التفكير الاحتمالي: كيف يتخذ العقلاء قراراتهم في عالم مليء بعدم اليقين
لا أحد يملك يقيناً كاملاً، لكن بعض الناس يتخذون قرارات أفضل. الفرق هو التفكير الاحتمالي
«إن نظرية الاحتمالات هي الأداة الرياضية الوحيدة التي تسمح لنا بأن نرسم — قدر استطاعتنا — خريطةً لذلك المجهول الهائل الخارج عن سيطرتنا. وربما بدت هذه الأداة معقدة ومراوغة، لكنها تظل من أعظم ما امتلكه الإنسان من وسائل للفهم والطمأنينة».
— بينوا ماندلبروت
التفكير الاحتمالي، ببساطة، هو محاولة لمعرفة: ما فرص أن يحدث شيء ما؟
لا أكثر من هذا، ولا أقل.
إنه خليط من الرياضيات والمنطق وبعض التواضع أيضًا. لأنك — حين تفكر بهذه الطريقة — تعترف ضمنيًا أنك لا تعرف كل شيء، وأن العالم أعقد من أن يُختصر في يقينٍ كامل.
ولهذا يعد التفكير الاحتمالي من أفضل الأدوات التي نملكها لاتخاذ قرارات معقولة. ففي عالم تتشابك فيه الأسباب على نحو يجعل الفهم الكامل مستحيلًا تقريبًا، يصبح الاحتمال وسيلتنا الوحيدة للتعامل مع الغموض. نحن لا نرى المستقبل، لكننا نحاول أن نخمّن شكله بأكبر قدر ممكن من الحكمة.
هل ستصيبك صاعقة اليوم؟
السؤال يبدو سخيفًا للوهلة الأولى، لأن الإجابة النهائية لا تحتمل إلا احتمالين: نعم أو لا. إما أن تُصاب أو لا تُصاب. لكن المشكلة الحقيقية ليست في النتيجة ذاتها، بل في أنك لا تعرفها مسبقًا. وسوف تعرفها — للأسف — بعد فوات الأوان.
وهنا تظهر أهمية الاحتمال.
فنحن لا نتعامل مع المستقبل باعتباره صفحة مكتوبة سلفًا يمكن قراءتها، بل باعتباره مساحة من المجهول نحاول التحرك داخلها بأقل قدر ممكن من الحماقة
والواقع أن اليقين الكامل نادر بصورة تكاد تكون مزعجة. أغلب ما نعرفه عن العالم ليس يقينًا، بل تقديرات واحتمالات وترجيحات. وهذا العجز عن الإحاطة بكل شيء هو السبب الحقيقي وراء ظهور نظرية الاحتمالات أصلًا. لقد اكتشف البشر، متأخرين نوعًا ما، أن المستقبل أعقد من أن يُتنبأ به بدقة مطلقة. يكفي خطأ صغير جدًا في البيانات أو التقدير حتى تنهار التنبؤات كلها مثل بيت من الورق.
ولهذا لم يكن أمامنا سوى حل أكثر تواضعًا:
أن نتعلم كيف نُقدِّر ما قد يحدث، بدل أن نزعم أننا نعرفه يقينًا.
والغريب أن الاحتمال ليس مجرد اختراع رياضي أنيق، بل يبدو وكأنه جزء أصيل من نسيج العالم نفسه. وحتى عقولنا تطورت لكي تتعامل معه بطريقتها الخاصة. تلك «الاختصارات الذهنية» التي تحدث عنها دانيال كانيمان وآموس تفرسكي لم تنشأ في عالم البورصة والهواتف الذكية، بل في عالم بدائي كان المطلوب فيه شيئًا واحدًا فقط: البقاء حيًا.
ولذلك كانت هذه الاختصارات مفيدة للغاية في بيئة الصيد والخوف والمجاعات. لكنها ليست دائمًا مناسبة لعالمنا الحالي المعقد.
الاحتمال الشرطي
أما الاحتمال الشرطي، فهو حكاية أخرى أكثر إثارة قليلًا.
وهو قريب — من حيث الفكرة — من التفكير البيزي، لكنه يركز على نقطة محددة: الظروف التي وقع فيها الحدث.
فحين تحاول استخدام الماضي لفهم المستقبل، لا يكفي أن تنظر إلى النتائج وحدها، بل يجب أن تسأل: تحت أي ظروف حدثت هذه النتائج أصلًا؟
بعض الأحداث مستقل عن غيره تمامًا، مثل إلقاء عملة معدنية. الوجه الذي ظهر في الرمية السابقة لا يؤثر على الرمية التالية. لكن هناك أحداثًا أخرى تعتمد بالكامل على ما سبقها.
لنفترض أننا خرجنا ثلاث مرات لتناول المثلجات، واخترتُ أنا الفانيليا في كل مرة.
هل يعني هذا أن الفانيليا نكهتي المفضلة؟
ربما. وربما لا.
الأمر يتوقف على الظروف.
