لسماع المقال
يكثر اليوم من يجزع لموت القراءة ويعلن نذيرها الأخير. وتبدو الأرقام في ظاهرها كأنها حجة قاطعة لا تقبل الجدل؛ فقد انخفضت نسبة الأمريكيين الذين يقرؤون للمتعة في يوم عادي بأكثر من أربعين في المئة خلال العشرين عاماً الماضية، على ما أظهره بحث نُشر هذا العام في مجلة iScience. وتصف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تراجع نتائج التعليم في عام 2022 بأنه تراجع «غير مسبوق» في البلدان المتقدمة. وفي أحدث استطلاع لمهارات البالغين أجرته المنظمة نفسها، لم تتحسن كفاءة القراءة في العقد الأخير إلا في بلدين اثنين من الدول المشاركة، هما الدنمارك وفنلندا. أما الجيل الجديد فيخاطب العالم بلغة إشارات مستمدة من تيك توك، حتى ليبدو أن الديمقراطية ذاتها أصبحت معلقة بخيط رفيع هو خيط انتباهنا الجماعي.
ولعل سر قوة هذه الرواية أنها رواية سهلة الإغراء؛ فالشاشات — في نظر أصحابها — قد شرعت تهدم الحضارة، والأطفال لم يعودوا قادرين على التفكير، والعقل المثقف آخذ في الغروب. وقد أعلن مقال حديث على منصة «سابستاك» للكاتب جيمس ماريوت أننا بلغنا «مجتمع ما بعد الأمية»، ودعانا إلى التسليم بهذا المصير كأنه قدر لا مرد له. والتشخيص في مثل هذه المقالات مألوف لا يكاد يتغير: التكنولوجيا قد أفسدت قدرتنا على التفكير المتصل إفساداً لا يُرجى معه إصلاح، ولم يبقَ لنا إلا أن نكتب المراثي من مسافة آمنة.
غير أنني أقضي حياتي العملية في مكتبة جامعية، أراقب الناس وهم يتعاملون مع المعرفة تعاملاً مباشراً. وما أراه في هذه الحياة اليومية لا يوافق تلك الرواية الشائعة. وليس السبب أن المشكلات غير موجودة أو أن القلق كله وهم، بل لأن التشخيص نفسه قد أخطأ موضع الداء.
فالمواقف الانهزامية في هذا الباب تقوم على خطأ في التصنيف؛ إذ تُعامل «ثقافة الشاشة» كأنها ظاهرة واحدة متجانسة لها خصائص ذهنية لازمة. فكأن الجهاز نفسه الذي يعرض محتوى الغضب الذي ترتبه الخوارزميات، وهو نفسه الذي يستطيع أن يعرض الأعمال الكاملة لشكسبير، هو المشكلة بعينها، لا الطريقة التي نختار بها استعماله.
ولنتأمل ملاحظة بسيطة قريبة من التجربة اليومية. فالشخص نفسه الذي يعجز عن إتمام قراءة رواية قد يجلس ساعات يشاهد مقطع فيديو تحليلياً يمتد ثلاث ساعات عن انهيار الإمبراطورية العثمانية. والمراهق نفسه الذي يُقال إنه فقد القدرة على التركيز يستطيع أن يبقى مندمجاً في لعبة ساعات طويلة، يحلل خلالها قصة معقدة تتشابك فيها خطوط السرد، ويتواصل مع زملائه، ويعدل خطته في كل لحظة وفق مجرى اللعب. وهذا ليس دليلاً على إدراك أدنى منزلة، بل هو نوع آخر من الإدراك. والفارق في الحقيقة ليس في الشاشة، وإنما في البيئة التي تعمل فيها هذه الشاشة.
وقد تتبعت غلوريا مارك، أستاذة الإعلام في جامعة كاليفورنيا بإيرفاين، مدى الانتباه على الشاشات طوال عقدين كاملين. ففي عام 2004 كان متوسط الزمن الذي يقضيه المستخدم على شاشة واحدة قبل أن ينتقل إلى مهمة أخرى نحو دقيقتين ونصف. أما بحلول عام 2016 فقد انخفض هذا الزمن إلى سبعٍ وأربعين ثانية. وغالباً ما يُستشهد بهذه الأرقام دليلاً على أن الشاشات تفتت الانتباه بطبيعتها. غير أن النظر المتأني في أبحاث مارك يكشف حقيقة أدق: فالتفتت لا يرتبط بالشاشات على إطلاقها، بل يرتبط بأنماط تصميم بعينها، مثل أنظمة الإشعارات، وجداول المكافآت المتغيرة، وآلية التمرير اللانهائي. وهذه كلها اختيارات اتخذتها شركات بعينها لأسباب اقتصادية محددة، وليست خصائص ملازمة للوسيط نفسه.
