تأمّلات في الحياة المدمَّرة
فلاديمير نابوكوف في رائعته لوليتا، وأليخو كاربنتيير في عمله الخطوات الضائعة
لوليتا
«تأمّلات في الحياة المدمَّرة» هو العنوان الفرعي لكتاب «مينيم موراليا»، ذلك الأثر الذي خطّه تيودور أدورنو، الفيلسوف الألماني الجريح بفواجع عصره. وقد جمع في دفّتيه شذرات من خواطر حزينة متكسّرة، تنبض بالسخط والخذلان. وفي تلك الصفحات، يصف أدورنو استحالة أن يعيش المرء حياةً متأمّلة حقًّا في زمنٍ عصفت به الحروب، وأُقيمت فيه معسكرات الموت، وفي أمريكا الخارجة لتوّها من الحرب بنشوة النصر، حيث كان هو نفسه لاجئًا من بطش النازية.
يبدأ الكتاب بمديح بروست، ذلك الكاتب الفرنسي الأرستقراطي، الذي كان فنّه في نظر أدورنو صورة للحرّية الفردية الأصيلة، الحرية التي ما لبثت «صناعة الثقافة» الحديثة أن وأدتها، إذ رأى أدورنو أنّ هذه الصناعة –سواء خرجت من هوليوود أو برلين أو موسكو– لم تكن إلا مؤامرة على جوهر الثقافة، تحوّلها إلى بضاعة للتسلية، وتفسد الذوق العام، وتُسقِط من بين يديه القيم الإنسانية التي تُبقي المرء إنسانًا.
وكان أدورنو، المثقّف الألماني الناقم، يشنّع على موسيقى الجاز الهوليوودية التي حوّلوها إلى سلعة، وعلى التنجيم الذي صار لعبة تسويق، وعلى العالم الذي غدا مُشيَّأً (أي صارت الأشياء فيه مجرد سلع)، يخضع لإدارة السوق وإملاءات الربح. وينصح قرّاءه بأن الترياق الوحيد ضد هذا الزيف ليس الرجاء، بل يأسٌ كامل لا يُخفَّف. وكان يمكن للمرء أن يتخيله بطلًا في رواية لفلاديمير نابوكوف: لامعًا، متكبّرًا، ساخرًا، مفكرًا يتأرجح بين الجدّ والهزل، لكنه لا يفقد الشجاعة ولا الغاية. ولقد جمعه بنابوكوف قَدَر المنفى إلى أمريكا، والحدة في الطباع، لكن أدورنو لم يكن نابوكوف، إذ خلا من التعاطف الإنساني الذي يخلق مسافة بين الفيلسوف وبين الناس.
أما نابوكوف، فقد عاش قبل ذلك في برلين سنواتٍ طويلة، وكان يبدي عداءً صريحًا للثقافة الألمانية. ومع أنّه لم يكن حاضرًا في كتابات أدورنو النقدية، إلا أنّ الرجلين تشاركا لحظة تاريخية واحدة، ومأزقًا واحدًا، وحياةً مدمّرة قاسية.
حياة نابوكوف بدت في بدايتها نموذجًا للكمال. فأمّه، يلينا، كانت وريثة ثروة من مناجم الذهب، وأبوه –وكان يحمل اسمه– من عائلة روسية أرستقراطية قديمة، محامٍ مرموق، وسياسي ليبرالي في زمن القياصرة، وكان فوق ذلك عاشقًا للفراشات، يدرسها كهواية. نشأ الابن البكر في قصر بمدينة سانت بطرسبرغ، يقضي الصيف في ضياع مترامية الأطراف. وُلد عام 1899، مدلّلًا محبوبًا، فتعلم منذ الصغر ثلاث لغات: الروسية، والإنجليزية، والفرنسية، وبرع فيها حتى نشر ديوانه الأول في سن السادسة عشرة. وفي العام نفسه ورث من عمه ضيعة خاصة بجوار أملاك والديه.
ثم اندلعت الثورة الروسية، فانتُزعت منهم القصور والأراضي، واضطروا للفرار غربًا. التحق نابوكوف بجامعة كامبريدج في إنجلترا، بينما أسس والده صحيفة للمهاجرين الروس في برلين. وفي سنة 1922، قُتل الأب وهو يحاول أن يحمي أحد رفاقه السياسيين من رصاص الملكيين. هناك في برلين، بدأ نابوكوف مسيرته الأدبية تحت اسم مستعار «سيرين»، وأصدر روايته الأولى «ماري» سنة 1926، ولاقت تقديرًا، لكن جمهوره ظلّ ضيقًا، وكان يعاني في الوقت ذاته من أعباء المعيشة.
أما زوجته فيرا، فكانت يهودية، وحين صعد النازيون إلى السلطة، باتت الإقامة في ألمانيا خطرًا عليهم. فرحلوا إلى فرنسا، ثم في اللحظة الأخيرة من عام 1939، حصل نابوكوف على دعوة للهجرة إلى أمريكا. وهناك، في «العالم الجديد»، بدأ عذابه مع لغة أخرى، يحاول أن يكتب بها ليصنع لنفسه اسمًا جديدًا. ومع الجهد المضني، وجد عملًا باحثًا في الحشرات، ومدرّسًا في جامعات مثل وِليسلي وكورنيل، ونشر بعض الروايات بالإنجليزية.
ثم جاءت «لوليتا».