هل كنتُ أختار من قائمة كاملة تضم عشرات النكهات؟ أم أنني كنت أصل متأخرًا، بعد أن يلتهم الآخرون كل شيء تقريبًا، فلا أجد أمامي إلا الفانيليا البائسة؟
إذا كانت كل الخيارات متاحة لي في كل مرة، فاختياري مستقل فعلًا، ويمكنك أن تستنتج أنني أحب الفانيليا. أما إذا كانت اختيارات الآخرين قد قيّدت ما هو متاح أمامي، فإن اختياري يصبح «مشروطًا» بما حدث قبله.
وهنا تكمن أهمية الاحتمال الشرطي:
الأحداث لا تفسر نفسها بنفسها. الظروف المحيطة بها جزء من معناها.
ولهذا يصبح فهم السياق ضرورة، لا رفاهية. لأن النتيجة نفسها قد تعني أشياء مختلفة تمامًا إذا تغيّرت الشروط التي سبقتها.
لكن المشكلة أن عقولنا — بكل هذه الاختصارات القديمة — لم تُصمم أصلًا للتعامل مع عالمنا الحالي.
فنحن لم نعد نحاول فقط النجاة من الحيوانات المفترسة أو المجاعة. نحن نحاول النجاح في شركات عملاقة، وفهم الأسواق، والتعامل مع شبكات اجتماعية معقدة، واتخاذ قرارات مالية وعاطفية ومهنية شديدة التشابك.
باختصار:
لقد تطورت عقولنا لعالم أبسط كثيرًا من العالم الذي نعيش فيه الآن. ولذلك نحتاج إلى التفكير الاحتمالي، لا لأنه يجعلنا أذكى بالضرورة، بل لأنه يمنعنا — أحيانًا — من أن نكون واثقين أكثر مما ينبغي.
ما هذا الوعي الاحتمالي الذي يتحدث عنه الجميع؟ وكيف يمكن لإنسانٍ عادي أن يستفيد منه فعلًا، بدل أن يتركه حبيس كتب الاقتصاد والإحصاء؟
الحقيقة أن الأمر أبسط مما يبدو، لكنه في الوقت نفسه أعمق مما نتصور. فالوعي الاحتمالي ليس لعبة أرقام، ولا نوعًا من الترف الفكري الذي يمارسه هواة الرياضيات، بل هو طريقة للنظر إلى العالم، ومحاولة لفهمه في زمنٍ صار اليقين فيه عملة نادرة.
ولهذا الوعي ثلاثة أركان أساسية، إذا فهمناها جيدًا، صرنا أقدر على اتخاذ القرار، وأحسن حظًا في المنافسة، وأقل عرضة لأن نخدع أنفسنا أو يخدعنا الآخرون:
التفكير البيزي
المنحنيات ذات الذيول السمينة
اللاتناظرات
التفكير البيزي
كان توماس بايز قسًّا إنجليزيًا عاش في النصف الأول من القرن الثامن عشر، ولم يكن يتصور — على الأرجح — أن اسمه سيصبح بعد موته بقرون جزءًا من لغة الاقتصاد والذكاء الاصطناعي وتحليل المخاطر. لكن بحثه الشهير: «مقالة نحو حل مشكلة في مذهب الفرص»، الذي نشره صديقه ريتشارد برايس بعد وفاته عام 1763، صار أساس ما نعرفه اليوم باسم «نظرية بايز».
وفكرة بايز، في جوهرها، بسيطة جدًا:
حين تصل إليك معلومة جديدة، لا تتعامل معها وكأنها ظهرت في فراغ، بل ضعها بجوار ما تعرفه أصلًا عن العالم، ثم أعد حساباتك.
هذا هو «التحديث البيزي».
أنت لا تبدأ من الصفر كل مرة، بل تعدّل تقديراتك القديمة في ضوء ما استجد.
ولهذا يسمّي الإحصائيون المعرفة السابقة «معدل الأساس». أي: ما الذي نعرفه عمومًا عن هذا النوع من الأشياء قبل أن تظهر الحالة الجديدة؟
تخيل مثلًا أنك قرأت عنوانًا إخباريًا مرعبًا يقول:
«ارتفاع حوادث الطعن العنيف!»
العنوان وحده كافٍ لأن يجعلك تتصور مدينة تغرق في الدماء. لكن التفكير البيزي يطلب منك أن تهدأ قليلًا، وأن تسأل: ما الصورة الكاملة؟
أنت تعرف مسبقًا أن معدلات الجريمة العنيفة في مدينتك هي الأدنى منذ عقود. وتعرف أن احتمال التعرض للطعن العام الماضي كان واحدًا من عشرة آلاف، أي 0.01%.
حسنًا… إذا تضاعف الرقم هذا العام، فسيصبح اثنين من عشرة آلاف، أي 0.02%.
هل هذا مخيف فعلًا؟
نعم، هناك زيادة. لكن الخطر نفسه ما يزال ضئيلًا للغاية. وهنا تظهر قيمة التفكير البيزي: أنه يمنعك من أن تُصاب بالذعر بسبب معلومة صحيحة، لكنها مبتورة من سياقها.