وتؤكد الدراسات المحكمة أن منصات التواصل الاجتماعي تستغل ما يُعرف بجداول المكافآت المتغيرة، وهي الآليات النفسية نفسها التي تجعل القمار عادة إدمانية. فالمستخدم لا يعلم ماذا سيجد حين يفتح التطبيق؛ فقد يرى مئات الإعجابات، وقد لا يرى شيئاً. وهذه اللايقينية نفسها تعمل كإشارة تعزيز قوية — يُشار إليها في الدراسات العصبية بآليات «خطأ توقع المكافأة» المرتبطة بالدوبامين — تدفع الناس إلى العودة المتكررة لتفقد التطبيق. وليس ذلك لأن الشاشات في ذاتها تدمر الانتباه، بل لأن المنصات المهيمنة قد صُممت عمداً بحيث تُفتت الانتباه وتستنزفه في خدمة نموذج اقتصادي قائم على إيرادات الإعلانات.
لقد شهدنا هذا المشهد من قبل، لا مرة واحدة فحسب، بل مراراً وتكراراً، حتى أصبح أشبه بنمط متكرر يكشف شيئاً عميقاً في طبيعة استجابة النخب الثقافية لكل تحول يطرأ على وسائل انتقال المعرفة في المجتمع.
ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت بريطانيا تبيع كل أسبوع أكثر من مليون نسخة من الدوريات الموجهة إلى الصبيان. وكانت تلك الكتيبات الرخيصة — التي عُرفت باسم «الدردشات البنسية» — تمتلئ بقصص الجريمة والرعب والمغامرة المثيرة، فانهال عليها النقاد بالتنديد، وعدّوها فساداً أخلاقياً وانحطاطاً فكرياً. وبحلول خمسينيات القرن التاسع عشر كان في البلاد نحو مئة ناشر يطبعون هذا اللون من الأدب الشعبي. وقد كان المعلقون الفيكتوريون يومئذٍ يلوون أيديهم أسفاً على ما رأوه من تدهور أخلاق الشباب، وموت الفكر الجاد، واستحالة أن ينافس هذا الترفيه الصاخب أي لون من ألوان الثقافة الرفيعة.
غير أن من يرجع خطوة إلى الوراء في التاريخ يرى النمط نفسه يتكرر بدقة تكاد تبعث على الدهشة. ففي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر لم تكن «الدردشات البنسية» هي الخطر الداهم، بل كانت الروايات نفسها هي التهديد الوجودي. وكانت الألفاظ التي استُعملت في وصفها يومئذٍ هي نفسها الألفاظ التي نسمعها اليوم في موجات الذعر الأخلاقي: «وباء القراءة»، و«هوس القراءة»، و«غضب القراءة»، و«حمى القراءة»، و«شهوة القراءة»، بل و«عدوى خفية». وقد أعربت مجلة «سيلف» سنة 1796 عن قلقها من أن النساء «في كل عمر، وفي كل حال، يكتسبن ويحتفظن بذوق للروايات… حتى أصبح الفساد عاماً».
وكانت الكوارث التي تنبأ بها هؤلاء المعلقون كوارث هائلة في وصفهم. فقد أُلقي باللوم على رواية يوهان فولفغانغ فون غوته الرسائلية «آلام فيرثر الشاب» الصادرة سنة 1774 في إثارة موجة من الانتحارات المقلدة في أنحاء أوروبا. وذكر الطبيب يوهان بيتر فرانك في موسوعته الضخمة «نظام الشرطة الطبية الكاملة» — التي صدرت أجزاؤها بين 1779 و1819 — أن «قراءة الروايات السامة» من الأسباب التي قد تدفع الإنسان إلى الانتحار. أما الفيلسوف آرثر شوبنهاور فقد وصف سنة 1851 «الكتب الرديئة» بأنها «سم فكري». وكما لاحظ أحد المؤرخين بلهجة ساخرة، لو كان تأثير الروايات على هذا القدر من الخطورة لفرَّت النساء جماعياً من المجتمع.
