البيت الذي تسكنه ليس البيت الذي تحمله في داخلك، فلسفة المكان والألفة
في الألفة الغامضة بين الإنسان وجدرانه، يدور صراعٌ خفيّ بين بيتٍ يُعاش وبيتٍ يُتخيَّل؛ صراع يبلغ أحياناً عنف الهدم ولا يُحسم إلا ليبدأ من جديد.
المقال صوتي
حدّثتني سيدةٌ ذات يوم عن ساعةٍ عصيبةٍ قضتها مع زوجها في عيادة طبيب أورام، وهما ينتظران نتيجة خزعةٍ كانت تحمل من الاحتمالات ما يكفي لإثارة القلق في قلب أشجع الناس. كانت قد جاوزت الستين بقليل، وصارت جدةً منذ سنوات، وعاشت مع زوجها أكثر من أربعة عقود تقاسما فيها أفراح العمر وأعباءه. وحين طال الانتظار، ولم تجد ما تصرف به نفسها عن هواجسها الثقيلة، راحت تتأمل غرفة الانتظار من حولها، ثم أخذت تُعيد ترتيبها في خيالها قطعةً قطعة.
قالت لي إنها أمضت سنوات طويلة في تنظيم البيوت وتنسيق تفاصيلها، حتى أصبح ذلك جزءاً من طبيعتها؛ تلجأ إليه كلما اضطرب خاطرها أو أثقلها التفكير. فبدأت تتخيل موضعاً أفضل للمقاعد، وإضاءةً أكثر دفئاً، وأبواباً أقل إرباكاً للداخلين والخارجين، ومسحةً إنسانيةً تخفف من قسوة الطابع الطبي الجاف. وحين فرغت من هذه الرحلة الصامتة في عالم الخيال، جاء النداء المنتظر، ودخلت مع زوجها إلى الطبيب. وكانت الأخبار – على غير ما خشيت – أهون مما تصورت، فخرجت من العيادة بقلبٍ أخف مما دخلت.
وقد استوقفتني قصتها يومئذٍ؛ لأنها بدت مألوفةً لي على نحوٍ أربكني أكثر مما أراحني. فقد وجدت فيها شيئاً من نفسي كنت أفضّل ألا أراه بوضوح. ذلك أنني، قبل أعوام، اندفعت في مشروع إعادة تشكيل شقتنا في لندن اندفاعاً كاد يستنفد طاقتي النفسية والجسدية معاً. صحيح أن النتيجة كانت بيتاً أجمل وأكثر راحةً لي ولابنتيّ، لكنني ما زلت أشعر بشيءٍ من الحرج كلما تذكرت ذلك الإصرار المحموم الذي سيطر عليّ آنذاك.
فقد هُدمت الجدران، واقتُلعت الأرضيات، وأُفرغت الغرف من محتوياتها حتى بدا المكان كأنه يبدأ حياته من جديد. واختفت أشياء تراكمت عبر السنين: أثاثٌ قديم، وصورٌ منسية، وتذكاراتٌ صغيرة كانت تحمل آثار أيامٍ مضت. وكنت أراقب كل ذلك بمشاعر متناقضة؛ ففي لحظةٍ بدا الأمر كأنه خلقٌ جديد، وفي لحظةٍ أخرى بدا شبيهاً بعملية محوٍ لا تعرف الرحمة. كان الماضي يتراجع أمام عيني، ويحل محله عالمٌ صنعته اختياراتي أنا، من لون الجدران إلى شكل المقابض والصنابير وأدق التفاصيل.
ومع مرور الوقت لم يعد البيت مكاناً أعيش فيه، بل صار انعكاساً مرئياً لذوقي وقراراتي وهواجسي. وأخذت أتعامل معه بحساسيةٍ مبالغٍ فيها؛ فأضيق إذا جلس أحد على الأريكة الجديدة بإهمال، وأتابع آثار الأحذية على الأرضية كأنها خدوشٌ تصيبني شخصياً. وكنت أعاتب ابنتيّ إذا تركتا أغراضهما في غير موضعها، أو خلّفتا وراءهما فوضى عابرة في المطبخ. وكنت أظن أنني أدافع عن البيت وأحفظ جماله، بينما أرى اليوم أنني كنت، دون أن أشعر، أحاول أن أفرض على الحياة نفسها قدراً من النظام لا تحتمله طبيعتها.
أما الشقة القديمة، فكانت على النقيض من ذلك كله. سجادٌ بني كثيف لا يلفت النظر، ومطبخٌ ضيق تكسوه درجات من البرتقالي الباهت، حتى ليخيّل إلى الداخل أنه في مكانٍ عفا عليه الزمن. ومع ذلك كان الناس يحبون الجلوس فيه. كانوا يلتفون حول الطاولة الصغيرة، يتبادلون الحديث والضحك في ضوءٍ خافت، غير عابئين بضيق المكان أو تواضع هيئته.
وكانت غرف الشقة القديمة متشابكةً على نحوٍ يبعث الحيرة أحياناً. ننتقل بينها كما ينتقل الأطفال في لعبةٍ مألوفة، نبحث عن بعضنا بعضاً، ونتنقل من غرفةٍ إلى أخرى بلا خطةٍ واضحة. وكان السجاد الكثيف يبتلع الأصوات حتى إن المرء قد يشك أحياناً في وجود أحدٍ في البيت. لكنها، رغم فوضاها، كانت تسمح للحياة أن تجري بطبيعتها، من غير أن تفرض عليها شكلاً محدداً أو صورةً مثالية.