لكن الأمر لا يسير دائمًا في هذا الاتجاه المطمئن.
فلو نظرت إلى معدلات السكري في الولايات المتحدة مثلًا، ستجد أن النسبة كانت عام 1958 أقل من 1% من السكان، ثم ارتفعت بحلول عام 2015 إلى 7.4%. والأسوأ أن الارتفاع لم يكن قفزة مؤقتة، بل مسارًا متواصلًا عبر عشرات السنين. هنا يقول لك التحليل البيزي إننا لسنا أمام ضجيج عابر، بل أمام اتجاه حقيقي يستحق القلق.
والأهم من هذا كله أن «المعرفة السابقة» نفسها ليست مقدسة.
هي أيضًا مجرد احتمال، لا يقين نهائي. ولهذا لا يجوز أن تتحول إلى تعصب يمنعك من رؤية الوقائع الجديدة.
في لغة بايز توجد فكرة تُعرف بـ«عامل بايز»، أي مقدار القوة التي تملكها المعلومة الجديدة لتعديل اعتقادك القديم. أحيانًا تضيف تعديلًا بسيطًا، وأحيانًا تنسف تصورك كله.
وهكذا يصبح التفكير البيزي عملية مستمرة من المراجعة:
أنت تتحرك دائمًا بين ما كنت تظنه صحيحًا، وما تعلمته الآن. لا تتمسك بمعتقدك القديم بعناد، ولا تنجرف خلف كل معلومة طارئة كأنها وحي منزل.
ولهذا، حين تحاول اتخاذ قرار في عالمٍ مليء بالغموض، فهناك سؤال لا ينبغي أن تغفله أبدًا:
ما الذي أعرفه بالفعل عن هذا الأمر؟
وما الذي تضيفه المعلومة الجديدة فعلًا؟
هذا السؤال وحده قد ينقذك من نصف الأخطاء التي يقع فيها البشر كل يوم.
المنحنيات ذات الذيول السمينة
أغلب الناس يعرفون — ولو بشكل غير مباشر — المنحنى الجرسي الشهير. ذلك الشكل المألوف الذي يشبه التل، حيث تتجمع معظم القيم في المنتصف، بينما تقل الحالات المتطرفة كلما ابتعدنا عن المركز.
هذا هو «التوزيع الطبيعي»، الذي نراه في أشياء كثيرة: أطوال البشر، درجات الامتحانات، أوزان المواليد… إلخ.
ولهذا يحبه العلماء والإحصائيون؛ لأنه مريح ويمكن التنبؤ به.
إذا عرفت المتوسط، استطعت أن تتوقع أغلب النتائج بسهولة معقولة.
لكن المشكلة أن العالم الحقيقي لا يحب دائمًا أن يتصرف بأدب.
فهناك نوع آخر من التوزيعات أكثر خطورة، وأقل تهذيبًا، يُعرف باسم «المنحنيات ذات الذيول السمينة».
وفي هذا النوع، لا تكون الأحداث النادرة نادرة بالدرجة التي نتخيلها، بل تقع أكثر مما يسمح به المنطق المطمئن الذي اعتدناه.
«احذر الذيول… فالكارثة الحقيقية غالبًا تختبئ هناك.»
حين تنظر لأول مرة إلى المنحنى الجرسي، ثم إلى منحنى ذي ذيلٍ سمين، قد تظن أن الفارق بينهما محدود لا يستحق كل هذه الضجة. فكلاهما يبدأ بالطريقة نفسها تقريبًا: قيم كثيرة متقاربة تتجمع في المنتصف، ثم تقل الأعداد كلما ابتعدنا عن المركز. يبدو الأمر مألوفًا ومطمئنًا.
لكن المشكلة ليست في المنتصف أبدًا… المشكلة دائمًا في الأطراف.
في المنحنى الجرسي تكون الحالات المتطرفة نادرة ومحدودة. هناك سقف غير مكتوب لما يمكن أن يحدث. فأطول إنسان في العالم — مهما بلغ طوله — سيظل ضمن نطاق يمكن للعقل استيعابه. لن تستيقظ غدًا لتجد رجلًا بطول عمارة من عشرة طوابق.
أما في المنحنيات ذات الذيول السمينة، فالأمر مختلف تمامًا.
لا يوجد سقف حقيقي.
القيم المتطرفة ليست فقط ممكنة، بل قد تكون ضخمة على نحوٍ لا تتعامل معه عقولنا جيدًا.
وكلما اتسعت مساحة هذه الاحتمالات، طال الذيل أكثر. ولهذا تصبح النتائج المعتادة مضللة أحيانًا، لأنها تمنحك إحساسًا زائفًا بالأمان، بينما الخطر الحقيقي مختبئ في تلك الاحتمالات النادرة التي لا يلتفت إليها أحد… حتى تقع.
