أنا جزء من اللانهاية
عن دين آينشتاين الكوني !
حين كان الناس يسألون العالم الشهير ألبرت آينشتاين عن رأيه في الدين، لم يكن يقدّم لهم إجابة مباشرة. بل كان يردّ بعبارة غامضة، فيقول: «أنا أؤمن بإله سبينوزا». وقد قالها ذات مرة لحاخام يهودي من نيويورك عام 1929. ومنذ تلك اللحظة، لم يتوقف الجدل حول ما يقصده بهذه العبارة، وظلّ معناها موضع غموض ونقاش حتى يومنا هذا.
وقد حاول الطبيب والباحث كيران فوكس، من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، أن يُقدّم تفسيرًا جديدًا لهذا الموقف من خلال كتاب ألّفه بعنوان "أنا جزء من اللانهاية". وفي هذا الكتاب، يرى فوكس أن الناس أساؤوا فهم موقف آينشتاين الديني. وهو يعتقد أن آينشتاين لم يكن يهدف إلى الإيمان بدين تقليدي، بل كان يحلم بتأسيس "دين كوني"، أي نوع من الإيمان يرى الإنسان لا ككائن صغير محدود، بل كجزء من الوجود اللامحدود، أو كما سماه: "تجسيد للانهاية". ويزعم فوكس أن سبينوزا، الفيلسوف الهولندي الذي عاش في القرن السابع عشر، كان من أوائل من مهّدوا لهذه الرؤية التي تمزج بين العقل والإيمان، وبين الطبيعة والرب.
ومع أن هذا الطرح جريء، إلا أن الكاتب الذي استعرض الكتاب يشكّك في كثير من ادعاءاته، ويلاحظ أن فوكس — رغم كثرة الاقتباسات في كتابه — لم يُقدّم خلفيات تاريخية كافية أو معلومات شخصية دقيقة.
فمثلًا، يقول فوكس إن "كاردينال بوسطن الحائر" شعر أن دين آينشتاين يخفي إلحادًا في طيّاته، أي أنه مجرّد غطاء لرفض الإيمان بالله. ولكن الحقيقة التاريخية أكثر وضوحًا من ذلك: ففي أبريل من عام 1929، وجّه الكاردينال ويليام أوكونيل هجومًا صريحًا على نظرية النسبية التي وضعها آينشتاين، وكتب يقول إن "شبح الإلحاد المرعب يختبئ تحت عباءة نظرية آينشتاين". وقد سبّب هذا التصريح قلقًا عند الحاخام اليهودي هربرت جولدستاين، فأرسل برقية إلى آينشتاين في ألمانيا يسأله فيها مباشرة: هل تؤمن بالله؟ وكان رد آينشتاين بالألمانية، واضحًا وموجزًا: "أؤمن بإله سبينوزا، الذي يكشف عن نفسه في انسجام الكون ونظامه الدقيق، لا بإلهٍ يهتم بشؤون البشر ويغيّر مجرى الأمور استجابة للدعاء".
أما الفيلسوف سبينوزا، فكان يؤمن بأن كل ما في الكون نابع من جوهر واحد، هو الله، وأن الطبيعة ليست سوى مظهر من مظاهر هذا الجوهر. وهذه النظرة تُعرف بالفلسفة "الأُحادية"، لأنها ترى أن الله والعالم شيء واحد، لا شيئين منفصلين. ومن هذه الفكرة جاءت عبارة "وحدة الوجود"، أي أن كل ما هو موجود هو جزء من الإله أو تجلٍّ له. لكنها فكرة معقدة، لأنها تطرح تساؤلات: إذا كان كل شيء واحدًا، فلماذا نرى أشياء كثيرة متفرقة؟ وهل خُلق هذا الكون عن وعي ولهدف محدد؟ وقد حاول فلاسفة عديدون الإجابة عن هذه الأسئلة، مثل الفيلسوف الهندي آدي شانكارا في القرن الثامن، والفيلسوف الألماني شوبنهاور في القرن التاسع عشر، وكلٌّ منهم قدّم تفسيرًا خاصًا لوحدة الوجود. لكن كيران فوكس لا يفرّق بين هذه التفسيرات، بل يجمعها كلها في خط واحد، ويزعم أن آينشتاين كان الوريث الحقيقي لهذا التراث، لأنه رأى أن عقل الإنسان ليس غريبًا عن الكون، بل هو جزء منه، بل يعبّر عن اللامحدود ذاته.
وقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" نص الرسالة التي أرسلها آينشتاين إلى الحاخام جولدستاين بتاريخ 25 أبريل 1929. ثم طلب الناس منه أن يُفصّل موقفه، فكتب مقالًا نشرته مجلة "التايمز" الأسبوعية في 9 نوفمبر 1930، أوضح فيه أنه لا يؤمن بإلهٍ شخصي، أي بإلهٍ يتدخّل في حياة البشر اليومية، ولا يؤمن بوجود روح منفصلة عن الجسد. وشرح كيف بدأ الدين عند البشر بالخوف، ثم تطوّر إلى دين أخلاقي، ثم جاء نوع ثالث من الإحساس الديني، وهو ما سمّاه "الشعور الديني الكوني"، أي أن يشعر الإنسان بأن الكون كلّه كيان واحد له معنى، وأنه ليس عبثًا. وبعد أسبوع، نشرت المجلة ندوة بعنوان "الدين الكوني للأستاذ آينشتاين"، شارك فيها ثمانية قساوسة، أي رجال دين مسيحيين. وقد وجد معظمهم في أفكاره ما يدعو للتفكير، حتى لو لم يتفقوا معه بالكامل. وفي العام التالي، جُمعت أفكار آينشتاين في كتيّب صغير عنوانه "الدين الكوني".
لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه الكاتب هو: هل هذه الفكرة حقًا كانت من آينشتاين؟ أم أنها مجرد تأويل صحفي بالغ في تفسير كلامه؟ ولماذا يصرّ كيران فوكس على أنها تمثّل الموقف الحقيقي للعالم الكبير؟ إن أهم مصدر اعتمد عليه فوكس هو كتاب ألّفه رجل يُدعى ويليام هيرمانز، زار آينشتاين أربع مرات بين عامَي 1930 و1954، وكان يسعى في كل زيارة لإقناعه بدعم مشروعات إنسانية. لكن هيرمانز لم ينشر أي شيء عن تلك اللقاءات إلا بعد وفاته، عام 1983، في كتابه "آينشتاين والشاعر: بحثًا عن الإنسان الكوني". ومع أن فوكس يقتبس منه كثيرًا، إلا أنه لا يناقش مسألة أساسية: هل هذا المصدر موثوق فعلًا؟ وهل يمكن أن نبني عليه فكرة "الدين الكوني" كلّها، دون تمحيص؟
يُروى أن ويليام هيرمانز، الذي كان من المصادر التي استند إليها كيران فوكس، كان في شبابه عضوًا في جمعية ألمانية تهتم بالأفكار الغريبة مثل "العلوم الغامضة"، وهي تلك التي تدّعي فهم أسرار الكون بطريقة خارجة عن نطاق العلم المعروف، كالعلاج بالإيمان. وكان يؤمن أن الإنسان قادر على الشفاء بقوة اليقين الداخلي وحده، دون دواء.
ويذكر هيرمانز أن آينشتاين قال له ذات يوم في عام 1930: «علينا أن نؤسس دينًا كونيًا... يجب أن نُبدّل قلب الإنسان. وإن حدث لي أمر سيئ، أرجوك أن تُكمل الطريق من بعدي». وقد بلغ به الإعجاب حدًّا أن لقّب نفسه بـ"المبشّر الكوني" لآينشتاين. وكان يُحاول إقناعه بأن المادة التي نراها حولنا مجرد وهم، وأن بعض الرهبان من التيبت – وهم رجال دين بوذيون يعيشون في الجبال – يملكون قدرات خارقة، كعبور الجدران لا بمعنى مجازي، بل فعلي. وكان كلما زار آينشتاين أحضر معه قصائد كتبها بنفسه، على أمل أن تحظى بإعجابه.
وأحسب – من وجهة نظر شخصية – أن آينشتاين قد رأى في هيرمانز إنسانًا صادقًا في بحثه عن الحقيقة، وأنه قدّر اهتمامه بالقضايا الإنسانية، وربما مجاملاته الأدبية، لكنه على الأرجح لم يعتبره مرجعًا جادًا في قضايا الفكر العميق. إلا أن كيران فوكس رأى الأمر على نحو مختلف، فبنى على أقوال هيرمانز جزءًا كبيرًا من حجته، وجعلها نقطة محورية في كتابه. وقد يروق كتابه هذا لأولئك الذين ينجذبون إلى الأفكار الروحية العامة، لكنه في الواقع لا يضيف الكثير إلى ما قيل سابقًا عن آينشتاين.