غير أن شيئاً من تلك الكوارث لم يحدث. لم يقع الانهيار الذي بُشِّر به، ولم يتحقق المصير المخيف الذي صُوِّر للناس. ومع ذلك فقد أدى الذعر غرضه.
فما تكشفه هذه الذعرات المتعاقبة ليس مقدار الخطر بقدر ما تكشف هوية من يذعرون وسبب ذعرهم. ففي سنة 1533 أدان توماس مور النصوص البروتستانتية واصفاً إياها بأنها «سموم قاتلة» تهدد بأن تصيب قراءها «بعدوى وبائية». وفي بحث أصدره معهد كاتو عن تاريخ الأمية يلاحظ الباحثون أنه في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان بعض الناس يعد انتشار القراءة بين العامة أمراً تخريبياً أو فاسداً، حتى إن انتقال المعرفة من نخبة ضيقة إلى جمهور أوسع أثار خوف كثير من المحافظين.
وهنا تظهر التفصيلة التي تكشف سر النمط كله. ففي إنجلترا وويلز فُرض التعليم الإلزامي رسمياً بقانون التعليم سنة 1880، ومع اتساع التعليم في أواخر العصر الفيكتوري تصاعد القلق بشأن ما يقرأه أبناء الطبقات العاملة الذين تعلموا حديثاً القراءة. وأصبحت «الدردشات البنسية» و«القراءة الرديئة» هدفاً دائماً للتعليق الثقافي والقلق التربوي. ولم يكن الذعر في حقيقته متعلقاً بانخفاض مستوى القراءة، بل كان متعلقاً بخروج القراءة نفسها من احتكار النخبة.
ولو رجعنا إلى أصل هذه المخاوف لوجدناها أقدم من ذلك كله. فقد خشي سقراط أن تؤدي الكتابة إلى «نسيان في عقول الذين يتعلمون استعمالها، لأنهم لن يمارسوا ذاكرتهم». وكان يخاف أن يبدو القراء «كأنهم يعرفون أشياء كثيرة، وهم في الحقيقة يجهلون أكثرها»، محذراً من أن يؤدي ذلك إلى اضطراب أخلاقي وذهني. والمفارقة — كما لاحظ الباحث والتر أونغ سنة 1985 — أن حجة أفلاطون ضد الكتابة قد وردت إلينا مكتوبة في نص.
ويمتد هذا النمط إلى القرن العشرين بانتظام يكاد يكون آلياً. ففي سنة 1941 زعمت الطبيبة الأمريكية ماري بريستون أن أكثر من نصف الأطفال الذين درستهم كانوا «مدمنين بشدة» على دراما الجريمة في الإذاعة والسينما، وأنهم يستهلكونها «كما يفعل المدمن المزمن بالشراب». ثم شهد الطبيب النفسي فريدريك ويرثام أمام الكونغرس الأمريكي بأن القصص المصورة تسبب «تحفيزاً مزمناً وإغراءً وإفساداً»، وذهب إلى أنها أخطر من هتلر نفسه. وأصدرت ثلاث عشرة ولاية أمريكية قوانين تقيد انتشار هذه القصص. وقد كشفت المؤرخة كارول تيلي لاحقاً ما في أبحاث ويرثام من عيوب جسيمة، غير أن الضرر كان قد وقع بالفعل.
وتصف عالمة النفس إيمي أوربن — التي تدرس ذعرات التكنولوجيا — ما تسميه «الدورة السيزيفية»: ففي كل جيل يخشى الناس أن يفسد الإعلام الجديد أخلاق الشباب؛ ثم يستغل السياسيون هذه المخاوف ليصرفوا الأنظار عن مشكلات أعمق مثل عدم المساواة أو نقص تمويل التعليم؛ ويأتي البحث العلمي متأخراً؛ وبحلول الوقت الذي تتراكم فيه الأدلة وتظهر أن التأثيرات معقدة وتعتمد على السياق، تكون تكنولوجيا جديدة قد ظهرت لتبدأ دورة الذعر من جديد.