والأحداث الشاذة، كما يقول الإحصائيون، لا بد أن تقع يومًا ما. المشكلة الوحيدة أننا لا نعرف متى.
مراتب الحجم
لهذا كان نسيم نيكولاس طالب محقًا حين قال إن الخطأ في تقدير الأحداث النادرة ليس خطأً صغيرًا يمكن احتماله. ففي كتابه «البجعة السوداء» يشرح أن المشكلة ليست أن نخطئ بنسبة 10% أو 20%، بل أن يكون تقديرنا بعيدًا عن الحقيقة بعشرات أو مئات المرات.
بمعنى آخر:
الحدث الذي تظنه يقع مرة كل ألف سنة… قد يكون قادرًا على الحدوث غدًا صباحًا.
لماذا؟
لأننا نبني توقعاتنا غالبًا على الماضي، ثم نفترض بسذاجة أن المستقبل سيشبهه. وهذه واحدة من أكثر العادات البشرية خطورة.
خذ مثال الأطوال البشرية.
هذا عالم جرسي هادئ. توجد حدود طبيعية واضحة. لن تجد إنسانًا طوله عشرون مترًا.
لكن الثروة؟
هذا عالم الذيول السمينة. هنا يمكن أن يمتلك رجل واحد ثروة تفوق ما يملكه ملايين البشر مجتمعين. الفرق ليس 10% أو 20%، بل آلاف الأضعاف.
لهذا لا يجوز أن نتعامل مع كل الظواهر بالطريقة نفسها. فبعض الأشياء مستقرة نسبيًا، وبعضها يعيش على الانفجارات المفاجئة.
هل تخاف الدرج… أم الإرهاب؟
لنعد إلى مثال العنف.
قد يخبرك أحدهم بثقة إحصائية باردة أن احتمال موتك بسبب السقوط على الدرج أكبر من احتمال أن تموت في هجوم إرهابي. والأرقام فعلًا تبدو منطقية: ألف شخص ماتوا بسبب السقوط، مقابل خمسمئة فقط بسبب الإرهاب.
إذن… هل ينبغي أن تخاف السلالم أكثر من الإرهاب؟
هنا تحديدًا يظهر فخ الذيول السمينة.
فحوادث السقوط على الدرج تشبه الأطوال والأوزان: ظاهرة مستقرة نسبيًا، يمكن توقع حدودها. أما الإرهاب فهو شيء مختلف تمامًا؛ حدث نادر نعم، لكنه قادر — في لحظة واحدة — على إنتاج أثر ضخم بصورة لا تشبه الماضي القريب.
ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس:
كم حدث في الماضي؟
بل:
ما الذي يمكن أن يحدث؟
وكم يبلغ سُمك الذيل الذي نتعامل معه؟
هذه هي النقطة التي تخدع الناس دائمًا. فهم يرون ندرة الحدث، لكنهم لا ينتبهون إلى حجمه المحتمل حين يقع.
المناعة ضد الهشاشة
وهنا يصل نسيم طالب إلى فكرته الأهم تقريبًا، التي عرضها في كتابه «المناعة ضد الهشاشة».
فهو يقسم الأشياء إلى ثلاثة أنواع:
أشياء تتضرر من الفوضى والاضطراب.
أشياء لا تتأثر كثيرًا.
أشياء تتحسن بسبب الفوضى نفسها.
وهذا النوع الأخير هو ما سماه «المناعة ضد الهشاشة».
بعض الأشياء تصبح أقوى تحت الضغط.
الجسد مثلًا يزداد قوة بالتمرين.
والمناعة تتحسن بالتعرض المحدود للميكروبات.
والعضلات لا تنمو في الراحة، بل بعد الإجهاد.
ولهذا يرى نسيم طالب أن الهدف ليس أن نصنع حياة محصنة ضد الصدمات — فهذا مستحيل — بل أن نصبح من النوع الذي يستطيع الاستفادة من التقلبات بدل أن يتحطم بها.
لأن العالم نفسه غير مستقر بطبيعته.
والأحداث الكبرى — الحروب، الانهيارات، الفقاعات المالية، الأوبئة — تترك آثارًا أكبر كثيرًا من حجمها الظاهر.
وهنا يجد الإنسان نفسه أمام خيارين:
إما أن يحاول التنبؤ…
أو أن يستعد.
والبشر يحبون التنبؤ بطبعهم. منذ العرافين القدماء وحتى خبراء الاقتصاد على شاشات التلفاز، الجميع يريد أن يبدو كمن يعرف ما سيحدث غدًا.
لكن التجربة أثبتت أن التنبؤ بالأحداث الكبرى النادرة يكاد يكون مستحيلًا، خاصة في الأنظمة المعقدة كالسياسة والأسواق.
ولهذا يكون الاستعداد أكثر حكمة من ادعاء معرفة المستقبل.
لكن كيف نستعد؟
الخطوة الأولى هنا تظهر فكرة جميلة يسميها أهل المال في وول ستريت: «الخيارية الصعودية». والمقصود بها ببساطة أن تضع نفسك في أماكن تسمح للحظ الجيد بأن يجدك.