كنا هناك أقل انشغالاً بأنفسنا، وأكثر انشغالاً ببعضنا بعضاً. وكانت عيوب المكان تمنحه شيئاً من الرحابة الإنسانية التي لا توفرها البيوت المصممة بإحكامٍ شديد. وحين كان يزورنا أحد، كنت أجد نفسي أشرح له ما أنوي فعله بالمكان مستقبلاً، وأصف له الصورة التي أراها في ذهني. وكنت أستمتع بتلك اللحظة التي تنتقل فيها الفكرة من رأسي إلى رأس المستمع.
وأذكر أن أحد الزائرين فاجأني ذات مرة حين مرّر يده على سطحٍ قديم في المطبخ، ثم قال مبتسماً إن أجمل ما في هذا البيت أنه لم يُصقل حتى يفقد روحه. وأضاف أن في قبحه شيئاً من الصدق الذي تفتقده أماكن كثيرة تُشبه صور المجلات أكثر مما تشبه البيوت التي يعيش فيها الناس. ثم نظر إليّ قائلاً: «أرجوكِ، لا تغيّريه. سأشعر بخيبة أملٍ حقيقية إن فعلتِ».
نشأت في بيوت واسعة وجميلة إلى حد بعيد. لكن أجمل غرفها كانت تلك التي لا يستعملها أحد تقريباً. غرفة الاستقبال بأرائكها الفاتحة التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، وغرفة الضيوف التي يبقى كل شيء فيها مرتباً على الدوام، والمكتب الذي تصطف على رفوفه مجلدات فخمة لا يكاد أحد يفتحها.
وكان لهذه الغرف سكون المتاحف وهيبتها. بدا الزمن فيها متوقفاً، وكأنها صُنعت لغاية تتجاوز حاجات البشر اليومية. وكنت أتساءل دائماً: لمن أُعدّت هذه الغرف؟ وما الغرض منها؟ ومع مرور الوقت أدركت أنها كانت نوعاً من التعبير عن الذات؛ محاولة لصنع عالم كامل ومحكم، عالم يبقى على حاله مهما تبدلت الحياة خارجه.
وكانت هذه الغرف تحدثني، بطريقتها الخاصة، عن أمي أكثر مما تحدثني عن البيت نفسه. كانت شاهداً على ذوقها واجتهادها ورغبتها في إتقان كل شيء. بل خُيّل إليّ أحياناً أنها تكون أكثر رضا عن البيت حين حين لا نكون نحن فيه، وحين يستعيد ذلك النظام الكامل الذي صنعته بيديها.
ولأننا كنا ننتقل كثيراً من منزل إلى آخر، فقد لاحظت أمراً غريباً. فما إن ننجح في ترويض المكان الجديد ونشعر أننا أحكمنا السيطرة عليه، حتى يحين وقت الرحيل. السكن نفسه كان مشروعاً ينتهي بمجرد اكتماله. وربما كان هذا قريباً مما يشعر به الفنان حين يفرغ من لوحته؛ فكلما ازدادت ألفته بما صنع، نشأت في داخله رغبة خفية في مفارقته والبحث عن بداية جديدة.
ولعل هذا ما كانت أمي تشعر به أيضاً. فقد كانت تستمتع بصنع البيت أكثر مما تستمتع بالإقامة فيه. وكان منظرنا ونحن نستقر أخيراً داخل العالم الذي أعدّته لنا بمثابة الدليل على أن المهمة انتهت، وأن الوقت قد حان للبحث عن مشروع آخر.
وقد خطر لي كثيراً أن الإبداع لا يعيش إلا في صحبة شيء من القلق. فالمجهول يجذب صاحبه أكثر مما يجذبه المألوف. وربما لهذا كانت أمي تقضي معظم وقتها في أصغر غرف البيت وأبسطها: المطبخ. والأمر نفسه تكرر معي على مر السنين؛ فقد كتبت وعملت في غرف نوم ضيقة، أو إلى جوار طاولة المطبخ، حتى حين أتاح لي شيءٌ من اليسر أن أطالب بغرفةٍ خاصة للعمل طالما تغنّى بها الناس.
وفي إيطاليا زرت ذات مرة قلعة جميلة بصحبة مالكها، الذي أخذني في جولة طويلة بين قاعاتها وغرفها. وكان كل شيء فيها مرتباً بعناية تكاد تبلغ حد الكمال؛ أثاث مختار بعناية، وزوايا لا يشوبها اضطراب، وغرف تبدو كأن أحداً لم يعش فيها يوماً. وبينما نحن ننتقل من مكان إلى آخر، وقع بصري على باب موارب. ومن خلاله رأيت غرفة صغيرة أقرب إلى مخزن أو كهف متواضع، تكدست فيها علامات الحياة اليومية كلها: موقد غاز، وجهاز تلفاز، وأريكة استهلكها الاستعمال. وهناك فقط أدركت أين تعيش الأسرة حقاً. كانت تلك المساحة الضيقة، لا القاعات الفخمة، هي قلب البيت النابض بالحياة.
