سقوط الجدار السابع: الصراع النفسي في الأدب
عن اتساع الرؤية وضيق العبارة؛ تفتيت الكائنات الكتابية في مرآة حسين برغوثي
أين تنتهي حدود الواقع؟ ومتى تتوقف الكلمات في تحقيق معناها وصياغة شيء آخر غير الذي قصده كاتبها؟ كأن الحروف ملكت وعياً دونت من خلاله الحقائق ومحت ما دونه من أكاذيب.
حسين برغوثي في كتابه “سقوط الجدار السابع: الصراع النفسي في الأدب” أعاد فهم الفهم، وأنتج لنا طريقة تحليلية متعددة الخطوات تبدأ فجأة منذ لحظة الآن وتترك صدى شهقات عالية تستمر حتى تنتهي الفجائية عند الحضارات البشرية.
يدير برغوثي كتابه بالأسئلة؛ فهو يضع استفهاماً وتعجباً على كل شيء، حتى ما نعرف أننا نعرفه حتماً يترك لنا فيه نبرة شك لا يمكن تجاهلها. يستفزنا بالشك الذي يكون خاصاً به في البداية، ولكن ما أن تمضي في القراءة تتوقف عن التأكد تدريجياً، وتهجر كثيراً من الكلمات الواثقة مثل: طبعاً، بالتأكيد، معروف، سهل، بدائي.
بعد هذه المقدمة الموشكة على وضع جوهر الموضوع بين أيديكم، أريد التوضيح أكثر؛ فأنا مدركة عشوائيتي بعض الشيء، ولكنني أعدكم أنها ستخدم الموضوع. سأطرح تعريفاً خاصاً للتحليل النفسي في الأدب، ثم سنتناول بعض الشخصيات، وسأورد كيف فتّت برغوثي هذه الكائنات الكتابية، وكيف جعل إدراكها بشكل أعمق جمالاً أكثر.
يشرح أننا لا نقرأ جملهم فقط، بل نقرأ انعكاس تلك الجمل في كل أشيائهم. يتاح لنا في كل الأشعار والنثريات والكتابات مرآة فقط لما نعتقد أنه واقع، ومهمة التحليل النفسي هي تقريب هذه الانعكاسات للواقع الحقيقي. ثم سأدلكم إلى استنتاج أخير بإذن الله يتضمن رأيي في الموضوع.
السيكولوجيا أو التحليل النفسي عند برغوثي هو حاكم كل شيء تقريباً؛ فهو الجزء الواعي وغير الواعي في النفس الإنسانية. فكل الشخصيات، حتى أكثرها أسطورية وعظمة في ذاكرتنا، كـ المتنبي ومظفر النواب وفيودور دوستويفسكي وكارل ماركس وفريدريك نيتشه، وغيرهم الكثير من الأمثلة، قادرة أن تكون مفهومة جداً، أو حتى أجرؤ على القول إنها بسيطة.
ولكن ليست البساطة ما نبتغي، أليس كذلك؟ نحن نريد أن نفهم التعقيد ونخوض أشد المتاهات ضياعاً. نحن في سبيل أن نفهم لا نمانع القليل أو الكثير من الصداع الفكري.
رأيت أن أبدأ حديثي التحليلي عن شخصية عربية جاهلية، ولا يمكننا تناول ذلك دون تعليق بسيط أو خلفية للبيئة الجاهلية.
القبيلة بالطبع هي الوحدة الاجتماعية الأساسية في المجتمع الجاهلي. في تلك الفترة كانت القبيلة تمر في مرحلة انحلال ملحوظة، فأخذت تنقسم على نفسها. تكونت نتيجة لهذا الانحلال طبقة السادة الأحرار في قمة الهرم الاجتماعي، وطبقة العبيد في قعره. وكلما ازددنا اقتراباً من المدن التجارية كمكة التي تحكمها قريش، كلما أصبح الانحلال أشد جذرية.
ونتيجة لهذا الانحلال تولد تفسخ داخلي كان صراعاً بين القبائل، وهو تفسخ اجتماعي خارجي مرآة للتفسخ الداخلي. وإذا ما تناولنا المرحلة الجاهلية ككل، فإن السبب الرئيسي يتجسد في ثلاثة أشياء مترابطة:
الشيء الأول والأكثر أهمية: العصبية القبلية وقرابة الدم (وعند برغوثي السبب الرئيسي هو المعضلة الأساسية عند الإنسان، الجدار الأصعب للكسر، والخطوة الأولى عند تفتيت وتحليل أي شخصية).