وما الدليل على أن تلك الذعرات كانت مبالغاً فيها؟ إن الكوارث التي تنبأ بها الناس لم تقع قط. فعدوانية المراهقين لم تختفِ بعد تقييد القصص المصورة، لأنها لم تكن نتيجة لها أصلاً. والروايات لم تدفع الناس إلى الهروب الجماعي من المجتمع. والإذاعة لم تدمر قدرة الأطفال على التفكير. وكل موجة ذعر كانت تستعمل اللغة نفسها: استعارات الإدمان، والفساد الأخلاقي، وصورة الضحية السلبية، والتنبؤ بالكارثة المقبلة. وفي كل مرة ينتهي البحث العلمي إلى أن التأثيرات أعقد بكثير، وأنها تتشكل بالمحتوى والسياق والاختلافات الفردية. وفي كل مرة أيضاً، حين لا تقع الكارثة المتوقعة، يتحول القلق ببساطة إلى التكنولوجيا التالية.
وكانت تلك الوسائط والابتكارات تعيش جنباً إلى جنب مع أرفع صور الفكر. فلم تمنع «الدردشات البنسية» ازدهار أدب تشارلز ديكنز، ولا فلسفة جون ستيوارت ميل، ولا علم تشارلز داروين. فالذي تغير في عصرنا ليس وجود المحتوى السطحي؛ إذ إن هذا المحتوى كان دائماً وفيراً. وإنما الذي تغير هو ظهور آليات توزيع صُممت عمداً لتمنع نوع الانتباه العميق الذي يحتاج إليه التفكير الجاد. فالكتيبات الرخيصة في القرن التاسع عشر لم تكن تلاحق قارئها إلى غرفة نومه في منتصف الليل وهي تهتز بإشعارات متلاحقة.
وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأنه يبدل طبيعة الحلول الممكنة. فإذا كانت المشكلة كامنة في الشاشات نفسها، فلابد من نهضة ثقافية تعيد الناس إلى الكتب، وربما من حركة جديدة تشبه حركة اللوديين تعادي التكنولوجيا. أما إذا كانت المشكلة في طريقة التصميم، فإن المطلوب يكون نشاطاً تصميمياً وتدخلاً تنظيمياً. فالشاشات نفسها التي تفتت الانتباه تستطيع أن تدعمه، والتقنيات التي تستنزف انتباه الإنسان يمكن أن تُسهم في تنميته. والسؤال الحقيقي هو: من يصمم هذه الأدوات؟ ولأي غاية؟ وتحت أي قيود؟
وفي المكتبة الجامعية التي أعمل فيها أرى الناس يتنقلون في عالم المعلومات بطرائق كانت تبدو مستحيلة للأجيال السابقة. فالسؤال البحثي الذي كان يتطلب أسابيع من العمل في الأرشيف قد يستغرق اليوم ساعات قليلة. غير أن التغير لا يقف عند حد السرعة والكفاءة، بل يمتد إلى طبيعة التركيب الفكري نفسها.
فالأفكار تنتقل الآن عبر قنوات متعددة في وقت واحد. فالفيلم الوثائقي يمنح الفكرة صدى عاطفياً ودليلاً بصرياً. والنص المكتوب يتيح الدقة اللازمة لتحديد الحجة. والنشرة التحليلية تفكك الآثار والنتائج. والبودكاست يسمح للفكرة أن تنضج في الذهن أثناء السير أو التنقل. وكل وسيط يضيف عنصراً لا يستطيع الوسيط الآخر أن يقدمه. وليس هذا انحداراً في المعرفة، بل توسع في آفاقها.
وأكثر ما يلفت انتباهي هو الفرق بين أولئك الذين تعلموا أن يبنوا ما أسميه «حاويات للانتباه» — أي مساحات وعادات منظمة تجعل أنماط التفاعل المختلفة ممكنة — وبين أولئك الذين لم يتعلموا ذلك بعد. والفارق هنا ليس في مقدار الذكاء أو قوة الانضباط، بل في هندسة البيئة التي يعيش فيها الإنسان. فبعض الناس تعلموا أن يشاهدوا الأفلام الوثائقية وبأيديهم دفاتر ملاحظات، وأن يستمعوا إلى البودكاست أثناء المشي حين يكون الذهن قادراً على التجوال المثمر، وأن يقرأوا الكتب الورقية في أماكن هادئة متعمدة وقد تركوا هواتفهم بعيداً عنهم. إنهم لا يرفضون التكنولوجيا، بل ينظمونها ويجعلونها تعمل في خدمتهم.