حين تذهب إلى مؤتمر، أو مناسبة، أو لقاء يضم أشخاصًا تتمنى التعرف إليهم، فأنت لا تضمن شيئًا بالطبع. ربما تعود إلى بيتك كما ذهبت.
لكن وجودك هناك يمنحك فرصة لم تكن لتوجد أصلًا لو بقيت في المنزل.
أسوأ الاحتمالات أنك لن تكسب شيئًا.
لكن هذا هو بالضبط ما كنت ستحصل عليه أيضًا لو لم تذهب. أما أفضل الاحتمالات… فقد يغير حياتك كلها.
والخطوة الثانية في هذه اللعبة كلها هي أن تتعلم كيف تفشل… لكن بالطريقة الصحيحة.
وهذا التعبير يبدو غريبًا لأول وهلة، لأننا تربينا على أن الفشل شيء ينبغي تجنبه بأي ثمن، كأنه وصمة أو لعنة. لكن العالم الحقيقي لا يعمل بهذه الطريقة. فالإخفاق ليس المشكلة الحقيقية، بل نوع الإخفاق هو المشكلة.
ولهذا يقوم الأمر على قاعدتين بسيطتين جدًا:
أولًا: لا تخاطر مخاطرةً تخرجك من اللعبة نهائيًا.
وثانيًا: اجعل نفسك قادرًا على التعلم ثم العودة من جديد.
إذا فعلت هذا، صار الفشل مجرد خسارة مؤقتة، لا حكمًا بالإعدام.
والحقيقة أن الفشل — رغم مرارته — يحمل معه أثمن شيء يمكن أن يحصل عليه الإنسان: التغذية الراجعة.
أنت تتعلم من الضربة ما لا تتعلمه من عشرات المحاضرات.
خذ مثلًا شخصًا يريد إنشاء مشروع تجاري ناجح، لكنه لا يملك خبرة حقيقية.
هل الأفضل أن يقرأ خمسين كتابًا عن الإدارة؟ أم أن يبدأ مشروعًا صغيرًا يحتمل أن يخفق فيه؟
الكتب مهمة طبعًا، لكنها لا تمنحك ذلك النوع القاسي والمباشر من المعرفة الذي تمنحه التجربة. فحين تخسر مالًا، أو تفشل في إقناع عميل، أو تكتشف أن فكرتك العبقرية لا يريدها أحد… هنا يبدأ التعلم الحقيقي.
ولهذا كانت التجربة والخطأ دائمًا مناجم المعرفة البشرية.
فالذين لا يخشون الفشل — بشرط ألا يكون فشلًا قاتلًا — يملكون أفضلية ضخمة على غيرهم. لأنهم يتعلمون بسرعة، ويتكيفون بسرعة، ويصبحون أقل هشاشة أمام تقلبات العالم.
هذه هي عقلية «المناعة ضد الهشاشة»:
أن تجعل العشوائية تعمل لصالحك بدل أن تكون عدوك الدائم.
اللاتناظرات
ثم نصل إلى فكرة أخرى شديدة الأهمية، رغم أن الناس لا ينتبهون إليها كثيرًا:
احتمال أن تكون تقديراتك نفسها خاطئة.
وهنا ندخل إلى عالم «اللاتناظرات».
خذ مثلًا عالم الاستثمار.
ستجد محترفين كثيرين يعدونك بعوائد سنوية ضخمة: عشرون في المائة، ثلاثون، وربما أربعون. والكلام يبدو مقنعًا جدًا على شرائح الباوربوينت اللامعة.
لكن حين تنظر إلى النتائج الفعلية، تكتشف أن القليل جدًا يحقق هذه الأرقام فعلًا.
لماذا؟
لأن المشكلة ليست أنهم لا يربحون أبدًا، بل لأن أخطاءهم أكبر وأكثر من اللازم. وتقديراتهم تميل دائمًا إلى التفاؤل المفرط.
وفي المقابل، السوق الأمريكي نفسه — بكل تعقيداته — يحقق تاريخيًا نحو سبعة أو ثمانية بالمائة سنويًا في المتوسط. وهنا تفهم حجم الوهم الذي يبيعه البعض للناس.
واللاتناظر يظهر في حياتنا اليومية أيضًا، لا في البورصة وحدها.
فكر في الزحام المروري مثلًا.
كم مرة خرجت في موعدك الطبيعي فوصلت أبكر من اللازم بنصف ساعة؟ هذا نادر جدًا.
لكن كم مرة خرجت بالطريقة نفسها وتأخرت بسبب ازدحام مفاجئ؟ يحدث هذا طوال الوقت.
إذن فالخطأ ليس متوازنًا.
العالم لا يخطئ معك بالتساوي في الاتجاهين، بل يميل إلى جهة معينة. وفي الغالب تكون هذه الجهة هي التفاؤل.