الشيء الثاني: الإيمان بالوثنية.
الشيء الثالث: الترابط العاطفي.
وعلى كل هذه المستويات الدينية والاجتماعية، يبرز التناقض الأهم في شرح الشخصية الجاهلية، المتمثل بـ (الوحدة واللاوحدة).
يجد الإنسان الجاهلي نفسه متقلباً بين الرغبة في التوحد مع القبيلة، والرضوخ لعواطف الانتماء والشجاعة والكرم وما إلى ذلك من قيم القبيلة، وبين الالتفاف إلى زاوية ذاته ليخلق هويته الخاصة. هذا هو الصراع الجاهلي باختصار.
ولنأخذ عنترة بن شداد مثالاً لنقرب الفهم:
ولد عنترة في قبيلة عبس لأب أبيض وسيد، أي في قمة الهرم الاجتماعي، أما أمه فعبدة سوداء، أي في قعر الهرم الاجتماعي. لهذا كان يُعامل كعبد لا يتقن (إلا الحلاب والصر) على حد قوله بسخرية مأساوية.
التناقضات الطبقية داخل القبيلة مسألة شخصية بالنسبة له، ولهذا يشكل نموذجاً جيداً. وأضاف حبه لعبلة بنت عمه، التي تنتمي للقمة، تشابكاً جديداً لحياته. زواجه منها يعني خرقاً للمرتبية الطبقية وللقيم القبلية التي تقوم على احتقار العبد.
لم يكن عنترة بقادر على تغيير فهمه للحياة، كأن يرفض قبيلة عبس أو يتنازل عن عبلة (حاجته الثابتة التي قادت إلى معاناته). فما هو الحل؟
يقول عنترة:
((أنا العبد الذي خبرت عنه *** وخصمي لم يجد فيها اتساعا))
في هذا البيت نلحظ افتخار عنترة بلونه وأصله، مع إدراكه أن لونه هو الجالب للاحتقار العميق الذي تضمره له عبس، وكأنه يفتخر بما هو عنوان عبوديته.
هذه التوفيقية فاشلة؛ فلا قبيلة لا تحتقر العبيد، ولا جدوى من التأكيد على العكس لو كان يؤمن بذلك فعلاً. ولهذا نراه يتشبه بالسادة، أي من هم في قمة الهرم الاجتماعي، من خلال التأكيد على أهمية فروسيته في الغزو والدفاع عن القبيلة.
ونتذكر أيضاً حرب داحس والغبراء التي شارك فيها، وأكد على فروسيته في شعره. يعني ذلك أنه يحس بالفروسية، وأنه جزء لا يتجزأ من القبيلة، وبالتالي من العصبية والقبيلة وإله القبيلة، التي تجسد ثلثي سببه الرئيسي.
السؤال إذن هو: لماذا يُحرم من نفس الإحساس في نفس القبيلة بناءً على نفس فهم الحياة القبلية؟
معاناة عنترة تكمن في كونه فرداً قبلياً يشعر بكل مشاعر الانتماء للقبيلة، ويحقق كل ما يحققه الأسياد، ويرغب بكل رغبات السيد القبلي. وكل هذه الأمور تدفعه للتوحد مع القبيلة، حتى يصطدم بجدران خبيثة تسمى الواقع، وتذكره باللاوحدة المتجذرة فيه.
هكذا كُتبت معلقته، ولهذا ظهرت من الأساس.
هناك تعليق أخير أود إيراده عن معلقة عنترة: عند قراءة المعلقة نلاحظ أنه لم يكتب أبداً عن الجانب المظلم من علاقته بالقبيلة، عن كونه عبداً محتقراً، ورفض قبيلته زواجه، واتهامه بأنه لا يستطيع كتابة الشعر.
لماذا يختار عنترة أن يكتب عن محاسن قبيلته بدلاً من شرورها؟
بما أن الشعر محكوم بأرض الخيال والأحلام، أقول إن عنترة وجد أن يغض نظره عن الشرور ويكتفي بالخير، كنوع من أنواع التأقلم، أو قد يقول البعض إنه خداع للذات.