و«لوليتا» حكاية إغواء وخطف لفتاة أمريكية مراهقة على يد رجل أوروبي مهاجر في منتصف العمر. وهي في جوهرها وصف دقيق لاغتصاب قاصر. أكمل نابوكوف المخطوطة عام 1953، وأرسلها إلى ناشرين أمريكيين، فرفضوها جميعًا. وفي 1955، قبلتها دار «أوليمبيا بريس» في باريس، وهي دار اشتهرت بالأدب الإيروتيكي، فنشرت الرواية سرًّا. وسرعان ما أثارت ضجّة؛ فقد امتدحها بعض الكبار مثل غراهام غرين، ثم مُنعت في بريطانيا وحُظرت في فرنسا، فانضمّت إلى قائمة الكتب المحظورة ذات السمعة العالية، مثل «مدام بوفاري» و«عشيق الليدي تشاترلي». وفي 1958، تجرّأ ناشر أمريكي كبير هو «بوتنام» على طبعها، فتحولت إلى حدث أدبي هائل، وإلى واحد من أكثر الكتب مبيعًا في عصرها. وتُرجمت سريعًا إلى معظم لغات أوروبا، بينما كان من المستحيل أن ترى النور في روسيا السوفيتية.
أصبح نابوكوف في شيخوخته رجلًا ثريًّا حرًّا، يختار لنفسه مقامًا بين جبال الألب السويسرية، في فندق فاخر، حيث انغمس في دورٍ جديد صار يُعرف به في منتصف القرن: «سيّد القرن العشرين». ومن ذا الذي كان يصلح، بعد الحرب العظمى وما خلّفته من خراب، لأن يملأ هذا الدور الذي ارتسمت ملامحه في حقبة مضطربة سوى نابوكوف؟ ذاك الرجل القادم من روسيا القيصرية، الإمبراطورية الجريحة التي أنجبت الرواية الحديثة، وكشفت من خلال أدبها المأساة الجيوسياسية التي شطرت القرن العشرين نصفين. لقد بدا نابوكوف مرشّحًا مثاليًا لهذا الدور، فلما تقلّده، برع فيه غاية البراعة.
وفي عام 1973، جمع مقالاته النقدية في كتاب أسماه «آراء قويّة»، ليجعل منه ليس مجرد ناقد أدبي، بل شخصية فكرية تستمد مكانتها من قوة الجدل ونفاذ الرأي. في هذه الصفحات انقضّ على رموز الفكر الغربي الذين هيمنوا على العصر: هاجم فرويد ونظرياته النفسية، وانتقد ماركس وأحلامه الثورية، واستخف بالوجودية وادّعاءاتها، وصبّ على دوستويفسكي احتقارًا خاصًّا، إذ رأى أن أسلوبه واهٍ وفكره ساذج. وعلى الضد من ذلك، امتدح القلّة النادرة الذين عدّهم من أعلام العبقرية، مثل بروست وجويس وكافكا وأندريه بيليه، وكان ثناؤه عليهم شهادة على ذوقه الرفيع بقدر ما كان إقرارًا بنبوغهم.
أما في عالم الأدب نفسه، فقد صعد نابوكوف إلى مرتبة لا يضاهيه فيها أحد من الروّاد؛ إذ لم يكن كاتبًا يترك الجمل تتساقط عفوية، بل كان يحوكها حياكةً واعية، كصائغ يُنقّي الذهب من شوائبه. كانت ملاحظته حادة كحدّ السيف، وفكاهته لاذعة ممزوجة بالمرارة، واستعاراته براقة لا نظير لها. عيناه تلتقطان الألوان بدقة الرسّام، وأذنه ترعى تناغم الكلمات كما يرعى الموسيقي الإيقاع. هذه الثقافة الفريدة، الممزوجة بحساسية صارمة وعذوبة قاسية، أخرجت للعالم «لوليتا» عملًا أدبيًا متألّقًا، جمع بين جمال الصنعة وجاذبيةٍ شعبية نادرة، لا نجدها عند بروست أو جويس. على الرغم من عمقها، بقيت الرواية أمريكية الطابع، بل ازدادت «أمريكية» لأنها كُتبت بقلم مهاجر أوروبي، وكأن الغريب التقط روح البلاد أكثر من أبنائها. وقد ظهرت الرواية في لحظة كان خطر الهيمنة الثقافية الأمريكية يوازي خطر هيمنتها الاقتصادية والسياسية. وصار اسم «لوليتا» كلمةً دارجة، تشترك مع صورة مارلين مونرو في تمثيل البراءة الجريحة، تلك المفارقة التي تستفز القلق بقدر ما تثير الانجذاب.