وكثيراً ما تخطر لي هذه الصورة حين أرى صور الكتّاب في مكاتبهم الأنيقة، تحيط بهم رفوف الكتب من كل جانب، وتوحي للناظر بأن حياته الفكرية معروضة أمامه كاملة لا تخفي شيئاً. وأتساءل دائماً: ما أصدق هذه الصورة وما أشد خداعها في الوقت نفسه! فهي توحي بوجود انسجام كامل بين ما يبدو عليه الإنسان وما هو عليه في حقيقته، وكأن الأفكار تولد في نظام مثالي يشبه نظام الرفوف المصطفة خلف أصحابها. مع أن كتابة كتاب ليست سوى عمل إنسان عادي، يحمل في نفسه من التناقضات والضعف والأنانية وقسوة القلب ما قد يحمله أي إنسان آخر.
ولإحدى بناتي صديقة اعتادت أن تقضي في بيتها ساعات طويلة. وهو بيت يبعث في النفس راحة يصعب تفسيرها. لا يكاد يخلو من أهل أو ضيوف، ولا ينقصه طعام أو حديث أو ألفة. وفيه من حضور الوالدين وعنايتهما ما يجعل كل من يدخله يشعر بأنه موضع ترحيب. ومع أن البيت مليء بالكتب واللوحات وكل ما يدل على الذوق والثقافة، فإنه يخلو من ذلك التكلف الذي كثيراً ما يفسد جمال الأشياء. فالكتب هناك جزء من الحياة، لا زينة للعرض. واللوحات معلقة لتُرى وتُستمتع، لا لتؤدي وظيفة اجتماعية. وحتى الكلب الممدد في استرخاء فوق سجادة فارسية قديمة يبدو كأنه أحد عناصر هذا السلام المنزلي الهادئ.
وكان مما يعجب ابنتي في ذلك البيت أنها تستطيع أن تأكل حيث تشاء، وأن تجلس على الأريكة من غير خوف أو حذر، وهو أمر لم يعد متاحاً لها بالقدر نفسه في بيتنا. وكان يدهشني أن المكان كله يوحي بأن الإبداع والحياة يسيران فيه جنباً إلى جنب، من غير ذلك التوتر الذي اعتدت أن أربطه بالإبداع؛ الصمت الطويل، والعزلة، والإحساس الدائم بأن العالم ينبغي أن يبتعد قليلاً حتى نستطيع التفكير.
وأعترف أنني كنت أشعر أحياناً بشيء من الغيرة الخفية كلما رأيت مدى تعلق ابنتي بهذه الأسرة، مع أنني لا ألومها على ذلك لحظة واحدة. فأنا أفهم سر هذا الانجذاب جيداً. بل إن هذه الأسرة تجسد قيماً أؤمن بها أنا أيضاً وأحترمها: الكرم، والتسامح، وتقديم الإنسان على الأشياء. وربما كان ما يزعجني حقاً أنني لا أنجح دائماً في تحقيق هذه القيم بالقدر الذي أتمناه داخل بيتي.
ولعل البيت يشبه الجسد في هذا المعنى؛ فهو شيء نراه من الخارج ونعيشه من الداخل في آن واحد. لكنني لم أوفق قط إلى التوفيق الكامل بين هذين الوجهين، لا في البيت ولا في نفسي. وكثيراً ما يخيل إلي أن بيوت الآخرين أكثر حقيقة من بيتي، وأن حياتهم الداخلية أقل اضطراباً من حياتي. وربما كان هذا الوهم قديماً قدم الإنسان نفسه. فقد كنت في صباي أحب بيوت الآخرين أكثر مما أحب بيتنا أحياناً، كما تفعل ابنتي الآن. غير أن العمر علمني أن البيوت لا تتشكل مصادفة كما تبدو، وأن أسلوب الحياة الذي يعجبنا عند الآخرين يكون في الغالب ثمرة اختيارات مقصودة، حتى لو بدا عفوياً وبسيطاً.
فذلك الرجل الذي أثنى يوماً على سطح الفورميكا المتقشر في مطبخي القديم لم يكن يرى الأمر مجرد صدفة، بل كان ينسب إليّ موقفاً متعمداً من الحياة، سواء أصاب في ظنه أم أخطأ. وكذلك الحال في بيت صديقة ابنتي؛ فالسهولة الظاهرة التي تسود المكان لا بد أنها ثمرة قناعات مستقرة واختيارات طويلة تراكمت مع الزمن حتى صارت جزءاً من طبيعة البيت. وربما كان ما يزيد هذا المشهد إغراء في نظري أنه يعبر، في جانب منه على الأقل، عن أشياء أؤمن بها أنا أيضاً.
وأحياناً يخيل إليّ أن دخول بيت ما يشبه التعرف إلى صاحبه عن قرب. فالبيت ليس جدراناً وأثاثاً فحسب، بل أثر إنسان ترك بصمته في كل زاوية منه. وقد كان ينتابني دائماً إحساس بأن المرأة التي تدير المنزل تحضر فيه حضوراً خفياً لا يخطئه أحد، وأن كل تفصيل صغير فيه يحمل شيئاً من ذوقها وطباعها وطريقتها في النظر إلى الحياة.
ومع ذلك فإن بعض البيوت تنجح في إخفاء هذه الحقيقة نجاحاً يثير الإعجاب. فهي تمنحك إحساساً بأن كل شيء يجري فيها تلقائياً، وأن الراحة التي تشعر بها أمر طبيعي لا يحتاج إلى جهد أو تدبير. والحقيقة غير ذلك بالطبع. فكما ينسى ركاب السفينة صوت المحركات التي تدفعها إلى الأمام، ننسى نحن أيضاً مقدار العمل والرعاية الكامنين وراء البيت الهادئ المستقر. وربما كان نجاح ربة البيت يقاس أحياناً بقدرتها على إخفاء هذا الجهد كله، حتى يبدو النظام والعطف والدفء وكأنها أمور تحدث من تلقاء نفسها.