يغرق آخرون في هذا الطوفان وهم يحاولون أن يحافظوا على خيط متصل من التفكير في بيئات صُمِّمت أصلاً لتقطيعه. يجلس أحدهم أمام حاسوبه المحمول، وقد فُتحت عليه سبعة تبويبات تتنازع انتباهه، وتنزلق الإشعارات من ثلاثة تطبيقات مختلفة، ويهتز هاتفه كل بضع دقائق كأنما يذكّره بواجب جديد. ويحاول في خضم هذا الضجيج أن يقرأ مادة جادة، كأنه يخوض معركة خاسرة مع علم النفس السلوكي وقد سُخِّر بأسره ضده. ثم يظن أن عجزه عن التركيز عيب في شخصه لا خلل في التصميم، ولا يدرك أنه يحاول التفكير في فضاء صُمم ليحول دون التفكير.
وهنا تبدّل فهمي للأمية تبدلاً عميقاً. فقد كنت أعتقد — كما تعلمنا جميعاً — أن الأمية مسألة تتعلق أول ما تتعلق بفك رموز النصوص. غير أن مراقبة الناس وهم يتعلمون ويفكرون في واقع حياتهم أقنعتني بأن القضية أعمق من ذلك: فالأمية في جوهرها قدرة على بناء البيئات التي يصبح فيها الفهم ممكناً، والقدرة كذلك على التنقل فيها والتنظيم داخلها.
ولنتأمل أولئك الذين يزدهرون حين يستمعون إلى الكتب الصوتية، ويجدون مشقة في التعامل مع النصوص المطبوعة. لقد قيل لهم سنوات طويلة إنهم يعانون إعاقات في التعلم؛ أي إنهم عاجزون عن التعلم بالطريقة الوحيدة التي اعترفنا بها طويلاً. والحقيقة أنهم لا يعانون من عجز في التعلم، بل إن التعليم نفسه هو الذي يعاني العجز؛ لأنه لا يستطيع أن يستوعب اختلاف البنى العصبية بين البشر. فإذا أعطيت هؤلاء النص نفسه بصيغة صوتية زالت «الإعاقة» فجأة، وأصبحت الأفكار التي كانت معتمة على الصفحة واضحة شفافة في الأذن. وليس ذلك لأن الصوت أفضل من النص، بل لأن بعض العقول تعالج اللغة المنطوقة بطلاقة تفوق معالجتها للرموز المكتوبة.
وقد أثبتت الأبحاث في ميدان التصميم الشامل للتعلم هذه الحقيقة إثباتاً قاطعاً. إذ يلاحظ عالم الأعصاب النفسي David H. Rose، المؤسس المشارك لـ Center for Applied Special Technology، أن كل دماغ يتكون من مليارات الخلايا العصبية المتشابكة التي ترسم مسارات فريدة لا تتكرر؛ وكما تختلف بصمات الأصابع لا يتشابه دماغان. وتبيّن الدراسات أن محاولة معالجة إعاقات التعلم كثيراً ما تكشف عن «إعاقة في التعليم» ذاته، لا في المتعلم وحده. فعندما نصر على نمط واحد من التفاعل لا نقرر من يستطيع التفكير ومن لا يستطيع، بل نقرر من يفكر بالطريقة التي تعترف بها أنظمتنا.
وقد أخذت المكتبات تتكيف مع هذا الفهم الجديد. فأنشأنا ما يمكن أن نسميه «موئلاً للأمية متعددة الأنماط». ما تزال غرفة القراءة الصامتة مكاناً مقدساً مصوناً، لكنها لم تعد وحدها في هذا الموطن. فقد انضمت إليها مساحات للصناعة يفكر الناس فيها بأيديهم، حيث يكشف بناء النماذج الفيزيائية أثناء تشغيل المحاكاة الحاسوبية أموراً لا يستطيع نمط واحد من التعلم أن يكشفها. وظهرت استوديوهات للتسجيل تجد فيها التقاليد الشفوية حياة جديدة؛ إذ إن شرح الأفكار بصوت مسموع لجمهور متخيل عمل ذهني يختلف عن كتابة المقال، وغالباً ما يثمر تحليلاً أعمق وأدق. وظهرت كذلك مناطق تعاونية يتولد فيها الفهم من الحوار، حيث تخرج الفكرة من رأس صاحبها لتصبح مرئية للآخرين، فيمددونها ويعارضونها ويصقلونها.
