجة طبيعية لظروف التعليم والمكانة الاجتماعية. ومن ثم، فإذا تغيرت هذه الظروف، ونالت المرأة قدرًا من الحرية الجسدية والأخلاقية والمدنية، كان من الطبيعي أن تتغير هذه الصفات، وأن تُصلح ما فيها من نقص.
وكان تمكين المرأة هو الأثر الأول للاعتراف بحقوقها، لكن وولستونكرافت لم تقف عند هذا الحد، بل أوضحت ما يتولد عنه من آثارٍ أوسع في المجتمع، وبهذا النهج فتحت بابًا لنقاشٍ ممتد انتهى إلى ما يُعرف اليوم بالحركة النسوية، حيث لم يعد المقصود مجرد حصول المرأة على حقوقها، بل ما يترتب على ذلك من أثرٍ في صلاح المجتمع كله.
كلمة تحذير
على أن التفكير من الدرجة الثانية، على ما فيه من فضلٍ ظاهر، يحتاج إلى قدرٍ من التهذيب والضبط، حتى لا ينقلب من أداةٍ للفهم إلى عبءٍ يعوق الفعل ويشل الإرادة. ومن أخطر ما يعترضه ما يُعرف بمنطق «المنحدر الزلق»، وهو ذلك التصور الذي يوهمك بأن مجرد البدء في فعلٍ ما يعني – بالضرورة – الانزلاق في سلسلةٍ متتابعة من النتائج، تنتهي حتمًا إلى أسوأ ما يمكن تخيله، وكأن كل خطوةٍ تُفضي حتمًا إلى التي تليها، بلا توقفٍ أو مراجعة.
وقد تناول عالم البيئة غاريت هاردن هذا الوهم في كتابه «مرشحات ضد الحماقة» تناولًا دقيقًا، إذ بيّن أن من يأخذ بهذا المنطق على إطلاقه يفترض ضمنًا أن الإنسان فاقدٌ للحكم العملي، عاجزٌ عن التمييز، وغير قادرٍ على أن يتوقف حين ينبغي له التوقف. غير أن الواقع اليومي يكذب هذا التصور في كل لحظة؛ فلو صح هذا المنطق، لكان علينا – اتقاءً للخطر – أن نمنع السيارات من الحركة أصلًا، فلا نسمح لها بسرعةٍ تتجاوز الصفر، وهو قول لا يقبله عقل.
والحقيقة أن لكل شيءٍ حدًا يقف عنده، وأن تتبع الآثار – مهما بلغ من الدقة – لا يمكن أن يمتد إلى ما لا نهاية.
ومن ثم، يصبح من الضروري أن نتجنب هذا الانحدار الفكري، وما يجر إليه من ترددٍ وعجز. فالتفكير من الدرجة الثانية لا يعني أن نلاحق كل احتمالٍ ممكن، ولا أن نُغرق أنفسنا في كل نتيجةٍ متخيلة، بل يعني أن نُقدّر ما هو أرجح وقوعًا، وأن نفهم المسار المعتاد الذي تسلكه أفعالنا في الواقع. ولو أننا استجبنا لكل احتمالٍ بعيد، لما أقدمنا على شيءٍ على الإطلاق، وكان ذلك خطأً لا يقل خطرًا عن التهور نفسه. والمطلوب، في النهاية، هو تلك الموازنة الدقيقة بين عمق النظر وحدود الحكم العملي، وهي موازنة لا تُدرك إلا بالنظر في كل حالةٍ على حدة.
الخاتمة
إن التفكير من الدرجة الثانية ليس مجرد مهارة ذهنية، بل هو طريقة مختلفة لرؤية العالم، طريقة تتجاوز السطح، وترفض الاكتفاء بالاستجابة العاجلة أو المكسب القريب. إنه دعوةٌ إلى أن ننظر إلى اللعبة في امتدادها الكامل، لا إلى لحظةٍ واحدة منها، وأن نُدرك أن لكل فعلٍ أثرًا يمتد في الزمن، يتموج ويتضاعف، حتى يعود إلينا في صورةٍ لم نتوقعها.
وهو، في جوهره، يدعونا إلى سؤالٍ واحد، بسيط في لفظه، عميق في أثره: ماذا بعد؟
تأمل لاعب الشطرنج حين يفكر في حركته المقبلة؛ فهو لا ينظر إلى النقلة التالية وحدها، بل يرى ما يمكن أن تؤول إليه المباراة بأكملها. إنه يحسب حساب الردود الممكنة، ويتخيل المسارات المختلفة، ويوازن بينها قبل أن يمد يده إلى القطعة. هكذا يبدو التفكير من الدرجة الثانية في صورته الحية.
أما في حياتنا اليومية، فنحن – في الغالب – نندفع مع التفكير من الدرجة الأولى، فنختار ما يرضينا الآن، أو يخفف عنا ضيق اللحظة، أو يمنحنا إحساسًا سريعًا بالراحة. غير أن هذا النوع من الاختيار، على بساطته، كثيرًا ما يكون خادعًا.
وهنا يأتي دور التفكير من الدرجة الثانية، الذي يُلزمنا بأن ننظر إلى الأثر البعيد لا القريب، وأن نختار بناءً على ما يحقق أفضل النتائج مع مرور الزمن، لا على ما يمنحنا شعورًا طيبًا في اللحظة الراهنة.
وخلاصة الأمر أن هذا التفكير هو نظرٌ إلى الرحلة كلها، لا إلى الخطوة التالية وحدها؛ هو اختيارٌ لا يقوم على لحظةٍ عابرة، بل على مسارٍ ممتد، تُوزن فيه الأفعال بنتائجها البعيدة، لا بما تمنحه من مكاسب عاجلة.
نٌقل من The Great Mental Models, Module 1
لا تتردد فى دعم المحتوى الثقافي بثمن كوب قهوة، اضغط على الزر التالي




رائع... مدونتي المفضلة والله