وحين أنظر إلى بيت صديقة ابنتي أجد صعوبة في التمييز بين حقيقته وما يبدو عليه. فهو بالفعل بيت امرأة مثقفة، محبة للفن، واسعة القلب. وكل ما فيه يؤكد هذه الصورة. ومع ذلك أجدني مترددة في التصديق بأن التطابق بين الظاهر والباطن يمكن أن يكون كاملاً إلى هذا الحد. ولعل السبب أن الإنسان يعرف من نفسه ما يكفي ليشك في الكمال كلما رآه.
وقد كتبت مارغريت دوراس عبارة توقفت أمامها طويلاً، إذ قالت «إن البيت الذي تصنعه المرأة نوع من اليوتوبيا الصغيرة؛ فهي لا تستطيع أن تمنع نفسها من دفع أقرب الناس إليها إلى الاهتمام بالسعادة، أو على الأقل بالسعي إليها». وأحسب أن في هذا القول قدراً كبيراً من الحقيقة.
فإذا نظرت إلى بيتي وجدت أنه يعكس هذا السعي أكثر مما يعكس السعادة نفسها. إنه مكان أحاول فيه أن أجسد بعض القيم التي أؤمن بها، وأن أمنحها شكلاً مادياً ملموساً. وحين أنجح أشعر بالرضا، وحين أفشل تنكشف آثار ذلك الفشل أمامي في كل زاوية. ولأن القيم نفسها تتغير مع الزمن، ولأن تصورنا للسعادة لا يثبت على حال، فإن البيت يظل مشروعاً مفتوحاً لا يبلغ نهايته أبداً. وربما كان أكثر ما يغري في فكرة البيت هو الوهم بأنه قادر على منحنا شيئاً دائماً وثابتاً في عالم لا يعرف الثبات.
وقد اشتهرت الروائية آيريس مردوخ بفوضى منزلها التي كانت مضرب الأمثال بين معارفها. وكانت مردوخ، إلى جانب كونها روائية كبيرة، فيلسوفة وأكاديمية شقت طريقها في بيئة أكسفوردية سيطر عليها الرجال زمناً طويلاً. ولهذا كثيراً ما خطر لي أن تمردها على الانشغال بشؤون البيت لم يكن مجرد عادة شخصية، بل كان موقفاً أعمق من ذلك؛ نوعاً من الرفض للدور التقليدي الذي طالما فُرض على النساء.
وأذكر أنني شهدت في أكسفورد نفسها صورة معاكسة تماماً. فقد زرت بيتاً عائلياً في عيد الميلاد، وكانت صاحبته شديدة الحرص على النظام والنظافة إلى درجة جعلت أي اضطراب بسيط يبدو كارثة حقيقية. وحين أسقط أحد الحاضرين بعض إبر شجرة الميلاد على الأرض دون قصد، طلبت منا أن نرفع أقدامنا جميعاً حتى تنتهي من تنظيف المكان بالمكنسة. وقد بدت الواقعة طريفة يومها، لكنها جعلتني أفكر في العلاقة المعقدة التي تربط بعض الناس ببيوتهم.
ومن السهل أن نفسر مثل هذه الظواهر على أنها نتيجة للضغوط النفسية التي ارتبطت بصورة ربة البيت الحديثة؛ تلك المرأة المحاصرة بين الرغبة في الكمال وبين استحالة الوصول إليه. غير أن هذا التفسير لا يكفي وحده. فهناك أيضاً البعد الثقافي والسياسي الذي جعل كثيراً من النساء ينظرن إلى الانشغال بالبيت بوصفه عبئاً أو قيداً ينبغي التحرر منه. وأصبح الإهمال المتعمد أحياناً علامة على الاستقلال، كما أصبح الاهتمام المفرط بالبيت يبدو في نظر البعض نوعاً من الاستسلام لدور تقليدي لم يعد مرغوباً فيه.
والمفارقة أن بعض أكثر الأشخاص تدقيقاً في شؤون المنزل ممن عرفتهم كانوا رجالاً لا نساء. فقد قادتهم مشاركتهم في تربية أبنائهم والاعتناء بشؤون أسرهم إلى الطريق نفسه الذي سلكته أجيال من النساء قبلهم. وهكذا أصبح البيت امتداداً لذواتهم، وأصبحت فوضاه تقلقهم، كما يقلقهم أي نقص أو تقصير يمس شيئاً يعدونه جزءاً منهم.
ومع ذلك لم أشعر قط أن هؤلاء الرجال أسرى للبيت كما كانت بعض النساء. كانوا يهتمون به، نعم، لكن من مسافة ما. ولم يكونوا مشدودين إلى تلك الصورة المثالية للمنزل الكامل بالدرجة نفسها. ولعل في هذا مفارقة تستحق التأمل. فقد يكون آخر انتصارات النظام الأبوي أن الرجال استطاعوا أداء بعض الأدوار المنزلية بكلفة نفسية أقل. وربما يكون السبب أن المرأة حين تبتعد عن دور ربة البيت لا تبتعد عنه تماماً، بل تظل تحتفظ بشعور خفي نحوه؛ شعور يشبه من ترك التدخين ولم يدرِ ما يصنع بأصابعه.