وهذه التحولات ليست تنازلاً لانخفاض مدى الانتباه، كما قد يتوهم البعض، بل اعتراف صريح بأن فهم الإنسان كان دائماً أغنى من أن يحتويه وسيط واحد. فنحن لا نتخلى عن الأمية، بل نعيد اكتشاف معناها الحقيقي: ليست مجرد القدرة على فك الرموز في صفحة، بل القدرة على التنقل بطلاقة بين الطرق المختلفة التي يشفر بها البشر المعنى.
والنمط الذي ألاحظه يتكرر مرة بعد أخرى: فالذين يقال عنهم إنهم «لا يستطيعون التركيز» في النصوص التقليدية يستطيعون أن يحافظوا على تركيز بالغ حين يعملون عبر أنماط متعددة. يعانون مع كتب الفلسفة الثقيلة، ولكنهم يزدهرون حين يستمعون إلى المحاضرات وهم يرسمون ملاحظات بصرية، ويناقشون الأفكار في مجموعات دراسية، ويكتبون أفكارهم وهم يمشون. وليس هذا نقصاً في القدرة، بل اختلاف في الكيفية؛ وواجبنا أن نبني بيئات يصبح فيها هذا الاختلاف قوة نافعة لا عقبة معوقة.
غير أن التوسع إذا خلا من الهندسة تحول إلى فوضى، وهنا كان تعثرنا. فالذين لا يستطيعون الجلوس مع الروايات ساعات طويلة ليسوا معطوبين، بل متكيفون مع البيئة التي صنعناها نحن. نعطيهم معلومات لا نهاية لها ثم نتساءل لماذا يغرقون فيها. ونمنحهم أدوات صُممت أصلاً لتفتيت الانتباه ثم نلومهم حين يتفتت انتباههم. لقد بنينا عالماً يربح من التشتت، ثم صرنا نصف المشتتين فيه بالمرض.
أما العمليات الذهنية التي يمجدها الانهزاميون — كالانتباه المتصل، والتدرج المنطقي في التفكير، والمراجعة، والقدرة على بناء الحجج المعقدة — فليست خصائص للورق ذاته، بل خصائص للكتابة بوصفها ممارسة عقلية. لم يكن الفيلسوف إيمانويل كانط بحاجة إلى نوع مخصوص من الورق حين كتب كتابه Critique of Pure Reason سنة 1781؛ بل كان يحتاج إلى وسيط يسمح له بأن يجرد الفكرة ويعيد النظر فيها ويطورها مع الزمن. والوثائق الرقمية تستطيع أن تقوم بهذا الدور كما يقوم به الورق. غير أن معظم التفاعل الرقمي اليوم ليس كتابة، بل استهلاك لتدفقات مرتبة بالخوارزميات، صُممت بعناية سلوكية لتعظيم الزمن الذي يقضيه الإنسان على المنصة.
ولهذا لم ندخل عصر ما بعد الأمية، بل دخلنا عصر ما بعد النمط الواحد. فالنص لم يختف، وإنما انضم إلى أوركسترا من القنوات الأخرى. إن دماغ الإنسان اليوم ينجز أعمالاً كانت تبدو مستحيلة لأجداده: يحلل المعلومات في وقت واحد عبر النص والصورة والصوت والحركة، ويتنقل بين محادثات تقفز من منصة إلى أخرى، ويجمع الفهم من شظايا متناثرة عبر مصادر عديدة.
والمشكلة الحقيقية ليست في النمط، بل في الموطن الذي يعيش فيه هذا النمط. فنحن لا نعاني من صراع بين الفيديو والكتاب، بل من صراع بين التدفق والتركيز. أحدهما يعيش في بيئة صُممت للتأمل، والآخر في كازينو رقمي صُمم للسحب اللامتناهي للتحديث.