ورغم إحكامها الفني، لم تخلُ «لوليتا» من قبح فادح. فالراوي –همبرت همبرت، وهو اسم مستعار لرجل أوروبي مهاجر– ليس سوى مغوٍ خاطف، يحمل جراحًا قديمة منذ مراهقته حين وقع في حب فتاة يافعة، فظلّ مشدودًا إلى الفتيات المراهقات اللواتي سمّاهن «حوريات». بعد زواج فاشل، وهجرة إلى أمريكا، وانهيار نفسي أدخله المصحّ، وصل إلى بلدة ريفية تُدعى «رامزديل» عازمًا على كتابة رواية. استأجر غرفة عند أرملة تُدعى شارلوت، لها ابنة مراهقة تُدعى لوليتا. انجذب إليها بجنون، بينما وجدت شارلوت نفسها مأخوذة به، ذلك الرجل الطويل الأسمر الوسيم. ومن أجل أن يقترب من الابنة، تزوج من الأم التي كان ينوي قتلها. ولمّا اكتشفت خطته، فرّت مذعورة، فدهستها سيارة مسرعة، وكأن الأقدار سهّلت عليه ما أراد. عندئذٍ صارت لوليتا بين يديه، فاستغل يتمها، وأوهمها بأنه وصيّها الشرعي. أخذها إلى موتيل ومارس معها الجنس، وبعد أن يوضح لها أنه أصبح وصيًا عليها بعد موت أمها طاف بها المدن الأمريكية في رحلة برّية، يعلّمها ويستمتع بعطفها القسري، حتى صارت تناديه «أبي». لكن الزمن أرهقها، وغيرة همبرت خانقة لها، فانسلّت في النهاية مع رجل أكبر سنًا، هو الكاتب المسرحي كويلتي الذي تحول إلى صانع أفلام إباحية. لم يرها همبرت ثانية إلا في السابعة عشرة، حين كتبت إليه أنها متزوجة من ميكانيكي يُدعى «ديك»، وأنها بحاجة إلى المال للهجرة إلى ألاسكا. أخبرته أيضًا عن كويلتي، فتتبعه همبرت وقتله بالرصاص. فكتب مذكّراته «لوليتا» في زنزانة انفرادية، ينتظر الإعدام، فجعلها دفاعًا عن نفسه واعترافًا وأغنية حب للأجيال. لكنه لم يدرِ –كما نعلم نحن منذ الصفحات الأولى– أن لوليتا نفسها قد ماتت أثناء الولادة.
ولذلك عدّ النقاد الكتاب فضيحة أدبية، وما زال يملك قدرة على إثارة الجدل حتى اليوم. فقد صرّح ناشر بريطاني بارز في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أنّه لو عُرضت عليه الرواية لما نشرها. ويبقى السؤال: لِمَ يثير الكتاب كل هذا؟ ليست القصة بذاتها جديدة؛ فهي قصة رجل عديم الضمير وامرأة مظلومة، وهي حبكة قديمة ظهرت منذ رواية «كلاريسا» لريتشاردسون في القرن الثامن عشر، ثم تكررت في «الحرف القرمزي» لهوثورن و«تِس» لهاردي. الجديد عند نابوكوف أنّه أعاد صياغة هذا النمط بأسلوب أخّاذ، فجعل القارئ مأخوذًا بلسان الراوي، رغم أنه مغتصب. ولهذا كان نابوكوف يزعم أحيانًا أنّ «لوليتا» كتاب أخلاقي، لأنه يفضح شرور رجل سيّء ويمسّك بيد فتاة مسكينة. لكنه كان يقول ذلك وهو يبتسم ابتسامة ساخرة. فالقراء الواعون يدركون أنّ الرواية في جوهرها حكاية يرويها الجاني، لكن بلغة آسرة تجعل الشرّ متلألئًا.
وهكذا، فإن «لوليتا» قصة عن همبرت المغتصب قبل أن تكون قصة عن لوليتا. إنّها تبرق كلما غمرها ذاك الشغف الممنوع الذي لا يُبرَّر. ففي مشهد مبكّر يكتب همبرت: «لقد غِصت في حرارة لاذعة ولكن صحية، كضباب الصيف يلتف حول الصغيرة هاز»، وهو جالس إلى جانب لوليتا على أريكة أمها شارلوت. كانت تأكل تفاحة، ثم تمدّ ساقيها على حجره، فيردد في نفسه: دعها تبقى، دعها تبقى. وبينما تحاول أن ترمي بقايا التفاحة في الموقد، كانت حركتها الطفولية كما يصفها –ساقاها العاريتان، جسدها الطري، مؤخرتها المستديرة– توقظ في داخله عذابًا خفيًا يتسع شيئًا فشيئًا. ثم يحدث له تحوّل غامض، فيدخل في حالٍ من النشوة، كأن العالم تلاشى ولم يبقَ إلا دفء داخلي يغمر كيانه. لحظة غريبة تجمع بين العذاب واللذة، تنتهي بشعورٍ بالأمان والطمأنينة لم يعرفهما في يقظته. ومع هذا الانخطاف، يشعر أن لوليتا محصورة في ذاتها، بعيدة عنه، كأنها شمس في سماء مشهد أخضر تضيئه أشجار الحور. وهناك، في ذاك العالم السريّ، تتركهما الأقدار وحيدين.
لكل قارئ بصير، يتبختر همبرت بما يراه من مؤهلات أدبية، كأنما يريد أن يقيس نفسه بمارسيل في قصته مع ألبيرتين، أو بليوبولد بلوم في حديثه عن مولي بلوم. هكذا يُخفي في ثنايا المشهد، وهو مشهد مشوب بالعار، ما يبرر به لنفسه. فهو يزعم أنّ لوليتا هي التي تستدعي الأحداث وتدفعها، كما كانت حواء حين مدت يدها إلى التفاحة الأولى. وهمبرت هذا لا يتورع أن يتلاعب بالفن الراقي والحكمة القديمة ليجعلها خادمةً لشهواته الدنيئة. والمقطع الذي نتحدث عنه – وهو أطول وأشد تفصيلًا مما نقتبس – مبهر في بنائه، إذ نرى فيه كلمة واحدة مثل "مشبّع" وقد أُلقيت على أشجار الحور فاهتزّت بذكاء بياني. همبرت هنا أشبه بعازف بارع يُخرج الألحان من آلته، لكنه يجعل الطفلة نفسها أداةً في يده، وهو ما يُظهر لنا كيف يمتزج في تكوينه المحموم حُمّى العاطفة مع برودة الدم، كأنما اجتمع فيه قلب ملتهب وعقل متحجر. وحين يقول: "شعرت بحالة من الأمان المطلق… لوليتا معزولة بأمان"، نلمح تلك التورية البارعة؛ إذ يجمع في لفظ "الأمان" بين الحماية الظاهرة التي يوهم بها نفسه، والعزلة الموحشة التي تُلقي بالفتاة في غربة عن ذاتها، بينما تظل شمس المشهد تلقي ضوءها على مواضع الخطيئة.