ولي صديقة أخرى أحسدها على تلك السهولة التي تدير بها بيتها، وعلى ذلك الهدوء الذي تواجه به الفوضى من حولها. فهي تقود أسرة كبيرة، لكن وفق قواعد تبدو فيها النظافة أمراً ثانوياً، أو هدفاً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم. فإذا دخلت بيتها سمعت تحت قدميك حفيف الأشياء المتناثرة وصريرها، ورأيت الدرج وقد تحول إلى ما يشبه مستودعاً عمودياً للمفقودات؛ كتب وثياب وألعاب أطفال، وآلات موسيقية وحقائب مدرسية وأحذية رياضية، كل شيء هناك، متراكباً بعضه فوق بعض. أما غرف الأطفال، فعلى ما فيها من إهمال، تملك جمالاً غريباً يصعب إنكاره. تبدو كأنها أماكن نمت وحدها بعيداً عن يد الإنسان، تشكلت ببطء تحت تأثير الزمن والعادة والفوضى اليومية، حتى اكتسبت هيئة طبيعية خاصة بها. وفي المطبخ قد تجد الصغار يصنعون كعكة على شكل بركان، أو يجرون تجربة كيميائية لا يُعرف أهي للعلم أم للمتعة. وفي الطابق العلوي يعلو صوت أحد الأبناء وهو يتدرب على الغناء، بينما تمتلئ الممرات بالأصدقاء والكلاب والقطط وكل الكائنات التي تجد طريقها إلى ذلك البيت المفتوح.
وأذكر أن هامستراً صغيراً هرب ذات يوم من قفصه، فبحثوا عنه أياماً ثم يئسوا منه. وبعد ستة أشهر كاملة اكتشفوه مصادفةً في خزانة قديمة، وقد كوّن لنفسه حياة كاملة هناك، بل أصبح أباً لأسرة صغيرة أيضاً. وحين روت لي صديقتي القصة لم تبدُ عليها دهشة كبيرة، بل اكتفت بأن هزت كتفيها ولوّحت بيدها في استسلام قائلة: “إذا كانت تلك طريقته في الحياة، فليعشها كما يشاء”.
والعجيب أن هذا البيت، على ما فيه من اضطراب، يمنح زائره شعوراً نادراً بالطمأنينة. كأن السعادة فيه ليست هدفاً يسعى إليه الناس، بل شيئاً موجوداً بالفعل بين تلك الأكوام المبعثرة، يمكن أن تمتد يدك فتلمسه في أي لحظة. والسر في ذلك، فيما أظن، أن الأولوية هناك للبشر لا للأشياء. قد تُترك الغرف على حالها أياماً، لكن أحداً لا يُترك وحيداً أو مهملاً. ولطالما بدا لي أن صديقتي استطاعت، حين نزعت عن الأشياء هذه السلطة التي نعطيها لها أحياناً، أن تمنح أبناءها ما كانت تريده حقاً: المحبة، والثقة، والتوجيه الهادئ. وهي أمور كثيراً ما تتعثر عند غيرها حين تختلط بمعارك النظام والترتيب وحراسة الممتلكات.
ومن هنا يبدأ ارتباكي أنا.
فكلما حاولت أن أوفق بين إيماني بأن الإنسان أهم من الأشياء، وبين إيماني بضرورة النظام، وجدت نفسي أمام فلسفة متناقضة تنقض نفسها بنفسها. وكثيراً ما ضبطتني أفتش عن مبررات تربوية معقدة لأدافع بها عن قوانين منزلية لست واثقة أصلاً من إيماني الحقيقي بها. وكم من مرة رأيت في عيون بناتي نظرة تجمع بين الاستغراب والشفقة، وأنا أثور لأن كأساً انكسرت، أو لأن غرفة امتلأت بالفوضى. وحين أهدأ، أجد الأسئلة نفسها تلاحقني:
هل يعقل أن يصبح الشيء أهم من صاحبه؟
وهل تستحق الأرضية النظيفة أن نخسر من أجلها لحظة لعب أو ضحكة عابرة؟
وهل يتساوى خطأ غير مقصود مع تخريب متعمد؟
لكن المشكلة أن عقلي، على الرغم من كل هذه الأسئلة، لا يعمل في راحة إلا إذا بقي عالم الأشياء من حولي مستقراً ومنظماً. فللأشياء سلطة خفية لا نعترف بها كثيراً. وقد قرأت مرة في يوميات فرجينيا وولف أنها اشترت خزانة جديدة، فكانت تضطر كل نصف ساعة إلى أن تترك مكتبها وتخرج لتلقي عليها نظرة. لم تكن الخزانة تفعل شيئاً، لكنها كانت تستحوذ على انتباهها استحواذاً غامضاً.
وأفهم هذا الشعور أكثر مما ينبغي.
فقد كانت صورة الكاتب الجالس إلى مكتبه بين رفوف الكتب تبدو لي دائماً صورة مثالية بعيدة المنال. لا لأنني لا أستطيع الكتابة، بل لأن عليّ أن أقوم بدورين في الوقت نفسه: أن أخلق المشهد وأن أعيش داخله. كان عليّ أن أكون المرأة التي ترتب المكتب، والكاتبة التي تجلس إليه بعد ذلك. الفنانة التي بداخلي كانت ترغب في التحرر من أسر الأشياء، أما المرأة التي تعيش الحياة اليومية فلم تكن قادرة على ذلك. ولذلك كنت أتخيل نفسي في غرفة الكاتب المرتبة كأنني خادمة لنفسي، أو زوجة مخلصة لذاتي، أهيئ لها المكان ثم أتنحى جانباً كي تعمل. وكان الأمر يتطلب شخصيتين لا شخصية واحدة؛ امرأة ترفع ألعاب الأطفال عن المكتب، وتعيد الكتب إلى أماكنها، وتمسح آثار الفوضى، لتتيح لامرأة أخرى أن تجلس أخيراً وتكتب.