وقد نجحت القراءة زمناً طويلاً لا لأن النص يحمل سحراً خاصاً، بل لأن الكتب جاءت بحدود طبيعية. فالكتاب ينتهي، وصفحاته ثابتة، والمكتبات توفر السكون. وهذه ليست خصائص للأمية نفسها، بل للبيئات التي نشأت فيها. وما نحتاج إليه اليوم هو إعادة بناء تلك المواطن في عالم ينتقل فيه المعنى عبر قنوات متعددة في وقت واحد.
ومن هنا تغدو المكتبات أكثر أهمية لا أقل. فمكتبة المستقبل ليست مخزناً للكتب، بل صالة رياضية للانتباه. هي المكان الذي تذهب إليه المجتمعات لتدريب عقولها على أنماط الفهم المختلفة. تبقى غرفة القراءة فيه مكاناً مقدساً، لكنها تقترن بأكشاك التسجيل، ومعامل التصور، والمساحات التعاونية التي يتعلم فيها الناس ترجمة الأفكار من صيغة إلى أخرى. وهناك يتعلم الإنسان لا القراءة وحدها، بل القدرة على التنقل بطلاقة بين جميع الطرق التي يتبادل بها البشر المعنى.
الذي يقلقني في هذا الموقف الانهزامي ليس تشخيصه بقدر ما يقلقني ما يفضي إليه من استنتاج. فكثير من المعلقين الذين ينعون مجتمع «ما بعد الأمية» يشيرون إلى الخصوم أنفسهم الذين أشير إليهم أنا. فهم يعترفون بأن شركات التكنولوجيا — على حد تعبير Edward Marriott — «تعمل بنشاط على تدمير التنوير البشري»، وأن «أوليغارشية التكنولوجيا لها مصلحة في جهل الجماهير لا تقل عن مصلحة أكثر الحكام الإقطاعيين رجعية».
ثم لا يلبث هؤلاء أن يستسلموا بعد هذا الاعتراف. فيقال لنا، كما قال ماريوت: «لن يكون شيء كما كان من قبل أبداً. مرحباً بكم في مجتمع ما بعد الأمية».
أما هذه الخطوة الأخيرة فلا أستطيع أن أتبعهم إليها. فإن تسمية المسؤولين ثم معاملة النتيجة معاملة القضاء المحتوم إنما هو في الحقيقة ستار يُضرب عليهم لا حُجة تُقام ضدهم. فإذا كانت الأزمة قوة طبيعية — كأن تكون «الشاشات» عاصفة تقنية تهدم الحضارة كما تهدم الرياح مدينة ساحلية — فلا يبقى أمامنا إلا أن نكتب مراثي أنيقة من مسافة آمنة. أما إذا كانت الأزمة ثمرة اختيارات تصميم محددة اتخذتها شركات بعينها لدوافع اقتصادية بعينها، فهذه الاختيارات يمكن أن تُعارَض، ويمكن أن تُنظَّم، بل يمكن أن تُعكس وتُبدَّل.
إن القدرية — مهما لبست من ثياب البلاغة — لا تخدم إلا المصالح التي تدّعي مقاومتها. فشركات التكنولوجيا يسرها غاية السرور أن نصدق أن ما يحدث لانتباه الإنسان نتيجة حتمية للتقدم التقني، لا فعلاً تقترفه هي بنا كل يوم، فعلاً يمكن — إذا وجدت الإرادة السياسية — أن يُوقَف أو يُغيَّر.
وعجزك عن التركيز ليس فشلاً أخلاقياً في نفسك، بل هو خلل في التصميم من حولك. فأنت تحاول التفكير في بيئات بُنيت لتمنع التفكير، وتحاول حفظ الانتباه في فضاءات صُممت لتكسره. إنك تقاوم خوارزميات صُنعت بعناية لتبقيك متصفحاً لا متعلماً، ومستهلكاً لا متأملاً.
ومن هنا فإن العلاج ليس في مزيد من الانضباط الشخصي، بل في الهندسة. غيّر الافتراضات التي تقوم عليها الأدوات. أنشئ مساحات مختلفة للعمل الذهني. أقم إيقاعات جديدة للانتباه. اجعل العمق سهلاً كما صار التشتت سهلاً اليوم. واجعل التفكير أمراً طبيعياً كما صار التصفح عادة يومية لا يشعر بها أحد.