ولهذا تجد كثيرًا من المستثمرين يضعون لأنفسهم أهدافًا ضخمة، ثم ينتهون إلى نصفها أو أقل. لكنك نادرًا ما تجد شخصًا خطط لتحقيق 25% سنويًا، ثم فوجئ بأنه حقق 80% باستمرار لسنوات طويلة.
نحن — ببساطة — نميل إلى المبالغة في تقدير قدرتنا على السيطرة على المستقبل.
عالم الجواسيس
ولهذا السبب تحديدًا يصبح عالم الاستخبارات واحدًا من أفضل الأمثلة على التفكير الاحتمالي.
فالجاسوس الناجح لا يملك رفاهية الخطأ الكبير. العالم حوله مليء بالمعلومات الناقصة، والإشارات المضللة، والخطر الدائم. وأي تحيز بسيط قد يكلفه حياته.
حين كانت فيرا أتكينز تعمل نائبةً لقائد الوحدة الفرنسية في جهاز العمليات الخاصة البريطاني SOE أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت تواجه كل يوم عشرات القرارات التي لا يمكن حسمها بيقين كامل.
من يصلح ليكون عميلًا؟
ومن سيفشل تحت الضغط؟
وأين يجب إرسال الموارد المحدودة؟
ومن يمكن الوثوق به؟
هذه لم تكن قرارات إدارية مريحة خلف مكتب خشبي أنيق. كانت قرارات قد تنتهي بالتعذيب أو الإعدام أو اختفاء شخص إلى الأبد.
ولهذا كان كل شيء يُبنى على الاحتمال.
ليس كل إنسان قادرًا على العمل جاسوسًا.
قد يكون ذكيًا جدًا، لكنه ينهار عند أول خوف.
وقد يكون شجاعًا، لكنه لا يحسن الكذب.
وقد يتقن اللغة، لكنه شديد التعلق بأسرته بحيث لا يحتمل العزلة.
ولهذا كانت فيرا أتكينز توازن بين عشرات العوامل الصغيرة:
من يتقن الفرنسية؟
من يملك سرعة بديهة؟
من يستطيع الاندماج؟
من يحتمل الوحدة؟
من يجيد حل المشكلات؟
ثم تخرج في النهاية بتقدير احتمالي، لا بيقين مطلق.
وحتى بعد اختيار العميل، تبدأ طبقة جديدة من الاحتمالات:
إلى أين يُرسل؟
وما مدى موثوقية المعلومات التي لدينا أصلًا؟
فالاستخبارات بطبيعتها عالم ضبابي. لا توجد فيه حقائق كاملة، بل أجزاء متناثرة من الحقيقة. رسالة لاسلكية مقتضبة. مذكرة كُتبت على عجل. صورة مشوشة. معلومة انتقلت بين عدة أشخاص قبل أن تصل. كل شيء ناقص. وكل شيء يحتمل الخطأ.
ولهذا كانت فيرا أتكينز مضطرة طوال الوقت إلى وزن المعلومات لا باعتبارها صحيحة أو خاطئة، بل باعتبار درجة موثوقيتها، وصلتها بالموضوع، وتوقيت وصولها.
وهذا — في النهاية — هو التفكير الاحتمالي كله تقريبًا:
أن تتوقف عن البحث عن اليقين الكامل، وأن تتعلم كيف تتحرك وسط الضباب دون أن تصدق أنك ترى الطريق كله.
وكان عليها كذلك أن تُصدر أحكامها لا على ما وقع فعلًا، بل على ما يمكن أن يقع. ولو حاولت أن تستعد لكل احتمالٍ ممكن، لما غادر جاسوسٌ بيته أصلًا. لكن المشكلة أن الحرب لا تمنحك هذا الترف. أنت تتحرك داخل عالمٍ مرتبك، سريع التبدل، مليء بالمفاجآت السيئة، ولا بد أن تتعامل معه رغم كل شيء.
الرجال والنساء الذين أرسلتهم فيرا أتكينز إلى فرنسا المحتلة لم يكونوا يؤدون مهمة واحدة، بل ثلاث مهام مختلفة، لكل واحدةٍ منها طريقتها الخاصة في الاقتراب من الموت.
فالمنظمون كانت مهمتهم إنشاء الشبكات السرية، وتجنيد المتعاونين، واختيار أهداف التخريب. والسعاة كانوا يتحركون بين المدن والقرى حاملين الرسائل، يربطون الخلايا بعضها ببعض، كأنهم الجهاز العصبي لهذه الشبكات كلها. أما مشغلو اللاسلكي فكانت حياتهم أقرب إلى الكابوس؛ يحمل الواحد منهم جهازًا ثقيلًا، ويخفيه، ثم يرسل الرسائل بسرعة قبل أن يلتقط الألمان الإشارة ويحددوا مكانه. وبعد كل إرسال، كان عليه أن يختفي فورًا، مستعدًا للهرب في أية لحظة.