ولهذا كانت صورة الأم المتسامحة التي لا تعبأ كثيراً بالبيت تثير في نفسي شعوراً معقداً. كنت أراها أقل مني اهتماماً بالمظهر، لكنها كانت تبدو في الوقت نفسه أقوى مني. أقوى من ربة البيت التي تقضي عمرها تحرس الأسطح اللامعة من آثار الحياة. وأقوى مني أنا أيضاً، لأن لا مبالاتها لم تكن كسلاً، بل نوعاً من الشجاعة. فهي، وسط الفتات المتناثر على أرض المطبخ، والغرف التي تعصف بها الحياة من كل جانب، كانت تعلن أنها اختارت البشر على الأشياء. وكانت، من حيث لا تدري، تتخلى عن آخر خطوط الدفاع التي نحتمي بها أحياناً. فبيتها مفتوح دائماً. ولا توجد فيه مناطق محرمة. ولا حواجز تسبق الترحيب بالناس.
لاحظتُ ذات يوم أن ابنتي لم تعد تمكث في ذلك البيت الذي كانت لا تكاد تفارقه من قبل، فلما سألتها عن السبب اعترفت، على شيء من التردد، بأن صديقتها بدأت تضيق بكثرة ترددها عليه. وفهمتُ شعورها على الفور، لأن البيت الذي تدخلينه دائماً ولا تملكين فيه حق البقاء الكامل تجربة أعرفها معرفة قديمة لا تخطئها الذاكرة. ففي مثل سنها كنتُ أُنتزع كل مساء أحد من دفء البيت وأُساق عبر المطر إلى محطة القطار في طريقي إلى المدرسة الداخلية، ولم يكن في نفسي يومئذٍ مطلب أعظم من أن يُسمح لي بالبقاء حيث أنا. وكان مساء الأحد، طوال عطلة نهاية الأسبوع، يحضر في وجداني منذ اللحظة الأولى كساعة معلقة فوق رأسي، أسمع دقاتها الخفية ولا أملك إيقافها، حتى إذا اقترب موعد الرحيل شعرتُ به يهبط عليّ ببطء لا يرحم. ثم يبدأ أسبوع المدرسة، فأعيش القسوة نفسها ولكن في الاتجاه المعاكس؛ أعد الأيام والساعات منتظرة اللحظة التي تعيدني إلى البيت مرة أخرى.
وأدرك الآن أن جانباً كبيراً من قلقي داخل البيت لم يكن متعلقاً بالبيت نفسه، بل بالزمن. كنتُ دائماً في انتظار شيء قادم، كأن الإقامة حالة مؤقتة لا بد أن تنتهي، وكأن كل استقرار يحمل في داخله وعداً بالرحيل. ولهذا كنت أبحث عن الخاتمة في أعمال المنزل كما أبحث عنها في الكتابة؛ أريد حلاً نهائياً، وصفحة أخيرة تُغلق بعدها القصة. ولعل هذا هو السبب أيضاً في أنني نادراً ما أجلس حقاً في البيت؛ فالأريكة الجديدة تكاد تكون في مأمن مني، والراحة نفسها تبدو أحياناً كأنها تأجيل غير مشروع للعمل التالي. فالبيت عندي لم يكن شعوراً خالصاً بقدر ما كان صورة ألاحقها، وفكرة أحاول بلوغها، وغاية أظن أنها تنتظرني في مكان ما خلف التفاصيل. وربما كان الأمر كذلك عند أمي أيضاً. غير أن هذه الهوية، شأن هويات كثيرة ضلت طريقها أو أفلست مع الزمن، لم تستقر في داخلي على هيئة رؤية واضحة، بل تسربت في صورة عادات قهرية متفرقة، وإشارات صغيرة لا يجمعها نظام واحد. أما بناتي، ففي غرفهن المبعثرة، حيث تُلقى الثياب على الأرض بلا اكتراث، فكأنهن يبعثن برسالة مطمئنة تقول إن لكل هذه الفوضى نهاية يعرفنها، وإن التاريخ الذي يقلقني لا يقلقهن بالقدر نفسه.