ولِمَ لا نتخيل — بدلاً من البكاء على عصر ذهبي متوهم للنص الخالص — أن نصبح جادين في تصميم العمق عبر جميع الأنماط؟ يمكن لكل فيديو أن يقترن بنص قابل للبحث. ويمكن لكل مقال أن يفتح أبواباً متعددة لمستويات مختلفة من الانتباه. ويمكن لأجهزتنا أن تتعرف اللحظة التي نحاول فيها التفكير فتحمي تلك اللحظة كما تحمي الخزائن أموالها. ويمكن للمدارس أن تعلم طلابها الانتقال بين الأنماط المختلفة كما علمتهم زمناً طويلاً الانتقال بين اللغات.
إن الكتب لن تختفي من العالم؛ فمكانتها راسخة في أنواع معينة من التفكير المتصل المعقد لا ينافسها فيها وسيط آخر. غير أنها لم تعد الطريق الوحيد الذي تسلكه الأفكار الجادة. فمقال مرئي متقن الصنع يستطيع أن يحمل ثقلاً فلسفياً لا يقل عن المقال المكتوب، والبودكاست قادر على إتاحة نوع من التفكير الطويل الذي عهدناه في المقالات المطبوعة، والتصورات التفاعلية قد تكشف أنماطاً من العلاقات تعجز صفحات الوصف الطويل عن إظهارها.
والمستقبل — فيما أرى — سيكون لأولئك القادرين على الرقص بين هذه الأنماط كلها دون أن يفقدوا توازنهم. إنسان يقرأ بعمق حين يتطلب الأمر عمقاً، ويتصفح بكفاءة حين تكون الكفاءة هي الغاية، ويستمع بانتباه وهو في طريقه، ويشاهد بعين ناقدة حين تكون الصورة هي الحجة. وليس هذا دعوة إلى الاستهلاك الأوسع، بل إلى الاختيار الواعي.
نحن الآن عند مفترق طريق. يمكن أن ننجرف إلى عالم يصبح فيه التفكير المتصل ترفاً نادراً، لا يملكه إلا القليل ممن تتاح لهم شروط العزلة والتأمل. ويمكننا كذلك أن نبني شيئاً لم يسبق له مثال: ثقافة تحفظ أفضل ما وهبه لنا العقل المطبوع، وتحتضن في الوقت نفسه إمكانات عالم تنتقل فيه الأفكار عبر الضوء والصوت والتفاعل.
فالخيار الحقيقي ليس بين الكتب والشاشات، بل بين التصميم المقصود والفوضى المربحة؛ بين بيئات ترعى الإمكان البشري، ومنصات لا ترى في الإنسان إلا منجماً لانتباهه.
والحضارات التي ستزدهر لن تكون تلك التي ترتد إلى النص وحده، ولا تلك التي تستسلم للتدفق بلا قيد. بل ستكون الحضارات التي تدرك حقيقة بسيطة: أن لكل فكرة شكلاً طبيعياً يليق بها، وأن الحكمة في أن نطابق بين المعنى والنمط. فبعض الأفكار يريد أن يُكتب، وبعضها يحتاج أن يُرى، وبعضها لا يتم إلا إذا سُمِع أو أُحِس أو عِيش. أما الخطأ الأكبر فهو أن نُكره جميع الأفكار على المرور في قناة واحدة، سواء كانت تلك القناة كتاباً أم شاشة.
وأحفاد أحفادك لن يقرؤوا أقل مما تقرأ أنت، ولكنهم سيقرؤون على نحو مختلف، في إطار سيمفونية أوسع لصناعة المعنى. وهل تكون تلك السيمفونية موسيقى متناغمة أم ضجيجاً مشوشاً، فذلك أمر يتوقف كله على الخيارات التي نتخذها اليوم في شكل أدواتنا، وبنية مدارسنا، وتصميم أيامنا.
أما أصحاب المراثي الأنيقة فهم يقدمون لنا عزاءً لغوياً جميلاً.
وأما أنا فاهتمامي ليس بالعزاء، بل بالمعركة.
نُقل من Aeon بقلم كارلو إياكونوي هو أمين مكتبة جامعية في جامعة تشارلز ستورت في نيو ساوث ويلز، أستراليا.
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.




مقالة عظيمة من أفضل ما قرأت مؤخرًا 😍🤍🤍🤍
افضل مقالة قريتها مؤخرا من جميع النواحي 💕💕