غير أن الكلمة الفاضحة للحقيقة هي: "الأمان". فهو لا يطلب إلا أن يكون في مأمن، ليسترسل في رغباته، بينما في أعماقه شوق آخر للنجاة من هذه الرغبات ذاتها. يريد أن يكون إنسانًا طبيعيًّا، ككل الناس، بريئًا من هذا العذاب الذي يسكنه.
والقراء الذين ينفرون من الكتاب يجدون أنفسهم في موقف مربك: كيف يواجهون رواية تجعلهم أسرى لمتعة قذرة؟ إنّ قصة لوليتا، في جوهرها، ليست إلا قصة همبرت، وقصة همبرت بدورها ليست إلا انعكاسًا لقلم نابوكوف نفسه. لم يُرد المؤلف أن يُقدّم كشفًا نفسيًا للشخصية فحسب، بل حاك القصة بكل براعته الفنية، حتى غدت براعتُه نفسها وصمةً تلطّخ هذا الخلق البذيء. ومن يقرأ الرواية يجد نفسه تائهًا بين فن المؤلف وفن شخصيته، بين تورطه الشخصي في القصة وبين سحر الكلمات التي تأسره. نقرأ قصة قذرة ومؤلمة، حيث فتاة عادية تُرفع إلى مرتبة التقديس على يد من دمّرها، وتُروى بكلمات فاتنة. وحين تتسلل لوليتا من حين إلى حين إلى ضوء النص، تظهر بوصفها البائسة المهجورة، تلك التي لو كتبت عن حياتها كما أخبرت همبرت، لما صدّقها أحد. لكن كلما برزت في النص، كلما ازداد جمال العمل إشعاعًا، رغم أنه جمال يولد من صميم التدمير. وهنا سرّ فضيحة الرواية، فهي تطمس الحدود بين الأخلاق والفن، وتضع القارئ بين مطرقة الضمير وسحر الجمال، في معركة قاسية هي عين متعة القراءة المؤلمة.
إن "لوليتا" تطرح سؤالًا لا مفر منه: كيف تُسحق البراءة تحت ثقل الرغبة؟ إنها ليست مجرد رواية عن شهوة فاسدة، بل هي رواية عن الألم اللامتناهي، حيث الطهارة تُقدّم قربانًا للرغبة المذنبة. فلا يخرج القارئ منها بطمأنينة، بل يُلقى به في عالم يختلط فيه الذنب بالبراءة، والدمار بالجمال. وهكذا تبقى "لوليتا" فجوةً مفتوحة بين الأخلاق والفن، بين الجمال والهلاك.
أما نابوكوف، وقد بلغ أرض أمريكا بعد نصف قرن من عمره، فقد واجه سؤالًا يشبه ما طرحته الكاتبة الإيطالية آنا بانتي في "أرتيميسيا"، وما طرحه أتشيبي في "الأشياء تتداعى": كيف يبدأ المرء؟ غير أن نابوكوف لم يسأل عن البداية فقط، بل كان سؤاله الأكبر: كيف يعود؟ كيف يسترجع الفردوس المفقود لطفولته؟ فكان أن بدأ "لوليتا" بتمتمة أشبه بثرثرة الطفل: "لو-لي-تا"، وكأنه ينطق اسمها أول مرة في براءة ما قبل الكلام. ومن هناك تنكشف لنا الحكاية الحزينة، مكتوبةً بأجمل الجمل وأرفع النثر، حيث يقول همبرت في موضع آخر: "يمكنك أن تثق دائمًا بالقاتل في أن يقدم لك أسلوبًا أدبيًا فاخرًا".
لكن في حقيقة الأمر، لا عودة إلى الوراء. ما يبقى أمامنا هو الحاضر الموحش، ذلك الامتداد العريض لأرض أمريكا، التي انقسمت مدنها كما انقسمت بطلة الرواية: نصفها طاهر ونصفها مدنس. وهنا، تحت وطأة الانحراف، تتحول الرغبة إلى إرادة قتل. والأعجب أن الرواية في ختامها ترتد إلى صدى دوستويفسكي، الكاتب الذي أبغضه نابوكوف. ففي "لوليتا" نجد شبهًا بفصل محذوف من رواية "الشياطين"، يروي حادثة اغتصاب شبيهة. كأن نابوكوف، وهو يكتب، يعترف في اللاوعي بعمق الخراب الروحي والسياسي الذي تنبأ به دوستويفسكي. فهل كان كل هذا إلا تذكيرًا ببراءة ضاعت، وسعادة أُهدرت، وفردوس لم يعد يُرجى له عودة؟
الخطوات الضائعة
وحين ننتقل إلى الخطوات الضائعة لأليخو كاربنتييه، نلتقي بطلًا يشبه همبرت همبرت شبهًا كبيرًا. صحيح أنّه ليس مغتصبًا للأطفال ولا قاتلًا متسلسلًا، لكنه رجل في منتصف العمر، يحمل سمات المثقف الذي أثقلته خيبات فكرية وجنسية. أسلوبه النثري متين باذخ، غير أنّه يكشف عن عقم إبداعي ينهش داخله. كان موسيقيًا في الماضي، ثم انصرف عن الألحان الرفيعة إلى كتابة أغاني الإعلانات، فيما تتكفل زوجته الممثلة بالإنفاق من خلال أدوارها في مسرحيات ميلودرامية رخيصة. أما هو، فيتعلّق بكبريائه عبر عشيقة تُدعى «موش» – أي «ذبابة» بالفرنسية، وفيها تورية على كلمة mooch بالإنجليزية التي تعني التطفّل – يحتقرها كما يحتقر نفسه لارتباطه بها.