ومن يرغب في قراءة سيرة علمية دقيقة ومختصرة عن آينشتاين، فالأجدر به أن يعود إلى كتاب «إبداعات العقل البشري الحرة»، الذي كتبته ديانا كورموس بوشوالد، وهي المسؤولة عن مشروع جمع أوراق آينشتاين، وشارَكها في تأليفه مايكل دي غوردين، أستاذ التاريخ في جامعة برينستون، والذي ألّف كذلك كتابًا كاملًا عن فترة حياة آينشتاين في مدينة براغ. ورغم أن الكتاب لا يتجاوز مئة صفحة، فإنه يقدّم عرضًا موثوقًا ومبسطًا لحياة آينشتاين وأفكاره. يبدأ باستعراض لأهم محطات حياته، دون أن يلتزم بالتسلسل الزمني الصارم، ثم يخصّص فصلين لنظرية النسبية ونظرية الكم، ويتبع ذلك ثلاثة فصول تناقش مواقفه من الهوية والانتماء والعرق، ثم رؤيته للسلام، وأخيرًا تصوره للعلم. أما الدين، فلم يكن يحتل حيّزًا كبيرًا في كتاباته، لأنه لم يتطرق إليه إلا عندما ألحّ عليه الناس بالسؤال، وكان جوابه دائمًا واحدًا: كان يقصد بكلمة "الله" الإشارة إلى النظام الدقيق الذي يسير عليه الكون، وإلى إحساسه العميق بجمال هذا التناسق وانسجامه.
كان آينشتاين من أوائل من أسهموا في تطوير نظرية الكم، إذ اكتشف عام 1905 أن الضوء يمكن أن يُنظر إليه على أنه يتكوّن من جُسيمات صغيرة، وليس موجات فقط. إلا أن النظرية تطورت لاحقًا إلى رؤية تعتمد على الاحتمالات، حيث لا يمكن التنبؤ الكامل بسلوك الجسيمات الدقيقة، وهو ما جعله في خلاف دائم مع بعض زملائه مثل نيلز بور، الذين رأوا أن وعي الإنسان قد يكون مرتبطًا بالواقع نفسه، أي أن طريقة إدراكنا للشيء قد تُغيّر من حقيقته.
لكن آينشتاين كان يرفض هذا الرأي. كان يعتقد بوجود "واقع مستقل"، أي أن العالم الخارجي موجود بذاته، سواء أدركناه أم لا، وأنه يمكن الوصول إليه عن طريق العقل والتجربة. لهذا السبب، لم يقبل بما قاله الفيلسوف الألماني شوبنهاور، الذي رأى أن العلم لا يستطيع الوصول إلى جوهر الأشياء، بل يكتفي بوصف مظاهرها. ومع أن آينشتاين لم يتبنَّ فلسفة شوبنهاور بالكامل، إلا أن تحليله لطريقة إدراك البشر للكون كعالم مليء بأشياء منفصلة ومتميزة ترك أثرًا واضحًا فيه.
وقد ردّ آينشتاين على ذلك بمفهوم أسماه "القابلية للفصل"، أي أن الأشياء التي تقع في أماكن مختلفة من العالم يمكن اعتبارها كيانات منفصلة لا تؤثر في بعضها. ومن خلال هذا المبدأ، وجّه انتقاده الشهير لنظرية الكم، لأنها تقول إن الجسيمات الدقيقة قد تؤثر في بعضها، حتى إن كانت متباعدة، وكأن بينهما ارتباطًا خفيًّا. وهذا ما يُعرف اليوم بـ"التشابك الكمي"، وهو ظاهرة تقول إن الجزيئات يمكن أن تبقى مترابطة بطريقة ما، حتى وإن فصلت بينهما مسافات شاسعة.
ورغم أن آينشتاين كان معارضًا لهذا المفهوم، إلا أن العلم الحديث اعتبر أن اعتراضه لم يكن في محلّه. بل إن ظاهرة التشابك أصبحت من أهم الركائز التي تقوم عليها "الحوسبة الكمية"، وهي تقنية جديدة في عالم الحاسوب تعتمد على سلوك الجزيئات الدقيقة. كما أن بعض علماء الفيزياء اليوم يرون في هذا المفهوم تأييدًا جديدًا لفكرة "وحدة الوجود"، أي أن الكون كله قد يكون مترابطًا بطريقة عميقة، ولو لم نفهمها بعد.