ولم يكن أحد يعرف كل الأخطار التي يمكن أن تواجه هؤلاء. الخيانة واردة، والوشاية واردة، والخطأ البشري وارد، وسوء الحظ وارد دائمًا. حتى إن متوسط العمر المتوقع لمشغلي اللاسلكي في فرنسا لم يكن يتجاوز ستة أسابيع من لحظة قبول المهمة. ستة أسابيع فقط، ثم يبدأ الاحتمال في الانقلاب ضدك بعنف.
وفي النهاية، تكشف الأرقام شيئًا مهمًا عن فكرة اللاتناظر في الاحتمالات. فمن بين أربعمائة عميل أُرسلوا إلى فرنسا، أُسر مائة وقُتلوا. هذا رقم قاسٍ بلا شك، لكنه لا يعني أن فيرا أتكينز كانت غبية أو متهورة. فالتفكير الاحتمالي لا يمنحك حصانة سحرية ضد الفشل. هو فقط يجعلك تتحرك داخل الضباب بطريقةٍ أقل سوءًا من غيرك. يمنحك أفضل فرصة ممكنة، لا أكثر.
ولهذا اعتمدت فيرا أتكينز على هذا النوع من التفكير في إدارة واحدة من أعقد المهام أثناء الحرب: إضعاف العمليات الألمانية داخل فرنسا المحتلة. لكن تقييم نجاح العمل الاستخباراتي نفسه مسألة معقدة؛ لأن هذا النوع من الأعمال يُبنى دائمًا فوق خسائر لا يمكن تجنبها. نعم، شبكتها ساعدت الحلفاء فعلًا، وحققت نتائج حقيقية، لكن الثمن كان فادحًا، كما يحدث دائمًا في الحروب.
الخاتمة
التفكير الاحتمالي، في النهاية، ليس علمًا للتنبؤ بالغيب، بل فنٌّ للتعامل مع عالم لا يمنحك يقينًا كاملًا أبدًا. أنت تحاول فقط أن تميّز بين ما يستحق القلق وما لا يستحقه، وأن تراجع افتراضاتك، ثم تتخذ قرارك على أفضل تقدير ممكن.
والمشكلة الكبرى في هذا النوع من التفكير أنه يُجبرك على تعديل آرائك باستمرار. المعلومات الجديدة تغيّر الصورة دائمًا. ما كان راجحًا أمس قد يصبح ضعيفًا اليوم. لهذا تجد المفكر الاحتمالي أقل الناس ميلًا إلى الجزم المطلق، وأكثرهم استعدادًا لمراجعة نفسه. وهي عادة مرهقة نفسيًا، لأن البشر يحبون اليقين حتى لو كان زائفًا.
من السهل جدًا أن تتمسك بفكرةٍ تحبها، حتى بعد أن تبدأ الأدلة في هدمها. أما التفكير الاحتمالي فيفرض عليك جملة أقل راحة بكثير:
«أنا لست متأكدًا تمامًا… لكن الأدلة الحالية تجعل هذا الاحتمال أقرب إلى الصواب.»
ومع هذا، فثمرة هذا التفكير تستحق العناء. فهو يحميك من الغرور الفكري، ويجعلك أهدأ في التعامل مع التعقيد، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات معقولة وسط الفوضى. كما أنه يجعلك أكثر تقبلًا للأفكار الجديدة، لأنك لا تتعامل مع آرائك كأنها عقائد مقدسة، بل كتقديرات قابلة للمراجعة.
شركات التأمين
وربما كانت شركات التأمين هي أوضح مثال على عالمٍ يعيش كله تقريبًا فوق الاحتمالات. فالتأمين، أيًّا كان نوعه، قائم على محاولة تقدير فرصة وقوع شيءٍ ما.
حين تسمع كلمة «تأمين»، فأنت غالبًا تفكر في تأمين الحياة أو السيارات أو المنازل. لكن الحقيقة أن الشركات تؤمّن كل شيء تقريبًا… إذا كان السعر مناسبًا.
لقد وُجدت وثائق تأمين على سيقان عارضات أزياء فيكتوريا سيكريت، وعلى أذرع لاعبي البيسبول، وعلى حفلات ومناسبات رياضية وإعلامية، بل وحتى على ثديي مغنية مشهورة في موسيقى الكانتري. الأمر يبدو ساخرًا، لكنه في النهاية مجرد حساب احتمالات.
كيف تفعل الشركات هذا؟
ببساطة، تحاول أن تقترب قدر الإمكان من تقدير الخطر الحقيقي. ما احتمال أن تتعرض عارضة أزياء لإصابة تنهي مسيرتها؟ هل هو واحد من عشرة آلاف؟ أم واحد من مئة ألف؟ للوصول إلى تقدير معقول، تنظر الشركة إلى أسلوب حياتها، وصحتها، وعاداتها، وتاريخها الطبي، ثم تخرج في النهاية برقم: هذا هو سعر الخطر.