حياته رحلة يائسة في مدينة غير مسماة، تبدو كأنها نيويورك وقد ازدحمت باللاجئين الأوروبيين بعد الحرب. تبدأ الرواية من وراء الكواليس، حيث يقف البطل في مسرح تعرض فيه زوجته تمثيلها، محاصرًا بمكان ضيق يلتهمه روتين الأيام الخاوية. والمفترض أن يكون الزمن وسيط خيال الموسيقي، فإذا به عند هذا الملحن زمنٌ قد نضب. عالمه، شأن عالم الآخرين، غريب عن الهوية والمعنى. يرزح في ملل ثقيل، يتساءل عن وجوده:
أصعد وأهبط على تلّ الأيام، والحجر ذاته فوق كتفي، مدفوعًا بزخم لحظات متقطعة، حتى إذا نفد الزخم ضاع كل شيء... وكان الهروب عبثًا، كمن يحاول إحياء بطولات الأبطال والقديسين. لقد وقعنا في شَرَك عصر «رجل الدبور»، ذاك الذي لا هوية له، يعيش بلا روح يبيعها للشيطان، بل لمحاسب أو لسائق عبيد.
وفي الشارع، على حين غفلة، يلتقي البطل أستاذه القديم في الموسيقى، شيخًا ثريًا يقترح عليه مهمة فريدة: أن يسافر إلى غابات الأمازون بحثًا عن آلة بدائية قد تكشف أصول الموسيقى. ولم لا؟ يتساءل البطل. عشيقته موش لا تبالي، وهو نفسه لا يجد ما يشغله. فإن لزم الأمر، يستطيع أن يشتري صفارة رخيصة من متجر أدوات ويخدع بها ذلك العجوز.
هنا تبدأ الخطوات الضائعة. رواية تتقاطع مع لوليتا في تشابكها مع زمنها، لكنها تعيدنا في أجوائها إلى عوالم سابقة كعالم آلة الزمن أو روايات جول فيرن. فالزمن والتاريخ عنصران جوهريان فيها: الراوي يسجّل رحلته ابتداءً من الرابع من يونيو، ويختمها في الثلاثين من ديسمبر. وبينهما يجد نفسه محاصرًا في فندقٍ بسبب انقلاب سياسي دموي، بائس بلا غاية، يشبه علاقته بموش. ثم يركب حافلة تجتاز جبال الأنديز الباردة نحو أراضٍ أكثر حرارة، فيلتقي امرأةً ميستيزا تدعى روزاريو، تثير إعجابه بعلمها بالنبات وقواه. ومعها يصل إلى نهر عظيم، حيث يجتمع رفاق متنوعون: مبشّر بين الهنود، وصياد ذهب يوناني يحمل نسخة من الأوديسة، وجامع نباتات، ورجل يُلقب بـ«الأديلانتادو» إشارة إلى المغامرين الأوائل، يخبرهم عن «الخطوات الضائعة» التي لا تُنال إلا حين ينخفض منسوب النهر. وهناك يمضي البطل، ومعه روزاريو بعدما صارت موش أثرًا من الماضي.
البطل في الخطوات الضائعة هو بطل كاربنتييه الدنيوي، المثقف المفرط في ثقافته، الساخر من نفسه، الغارق في أزمة منتصف العمر. إنها رحلة إلى ينابيع الوعي البشري بعيدًا عن شوائب المدينة، حيث لا مكان لمنتجات الحضارة. ورغم تقاطعها مع لوليتا، إلا أنها أشبه برحلة برية عبر تخوم غير مرئية، تنتمي إلى أدب المغامرات الكبرى: هاك فين، دون كيخوتي، الأوديسة. وفيها أيضًا روح السرياليين الذين هاموا في شوارع باريس زمن الحرب. أما عنوانها فقد استقاه كاربنتييه من أندريه بريتون في مقالاته الأولى، إذ كان يحمل معنى مضاعفًا: الضائع وغير الضائع معًا. وفي هذه الرواية يحاول كاربنتييه أن يرسم من خلاله معضلات حياته ومعضلات عصره بأسره.
كاربنتييه وُلد مع مطلع القرن، ونشأ متنقلًا بين كوبا وباريس. والدته الروسية موسيقية، وأبوه المهندس المعماري غاب قبل أن يبلغ سن الرشد. عانى التشتت والاعتقال في شبابه لمعارضته دكتاتور كوبا ماتشادو، فكتب روايته الأولى في السجن، ثم هرب إلى باريس حيث عمل في الإذاعة واقترب من أوساط السريالية، قبل أن يعود إلى العالم الجديد بعد اندلاع الحرب الثانية.