وقد تطرّق المؤلفان إلى هذه النقاشات بإيجاز شديد، ولعل ذلك راجع إلى ضرورة فرضها ضيق عدد الصفحات. وهذا أمر يدعو للأسف، نظرًا لما يتمتع به كلٌّ من السيدة بوشوالد والسيد غوردين من معرفة دقيقة بتاريخ آينشتاين وفلسفة العلم. ومع ذلك، فإن ما قدّماه عن الخلافات الفكرية بين آينشتاين ونيلز بور يظل ذا قيمة، حتى وإن لم يُعرض بتفصيل وافٍ. فقد أصبحت هذه المناظرات، التي دارت بينهما خلال سلسلة من اللقاءات العلمية المكثفة، من الروايات الشهيرة المتداولة في الأوساط الأكاديمية. ويُقال إن بور كان يردُّ على التجارب الذهنية التي كان آينشتاين يطرحها – وهي تجارب تخيلية يستخدمها الفلاسفة والعلماء لاختبار صحة الأفكار – بردودٍ حاسمة.
لكن المؤلفين يلفتان الانتباه إلى نقطة مهمة، إذ يذكران أن ما نُقل عن هذا النقاش لا يخلو من المبالغة، بل إن الرواية التي يعرفها الناس اليوم ربما تكون قد شُكّلت لاحقًا بطريقة فيها قدر من التهويل. يقولان: "هذا النقاش بين آينشتاين وبور ليس إلا حكاية متخيلة إلى حد كبير"، مؤكدَين أن وراءه سردًا لاحقًا أضفى على الأمر من الدراما أكثر مما وقع في الحقيقة، وأن بور ومعاونيه هم من رسموا هذه الصورة المبالغ فيها، وأعطوها حجمًا يفوق واقعها.
لم تكن لآينشتاين، في حياته العلمية والفكرية، تلك الهالة التي أحاطت ببور. لم يكن له تلاميذ مخلصون يجتمعون حوله كما يجتمع الأتباع حول شيخ روحي أو زعيم فكري. لم يؤسّس مدرسة فكرية، ولم يُعرف عنه أن التفّ حوله طلاب يحملون آراءه ويواصلون طريقه. على النقيض من ذلك، كان بور في نظر من حوله بمثابة "المعلم الكبير"، إذ كان إذا قال قولا أُخذ على أنه حقيقة، وإذا أبدى رأيًا عُدَّ كأنه لا يُرد. ولهذا السبب، أصبح تفسيره الخاص لنظرية الكم – والذي يُعرف باسم "تفسير كوبنهاغن"، نسبة إلى المدينة التي كان يعمل فيها – هو الرأي الغالب والمعتمد في الأوساط العلمية، كما أصبحت روايته عن النقاش مع آينشتاين هي التي تُسرد في كتب التاريخ، دون غيرها.
ثم ينتقل المؤلفان إلى الحديث عن ما جرى لاحقًا في تاريخ العلم، حين ظهرت تجارب علمية استطاعت أن تثبت فعليًّا وجود ما يُعرف بـ"التشابك الكمي". وقد اعتُبر هذا إثباتًا على أن اعتراض آينشتاين على هذه الظاهرة لم يكن في محله، وأنه، في هذه المسألة تحديدًا، كان مخطئًا.
ومع ذلك، فإن إعلان نيلز بور لانتصاره في هذا الجدل جاء في وقت مبكر، وربما كان ذلك سابقًا لأوانه. فعلى الرغم من التقدّم الهائل الذي شهده العلم في العقود الأخيرة، لا تزال هناك أسئلة فلسفية عميقة أثارها آينشتاين لم يُجِب عنها أحد بشكل قاطع. صحيح أنه خسر معركة في أحد ميادين النقاش، لكنه لم يُقصَ من ساحة الفكر. ولا تزال القضايا الكبرى التي طرحها – حول طبيعة الواقع، وحدود المعرفة، وإمكان اليقين – قائمة، تنتظر من يواصل فيها النظر والسؤال.
مترجم من The Wall Street Journal بقلم السيد كرومي مؤلف رواية قاتلو بيتهوفن
إذا أردت أن تُدّعم المحتوى الثقافي المقّدم لك بثمن كوب قهوة فهذا يسرنا كثيراً، فقط اضغط على الزر التالي