الأمر كله يشبه المراهنة في سباق خيل. يمكنك دائمًا قبول الرهان، لكن المهارة الحقيقية هي أن تعرف السعر المناسب له.
فكرة داعمة : السببية والارتباط
واحدة من أكثر الأخطاء شيوعًا في التفكير البشري هي الخلط بين الارتباط والسببية.
نحن نرى شيئين يحدثان معًا، فنفترض فورًا أن أحدهما سبب الآخر. ومن هنا تبدأ كمية هائلة من الاستنتاجات الخاطئة التي نبني عليها قراراتنا اليومية.
لا يوجد ارتباط
معامل الارتباط — وهو رقم يقع بين -1 و1 — يخبرنا فقط بمدى تحرك متغيرين معًا.
خذ مثلًا استهلاك المياه المعبأة ومعدلات الانتحار. لا توجد علاقة حقيقية تقريبًا بين الأمرين. ولو رسمت البيانات الخاصة بهما على مخطط بياني، فلن ترى نمطًا واضحًا أو علاقة يمكن الوثوق بها. سيكون المشهد أقرب إلى نقاط متناثرة بلا معنى.
ارتباط مثالي
لكن هناك حالات يكون فيها الارتباط كاملًا تقريبًا. درجات الحرارة مثلًا.
فالدرجة المئوية لها دائمًا مقابل ثابت بالفهرنهايت، لأن الاثنين يقيسان الشيء نفسه أصلًا: حركة الجزيئات. ولهذا يكون الارتباط هنا كاملًا، ويظهر الرسم البياني كخط مستقيم تقريبًا.
ارتباط ضعيف إلى متوسط
لكن الواقع الإنساني أعقد من هذا بكثير.
خذ الطول والوزن مثلًا. هناك ارتباط واضح بينهما، لكن ليس كاملًا. الأطفال أقصر وأخف من البالغين غالبًا، لكن شخصين لهما الطول نفسه قد يختلف وزنهما جدًا. السبب أن هناك عوامل أخرى تتدخل: العضلات، والدهون، والعمر، ونمط الحياة… إلخ.
إذن فالطول مؤشر مفيد، لكنه لا يكفي وحده لتفسير الوزن كله.
وأحيانًا تبدو العلاقة مضللة أكثر من ذلك.
لنفترض أنك قرأت دراسة تقول إن أبناء الآباء الذين يفرطون في شرب الكحول يحققون نتائج دراسية أسوأ. هل هذا يعني أن شرب الآباء هو السبب المباشر؟ ربما. وربما لا.
قد يكون هناك عامل ثالث وراء الأمرين معًا: الفقر، أو التوتر الأسري، أو البيئة الاجتماعية. ولهذا فإن وجود الارتباط لا يكفي أبدًا لإثبات السببية.
السببية
وكلما ابتعد الارتباط عن الكمال، ظهرت ظاهرة شهيرة اسمها «الانحدار نحو المتوسط».
ببساطة: الحالات المتطرفة تميل مع الوقت إلى الاقتراب من المستوى العادي. المتفوق جدًا قد يتراجع قليلًا، والمتعثر جدًا قد يتحسن قليلًا، حتى لو لم يتغير شيء حقيقي.
ودانيال كانيمان يضرب مثالًا ساخرًا على هذا في كتابه «التفكير، السريع والبطيء». يمكنك أن تنشر دراسة تقول إن الأطفال المصابين بالاكتئاب يتحسنون بعد شرب مشروبات الطاقة لثلاثة أشهر. والمفارقة أن هذا قد يكون صحيحًا فعلًا إحصائيًا.
لكن الأطفال أنفسهم ربما كانوا سيتحسنون أيضًا لو جعلتهم يقفون على رؤوسهم، أو يلعبون مع القطط طوال اليوم.
السبب أن الحالات المتطرفة تميل بطبيعتها إلى الاعتدال مع الزمن. وبما أن الارتباط بين القياسات المتعاقبة ليس كاملًا، فإن جزءًا من التحسن سيحدث تلقائيًا حتى من دون علاج.
ولهذا كثيرًا ما ننسب النجاح إلى سياسة أو دواء أو إجراء، بينما كان التحسن سيحدث أصلًا من تلقاء نفسه.
فكيف نعرف إذن إن كان العلاج حقيقيًا أم مجرد خدعة إحصائية؟
الحل هو «المجموعة الضابطة». أي مجموعة لا تتلقى العلاج أصلًا، ثم نقارن نتائجها بالمجموعة التي تلقته. فإذا تحسنت المجموعة المعالجة أكثر من التحسن الطبيعي المتوقع، جاز لنا أن نقول إن هناك أثرًا حقيقيًا.
لكن الحياة الواقعية ليست معملًا دائمًا. في أغلب الأحيان، لا توجد مجموعات ضابطة، ولا ظروف مثالية. نحن نحاول فقط أن نفهم العالم وسط ضباب كثيف… ونأمل ألا نكون مخطئين أكثر مما ينبغي.
نُقل من The Great Mental Models, Volume I