كتب دراسة عن الموسيقى الشعبية الكوبية، ورواية عن ثورة هاييتي مملكة هذا العالم، وافتتحها بمقدمة بيّن فيها ما أسماه «الواقع العجيب» الذي عُرف لاحقًا بالواقعية السحرية. وقد رأى أنّ هذا الواقع العجيب سمة أصيلة في العالم الجديد وأمريكا اللاتينية، يتشابك فيه الخيال مع روافد الثقافة الأصلية والآفريقية والكاثوليكية الباروكية. وجعل من هذا المزيج أداة لتجاوز السريالية الأوروبية، ليحمل أدبه طابعًا سياسيًا عميقًا، يصل إلى لبّ الأشياء، على خلاف الواقعية الاشتراكية التي ظلت – رغم مقصدها – سطحية باهتة.
ستغدو تلك «الواقعية العجيبة» التي أبدعها كاربنتييه، معروفةً فيما بعد في العالم كله باسم «الواقعية السحرية»، بفضل نجاح كتابه الخطوات الضائعة. كتابٌ لم يكن مجرّد رواية، بل تمرين في هذا الفن الجديد، ودفاعٌ صريح عن فكرته. فيه رسالة واسعة الأفق: عن العالم القديم والجديد، عن الإنسان بعد الحرب الكبرى، وعن دور الفن في إعادة صياغة المصير.
الكتاب موسيقيّ في جوهره، أوبراليّ في صوته، يجعل من الموسيقى استعارة كبرى لسؤال وجودي: كيف يمكن للفن أن يُعين البشرية على النهوض بعد أن داستها آلة الحرب؟
في أحد المقاطع نرى الراوي يصغي عبر راديو متقطع في ليل الأنديز إلى السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، قمة التراث الكلاسيكي الغربي. وإذا بالموسيقى تعيده إلى ذكريات أبيه، عازف البوق الذي فرّ من أوروبا إلى أمريكا هربًا من التجنيد في الحرب الأولى، ليقضي عمرًا كئيبًا في متجر موسيقي خاسر، مستحضرًا إيمان أوروبا ذات يوم بالتقدم الذي لا ينتهي، وبالاشتراكية، وبالعمال الذين يملأون المكتبات العامة في فراغهم، ويقضون أجازة الأحد مع أسرهم يستمعون إلى السيمفونية التاسعة.
لكن الموسيقى لا توقظ صورة الأب وحده، بل توقظ في قلبه أيضًا ملامح الأم اللاتينية، وطفولته الكاريبية، والخيالات التي كان يسرح فيها وهو يسمع عزفها على البيانو. غير أنّ الأحدث في ذاكرته يعود إلى الحرب الأخيرة حين كان مترجمًا عسكريًا. وفي تلك اللحظة، مع اندفاع الحركة الأخيرة من السيمفونية، تتفجر الألحان مهلهلة، ممزقة، كأنها «سيمفونية في أنقاض». وعلى وقعها يتذكر ليلة في ألمانيا المنهزمة، داخل معسكر نازي تحوّل إلى معتقل لأسرى الحرب. هناك سمع الجنود الألمان يرفعون أصواتهم جميعًا بالغناء، بينما المداخن التي كانت تصرخ باليديشية بالأمس ما زال دخانها عالقًا في الأفق. تعالت أصواتهم مع الجوقة في لحظة استحضرت كلمة شيلر الخالدة: «فريود» – الفرح – الكلمة التي تختم السيمفونية في نغمات مبهجة.
وهكذا ينتهي تقليد الغرب الكلاسيكي الذي وعد يومًا بمستقبل مشرق، إلى سخرية القرن العشرين، قرن الانهيار والدمار. يظهر الراوي ساخرًا في مطلع الرواية، غير أنّ سخريته تتحول في النهاية إلى جواب مرّ عن واقع مُحطم. فهل تملك الموسيقى حقًا قوة تنقلنا إلى ما وراء هذا الخراب؟ هل تستطيع أن تجدد الإحساس بالوجود؟ ذلك هو السؤال الذي يرافق الراوي وهو يعبر مع روزاريو والأديلانتادو الممرّ السري في قلب القارة المكتشفة من جديد.
الأديلانتادو يحلم بإنشاء مجتمع نموذجي، بينما الراوي يصف رحلته بأنها «سيمفونية تُقرأ من آخرها إلى أولها، عودة إلى مقاييس الخلق». حتى يبلغوا السافانا العظمى، حيث عالم يسبق الإنسان، عالم اليوم الرابع من التكوين، ولا شيء بعده سوى وحدة الخالق المهيبة.
وهناك، تتجلّى الكلمة وقد صارت أكثر من مجرد لفظ؛ تصير روحًا تتجسد في الجسد، تخرج من الحلق والبطن في آن: الأولى عميقة كحمم باطنية، والأخرى باريتونية غاضبة، تتناوبان وتتجاوبان حتى تصيران صرخة تهزّ الوجدان. صرخة لا هي لغة ولا غناء، بل ولادة للموسيقى نفسها، ولادة أولى على جثة يحيط بها صمت الكلاب.
لقد شهدت للتو ولادة الموسيقى.
هكذا تتجسد الموسيقى لا كأداة للتواصل فحسب، بل كإمكانية خالصة للاستمرار في عالم مدمّر، عالم لم تلتهمه حروب القرن العشرين وحدها، بل الخراب الكامن في بداية التاريخ وإلى الأبد.