وإذا كان البيت، في حياة أمي، أشبه برواية طويلة تنسج أحداثها بيديها، فقد كنا نحن شخصيات تلك الرواية؛ ضروريين فيها، ولكننا لم نكن أحراراً تمام الحرية. أما أنا فلا أشعر أنني بطلة أي رواية منزلية، بل كثيراً ما أرى نفسي عاملة تنظيف وطاهية ومنفذة لسلسلة لا تنتهي من الأعمال التي لا بد من إنجازها. وبناتي، على النقيض من ذلك، يصنعن شخصياتهن بأنفسهن، ويكتبن فصول حياتهن على هواهن. وقد بذلت جهدي كله كي لا أجلس على عرش أمومي خفي أحكم منه عليهن، وكي لا أحول عجزي أو إرهاقي إلى سلطة فظة أفرضها باسم الخبرة أو التضحية. غير أنني كثيراً ما أتساءل: هل وقعت، هرباً من ذلك كله، في خطأ أشد قسوة؟ هل جعلت نفسي قليلة الشأن إلى حد المبالغة؟
لقد هَوَّنت من قيمة ما أبذله في البيت كأنني أخشى أن يعديهن ذلك الاهتمام، وكأن العناية اليومية بالمكان مرض ينبغي التحذير منه لا فضيلة تستحق الاحترام. وربما أوحيت لهن، من حيث لا أشعر، بأن الأمومة نفسها بناء مؤقت، وهيكل يُستخدم فترة ثم يُستغنى عنه، كالغلاف الذي ينفصل عن الصاروخ بعد انطلاقه تاركاً الرحلة الحقيقية تبدأ بدونه. ولهذا ما إن ننتهي من العشاء حتى أهب واقفة لأجمع الصحون وأرتب المائدة، بينما تمد بناتي أيديهن ليمنعنني قائلات في شيء من العتاب الرقيق: أما يمكن أن نبقى هكذا قليلاً؟
وأقمت بعد ذلك صداقة لم أكن أتوقعها مع زوجة صديق قديم. دعانا الاثنان إلى العشاء في شقتهما الواقعة في الطابق الرابع من بناية يصعد إليها المرء عبر سلم طويل يلتف حول نفسه كأنه لا يريد أن ينتهي. وكانت الشقة جميلة على نحو يبعث السرور في النفس، وقد جلسنا نتناول الطعام إلى جوار النافذة حول طاولة صغيرة حديثة. وبينما يدور الحديث سألاني فجأة إن كنت أذكر طاولة أخرى، طاولة كنتُ أنا وزوجها قد اشتريناها في الأيام التي كنا نتشارك فيها السكن.
وعادت بي الذاكرة إلى تلك الشقة التي غادرتها منذ سنوات، واحدة من بيوت كثيرة خرجت منها كما يخرج المرء من حلم لم يعد قادراً على البقاء فيه. يومها لم أحمل معي إلا ما كنت أرتديه تقريباً، إذ كنت مثقلة بالذنب والخجل إلى حد جعلني أعجز حتى عن المطالبة بما يخصني. فبقيت الطاولة في مكانها، وبقيت معها أشياء أخرى كثيرة. وكانت قطعة استثنائية حقاً: لوحاً خشبياً ضخماً قاتم اللون، محفور السطح بطريقة غريبة، لأن ذلك السطح لم يكن في الأصل إلا باباً لدير صيني قديم، ثُبّت فوق أرجل سميكة داكنة. وقد اشتريناها من متجر للتحف، على الأرجح ونحن نحلم بموائد عامرة وأمسيات طويلة حولها. ولا أكاد أذكر تلك الأمسيات نفسها، لكن صورة الطاولة لا تزال واضحة في ذاكرتي وضوحاً مدهشاً. وظلت في حيازة صديقي بعد رحيلي، وبقيت في الشقة نفسها حين دخلت زوجته حياته، كأنها شاهد صامت على زمن سبقها إلى المكان.
وكانت يومئذ شابة يغلب عليها ما يغلب على كثير من العشاق الجدد من رغبة في أن يبدأ كل شيء من عندهم هم، لا من عند من سبقهم. ولهذا أخذت تمحو، شيئاً فشيئاً، كل أثر يربطني بالبيت الذي صار بيتها. كان بعضها يسيراً لا يتجاوز غرضاً صغيراً أو صورة منسية، لكن بعضه الآخر كان أثقل من أن يُمحى بسهولة: أريكة كبيرة، وخزانة من الماهوغاني، وسريراً نحاسياً ضخماً احتاج نقله إلى رجال متخصصين. وكانت ترى في التخلص من تلك الأشياء حرية لم أمارسها أنا حين رحلت؛ فقد بدا لها أن من حق الراحل أن يأخذ معه عالمه المادي كله، وألا يترك خلفه آثاراً مرئية تُلزم غيره بالتعايش مع حضور لم يعد موجوداً. غير أن الطاولة كانت أعظم تلك الآثار وأثقلها شأناً؛ إذ تجاوز طولها عشرة أقدام، وقارب عرضها أربعة، وكانت من الضخامة بحيث بدا من المستحيل تقريباً تصور الكيفية التي صعدت بها أصلاً إلى الطابق الرابع عبر ذلك السلم الضيق.
ولما ضاقت بها أخيراً صورتها في البيت، التقطت لها صوراً وأعلنت عن بيعها. ولم تمض أيام حتى اتصلت بها فتاة شابة أبدت رغبتها في شرائها. فسألتها صديقتي مراراً إن كانت ستأتي بمن يساعدها على النقل، لأن الطاولة ليست شيئاً يمكن لرجل واحد أن يحمله، فما بالك بفتاة نحيلة. لكن الفتاة كانت تجيب في كل مرة بطمأنينة من لم ير الشيء بعينيه بعد، وتقول إن صديقها قد يحضر، وإن الأمور ستكون على ما يرام، وتطلب منها أن تكف عن القلق.