وماذا بعد؟ تتهاوى حبكة الخطوات الضائعة في سقوطٍ مباغت، يجرّنا بقوة إلى العالم الحديث، كأننا انزلقنا على منحدر خفي. فإذا بنا في قلب مفارقة مدهشة: هناك، في أقصى الخلفية، ينشغل "الأديانتادو" ببناء يوتوبياه الريفية، بينما يخيّل للراوي أنّ السعادة تكمن في الاستقرار مع روزاريو، مثلما تخيّل السيد بلاندينغ ذات يوم. غير أنّ لعنة الفن تطارده من جديد، تلك الحشرة التي لدغته منذ البدء، فلا تترك له مهربًا. وحين تحطّ الطائرة التي طال انتظارها، يختار الرحيل، فما زال في حاجة إلى ورق موسيقى. في الشمال تترصّد الفضيحة والطلاق، وعندما يعود ليبحث عن الممر الخفي، يكون النهر قد ارتفع، قد ابتلع كل أثر. وهكذا، يكتشف القارئ أنّ العودة وهم، وأن النهاية محكومة بسخرية القدر، كما لو أنّ القصة نفسها تسخر من البطل ومنّا.
تتردّد المفارقة القصوى، وما يتبعها من يأس، في فضاء الرواية كأنها طرقات متكرّرة على باب مغلق. ومع ذلك، يبقى الخطر بعيدًا، يتفلّت دائمًا في اللحظة الأخيرة. كانت الأغنية الأولى نشيدَ حداد، ميلادَ فنٍّ ينظّم الحزن ويهذّبه، يمنحنا القدرة على الإفصاح عنه ثم تجاوزه. غير أنّ ثمّة عالمًا آخر يقف على الضفّة الأخرى: عالم الأديانتادو. يصرّح الراوي متحدّيًا: «من يزعم أنّ الإنسان لا يفلت من عصره مخطئ». لكنه يستدرك قائلًا: «أما أنا، فلست من هؤلاء، لأنّ العِرق الوحيد الذي قد ينجو من قبضة الزمن هو عِرق الفنّانين. عليهم أن يسبقوا شهادات الأمس الملموسة، ويطاردوا أصداء الذين لم يولدوا بعد، يخلّفون وراءهم شهادات جديدة، وهم واعون بما أنجزه هذا العالم حتى اللحظة».
إنّه إقرار عظيم، لكنّه في الوقت ذاته غامض، يثير الريبة كما يثير الدهشة. يشبه بطل كاربنتييه: متعاليًا بنبرته، لكن هشًّا في جوهره. ثمّة عالم آخر، أجل، عالم متاح لكل من يملك الإرادة، غير أنّ الفنان وحده عاجز عن بلوغه. يشبه الأمر ما نراه عند نابوكوف؛ حيث الانقسام بين الفن والحياة يبدو قاطعًا، لا يُرأب صدعه. فالتاريخ يتقدّم بفضل أشخاص مثل روزاريو، أولئك الذين «لا يعرفون شيئًا عن التاريخ»، فيما يقف الفنان عند قبره، ينوح ويحتفل في آن واحد.
يشترك نابوكوف وكاربنتييه في شعورٍ متناقضٍ متخمٍ بالفخامة تجاه ما يصنعانه ككتّاب. كلاهما يرى في الرواية ساحةَ دفاع باهرة، يقف فيها الفنّ وحده في وجه هجوم العالم. يعلن الراوي في «الخطوات الضائعة»: «إن دعوتي كانت تلك الموسيقى التي لم تكتمل بعد». وإن بدا هذا التصريح أقل اكتمالًا من اعترافات هامبرت هامبرت، فإن كتاب كاربنتييه، بانحرافاته وإشاراته وبذخه الباروكي، يقف مثل «لوليتا» نفسها: عمل مسرف في فخامته، يكاد يتعمّد الوقاحة. فكلّ كتابٍ من كتبهما خُطّ كعرضٍ قويّ مبهر، لكنه في الوقت ذاته يزرع الشك في قلب قارئه. رحلاته السردية محلّقة، لكنّها دائمًا مصحوبة بشعور بالخداع، ورُواته غير جديرين بالثقة، حتى حين يكشفون بجلاء عن مواهب مؤلفيهم.
هذه الروايات أشبه بعروض ذاتية متطلعة إلى الماضي، تُلقي بظلالها على أسماء عظيمة مثل بروست وجويس وبريتون، محاولة أن تضاهيها إن لم تتجاوزها. إنّها نصوص نابضة بالحياة، متوهجة، لا يمكن فصل سحرها عن عتمتها؛ مفرطة جوهريًّا، لا تعبأ بأسئلة الذوق السليم ولا بمسألة وجهة النظر.
يقارن كاربنتييه بين أوشفيتز وبيتهوفن؛ بينما يضع نابوكوف الجمال الطبيعي للغرب الأمريكي في مواجهة التمدّد التجاري المقيت الذي جاءت به الطرق السريعة، كاشفًا عن الوحش الأخلاقي المتربّص خلف عجلة القيادة السردية. هذه النصوص تجرؤ على التشكيك في فكرة المقياس ذاتها؛ تسخر من نفسها بقدر ما تُلهم، تقلّد بذكاء الرواية الصوتية التي عرفناها لأول مرة في «اللا أخلاقي» لأندريه جيد، لكنها تعود لتستعيد صوتًا غير موثوق به بعمق، صوتًا أقرب إلى «رجل القبو» عند دوستويفسكي. هكذا تبتكر هذه الروايات نفسها داخل تقليد أدبي، حتى وهي تتمرّد عليه، متشققة الأصوات بقدر ما ترتفع نحو آفاق جديدة. ولهذا ميّزت نفسها بين معاصريها، وما زالت مميزة حتى يومنا هذا. وإذا جاز القول بوجود «رواية أمريكية عظيمة» بعد الحرب العالمية الثانية، فإن «لوليتا» هي الأحق بهذا اللقب.