وجاء مساء التسليم، وكان زوج صديقتي مسافراً، فكانت وحدها؛ وكان الشتاء في أعتى برده. ولم يمضِ وقتٌ حتى هبّ ثلجٌ كثيف، وبحلول رنين الجرس كانت عاصفةٌ كاملة قد اشتدّت. فلما فتحت الباب ورأت الفتاة وحدها—وقد شُغل صديقها—استبدّ بها اليأس. وكانت الفتاة صغيرة الجسد، لا سيما بلباسٍ لا يلائم إخراج هذا الوحش الهائل من الطابق الرابع. وصادف أن مرّ رجلان في الشارع المغطّى بالثلج، فاستغاثت بهما، وفي الأثناء كانت الفتاة تضرب على هاتفها بأظافر مطلية، فجاء رجلٌ ثالث بعد قليل. وصعد الفريق السلم الملتف، فلم يكد الرجال الثلاثة يرفعون سطح الطاولة؛ وغدا واضحاً أن الجميع لا بدّ أن يشترك. فشمّرت صديقتي عن ساعديها، كقابلةٍ تستعدّ لولادةٍ عسيرة. وأخرجوا الطاولة إلى الردهة، غير أنها كانت أعظم من أن تنعطف مع زاوية السلم. ساعةً أو نحوها وهم يديرونها هنا وهناك بلا جدوى، والرجال يلهثون ويهزّون رؤوسهم قائلين إن الأمر لن يتم. وكانوا على وشك الإستسلام، ولكن كيف دخلت الطاولة أول مرة إن لم يمكن إخراجها؟ هذه الخاطرة—أنني خلّفت وراءي شيئاً تجذّر، شيئاً لا يُنتزع، ورماً في قلب البيت—أثارت في صديقتي جنوناً شبه كامل، فثبتت الرجال على العمل بقوة إرادتها. واقترح أحدهم أن يُنزلوها عمودياً عبر الفراغ بين درابزينات السلم. وكان الهبوط يقارب خمسين قدماً؛ فتكوّنت سلسلةٌ بشرية: فريقٌ في الأعلى يُنزِل، وآخر في الأسفل يتلقّى عند كل مستوى. وفي موضعٍ اتّسع الفراغ، فصعب القبض عليها، ولمحت صديقتي من بعيد أن إفلاتها قد يودي بحياة أحد. وكان الرجال يلهثون ويتصبّبون عرقاً، والفتاة الصغيرة واقفةً تردّد: «يا إلهي». أمّا صديقتي فلم تتراجع؛ كانت هذه معركة طردي من أرضها، وقد عزمت أن تكسبها. وبجهدٍ أخيرٍ مُضنٍ بلغوا بها إلى الأرض. ثم سارت—لاهثةً مبلّلة العرق—إلى الباب، وفتحته على ليلٍ ثلجيٍّ داكن. فحمل الرجال الطاولة إلى البياض، وتبعتهم الفتاة، وبقيت صديقتي في المدخل. وكانوا يتحدثون الآن كأصدقاء، وقد اتفقوا على شرابٍ في حانةٍ بعد إنهاء العمل. وظلّت تراقبهم وهم يبتعدون ببطء بحملهم الثقيل الداكن على الرصيف عبر الثلج، يخفُت حديثهم وضحكهم، وتبقى الصورة؛ صورةٌ تُذكّر بموكب جنازةٍ يُحمل فيه النعش، يحمل شهودنا الماديون خارج هذه الحياة على أكتافٍ قوية.
وخرجتُ إلى منطقة البحيرات أياماً في عطلة مشي. وعلى قمة سكافِل بايك، تحت شمسٍ صافية، رنّ هاتفي؛ كانت أختي تُخبرني أن إحدى بناتي أقامت حفلةً في الشقة في غيابي. حضر أكثر من مائة، واشتدّ الاضطراب حتى استُدعيت الشرطة. سألتُ عن مقدار الضرر، فكان صمتٌ طويل قبل الجواب.
وحين اتصلتُ بابنتي—ويدي ترتجفان غضباً حتى كدت أعجز عن إمساك الهاتف—وجدتني أكرّر عبارةً واحدة: «إنها مهزلة». أدركتُ بعد ذلك أنني كنت أحاول أن أعبّر عن ألم اكتشاف أن روايتي عن البيت قد سُخر منها ورُفضت—هكذا خُيّل إليّ. غير أنني لم أغفل أن العكس قد يكون صحيحاً أيضاً؛ فاستعمال الشيء—حتى بشكل خاطئ—لا يدلّ بالضرورة على ازدرائه، بل قد يدلّ على الإيمان به، الإيمان بواقع هذا الاختراع: البيت.
ولما عدتُ فتحت الباب متوقعةً رائحة كحولٍ ودخان، فإذا الذي يفاجئني عطرُ الزهور. كان يومٌ مشمس، وقد امتلأت الشقة بها: ورودٌ وسوسنٌ وزنابق ونرجس، تفيض من كل مزهريةٍ وإبريق. كانت ابنتي قد نظّفت المكان؛ والزهور اعتذارهما. وفي طريق العودة أخذت أتأمّل أنني ربما لن أشعر أبداً نحو البيت الذي صنعتُه بما ينبغي أن أشعر؛ فمع علمي بأن مائة مراهقٍ أقاموا فيه حفلةً صاخبة، فإن كوني لم أشهد ذلك أحدث في نفسي انفصالاً لا يُخترق، وشعوراً بالبعد دهشتُ إذ وجدت فيه قدراً من الراحة.
وضعتُ حقيبتي على الطاولة، وأخذتُ أشمّ الزهور واحدةً واحدة. ومشيتُ من غرفةٍ إلى غرفة، أتأمّل المكان كما لو كنت زائرة.
نُقل من كتاب Coventry: Essays للكاتبة Rachel Cusk
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.