وفي شهادته عن «الازدهار» في أدب أمريكا اللاتينية، يحكي خوسيه دونوسو عن صديقٍ عاد من رحلة وقد التهم «خطوات كاربنتييه الضائعة» دفعة واحدة، مستطيعًا لأول مرة أن يرى ما وراء حاجز البساطة والواقعية، متحرّرًا من وهمهما كقدرٍ وحيدٍ للأدب. كلا الكتابين – «لوليتا» و*«الخطوات الضائعة»* – يلمعان بلمعانٍ مثير للقلق، منغمسين في عالميتهما، متّسقين مع روح عصرهما. «لوليتا» خاصةً، امتلكت بريقًا بوبّيًّا كأنها كُتبت للسينما، جاهزة للتحويل إلى فيلم، تمامًا كما جرت المحاولة مع «الخطوات الضائعة»، حتى وإن لم يُكتب للمشروع أن يرى النور، رغم ما قيل عن مشاركة آفا غاردنر وجينا لولوبريجيدا فيه.
لكن خلف كل ذلك، يتسرّب ظلام كثيف، ظلامٌ مشبع بإحساس الفقدان: فقدان البراءة، والتواطؤ في هذا الفقدان ذاته. وهذا ما يجعل هذين العملين ليسا فقط أبناء ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل أيضًا أبناء العصر النووي. لقد صوّر ويلز «الحرب العظمى» بأنها الحرب التي ستُنهي كل الحروب، وظنّ أوبنهايمر – ولو لبرهة – أن رعب قنابل هيروشيما وناغازاكي سيجبر البشر على حفظ السلام. وبالفعل، تحقق شيء من ذلك، إذ أعقب الحربَ العالمية الثانية عهدٌ جديد هو الحرب الباردة. وفي هذا السياق، اتّخذ نابوكوف وكاربنتييه موقفين متباعدين إلى حدّ التناقض: كان نابوكوف خصمًا شرسًا للشيوعية، مؤيّدًا لهيمنة الإمبراطورية الأمريكية، على الرغم من أنّه اختار في نهاية المطاف أن يقضي أيامه الأخيرة في سويسرا المحايدة. أما أدبه – وعلى رأسه «لوليتا» – فقد ابتعد عن السياسة كلّها، ليصوغ الفن كملاذ سحري، وإن كان إصراره العنيف على هذا الملاذ يثير تساؤلات مؤلمة. ففي عالمه، لا عزاء ولا خلاص، سوى في نسيج الرواية ولونها وإيقاعها. كتبه كالفراشات التي طاردها نابوكوف نفسه بشبكته، مُلتقطًا صورًا لها ولذاته.
وفي السنوات عينها، برز كاربنتييه مناصرًا متحمّسًا للثورة الكوبية، حتى صار سفير كاسترو في فرنسا سنة 1966، ليقضي بقية حياته في باريس بعيدًا عن الانضباط الثوري. وهذا المآل ينسجم مع خاتمة «الخطوات الضائعة»: حيث يسلك الفنان مسارًا، ورجل العمل مسارًا آخر، وكأن الانقسام بين الفن والحياة ندبة لا تلتئم.
هنا يتردّد السؤال الأبدي: ما العمل؟ السؤال ذاته الذي يطارد الرواية عبر العصور. إنه السؤال الذي طرحه نابوكوف في روايته الروسية «الهبة»، من خلال سيرة تشيرنيشيفسكي، ذاك الرجل الذي بالغ في نزاهته إلى حدٍّ جعله ساذجًا، بريئًا إلى درجةٍ يائسة لا تُغتفر. أما كاربنتييه، فقد أعقب «الخطوات الضائعة» برواية تاريخية فانتازية مفرطة حول الحقيقة التاريخية، هي «عصر التنوير» (المعروفة بترجمتها «انفجار في الكاتدرائية»). رواية عن الثورة الفرنسية، ذلك الفصل الدموي الافتتاحي لعصر السياسة الحديثة. يروي الكتاب كيف عبرت الثورة إلى الكاريبي: أولًا محرِّرة للعبيد، ثم عائدة بعد سنوات قليلة لتستعبدهم مجددًا.
وفي قلب هذا النص، نلقى شقيقين يتيمين، مفعمين بالحياة والفضول، كأنهما صورة مُصغّرة لعائلة الإنسان كلّها، تلك التي احتفى بها إدوارد ستيتشن في معرضه الشهير زمن الحرب الباردة. يتسرب دخان التاريخ حولهما، ثم ينقشع، لكنه لا يرحمهما من دمارٍ محتوم. منذ اللحظة الأولى، يرسم الكتاب صورة القدر التي لا فكاك منها: سفينة تشقّ طريقها من العالم القديم إلى العالم الجديد، تحمل بشارة ثورية لإنسانية حرّة ومتجددة. وعلى مقدمتها، في صورة رمزية فاضحة، تقف أداة العدالة ذاتها: سقالة المشانق ونصل المقصلة المعلّق، إشارة صريحة إلى أن ما ينتظر العالم ليس إلا دمًا جديدًا.
نُقل بتصرف من stranger than fiction
إذا أردت أن تُدّعم المحتوى الثقافي المقّدم لك بثمن كوب قهوة فهذا يسرنا كثيراً، فقط اضغط على الزر التالي