لم يستطع عنترة تحقيق الكلية، وعند برغوثي عدم تحقيق الكلية يعني التعاسة والبؤس. وهكذا أنتج لنا عنترة معلقته الخالدة في الأنفس والأذهان، مسطورة بالأقلام والرمال وحرارة السماء.
الآن دعونا نرحل عن هذا الكوكب الشرقي إلى الأراضي البعيدة، حيث تنعكس برودة الشتاء على وجوه الناس كجليد حر، يستطيع أن يرحل عن جسده الحالي كماء ويقدر أن يكون كما هو.
الشخصيات الأدبية الغربية تتسم بهذا النوع من الفكر؛ فكر في ظاهره بارد مادي قاسٍ بعض الشيء، لكنه في الحقيقة يدافع عن ذاته المسروقة ويحاول إيجاد هويته الضائعة كأي إنسان آخر.
ولنقترب من الفكرة المثالية للفهم، يجب عليّ أن أطرح مثالاً، وليكن هذا المثال مثالاً ضخماً في الأدب.
كما ذكرت مسبقاً، يجب أن يتبنى الإنسان رغبات وأهدافاً تكسبه قدراً من المعنى والكثير من نفسه. والمأساة البشرية (الأدبية في حالتنا) تحدث عندما يفشل الإنسان في تحقيق هذه الرغبات.
والرغبة هنا ليست بدائية حيوانية كالأكل والجنس، لا؛ هي نزعة إسحاق نيوتن ليسأل نفسه ثم يسألكم: لماذا وقعت التفاحة ولم تطر؟
ثمن خسارتها كبير كبير، كجنون قيس إلى روديون راسكولنيكوف (بطل دوستويفسكي في الجريمة والعقاب). إنها إرادة الإنسان المقتولة، أن يدرك الإنسان حريته بحزن، إنها مراقبتنا الطويلة لطيور السماء من نافذة الحياة.
هاملت كان أميراً للدنمارك، ووالده كان ملكاً، ولكن عمه قام بقتل والده وتزوج أمه واستولى على العرش. هذه هي مأساته الشكلية.
لكن المأساة الحقيقية هي أن هاملت لا يؤمن إيماناً ثابتاً بنفسه ولا بأي شيء آخر، فالسبب الرئيسي غير ثابت مطلقاً.
ما هي نتيجة ذلك؟
يقول ويليام شكسبير على لسان هاملت:
((أن تكون أو لا تكون))
إن هاملت لا يعرف ماذا يأتي بعد الموت؛ فالموت عالم مجهول لا يعود مسافر من وراء حدوده. لو كان يؤمن بسبب رئيسي ديني، أي بإله من نوع ما، لكان عليه بالضرورة أن يؤمن كلياً بالحياة بعد الموت. ولو كان يكفر بأي قوة ميتافيزيقية، لكان عليه أن ينكر كل حياة بعد الموت.
لكنه يقف متردداً بين هذا وذاك. إنه نصف ملحد ونصف مؤمن.
هذا التردد وعدم اتخاذ قرار جازم يولد الشك. جوهر الشك هو عدم القدرة على إنهاء الصراع النفسي باتخاذ قرار، وهذا ينتج التردد في القيام بفعل حقيقي.
لماذا لا يستطيع هاملت أن يتخذ الإنسان كسبب رئيسي؟
في المرحلة التاريخية، برهن شكسبير أن قيمة الإنسان قد أصبحت مهدورة، ثانوية، وتافهة بالنسبة للمال وقوته. وأصعب من ذلك كله أنه لا يؤمن بذاته، ويدرك أن قذارة البيئة قد امتدت إليه أيضاً.
هذا الإدراك للاتساخ الروحي، والشعور بالإثم، والتركيز على الجانب المظلم في الإنسان، إدراك حاد يتميز به المنطق الذاتي عند هاملت.
إذن، هاملت يريد الانتقام لموت والده، ويريد أن يؤمن بسبب رئيسي، ولكنه لا يستطيع. وإذا لم يقرر الإيمان بهذا السبب كلياً، فإنه سيجد نفسه أمام مسألة العبث.
وبالتالي، عملية الانتقام تبدو دون معنى ولا مبرر، والخير نفسه يبدو أيضاً دون مبرر ولا معنى.
إذا قتلت فهذا عبث، وإذا لم أقتل فهذا عبث. لا يوجد فرق بدون وجود السبب الرئيسي.
وهكذا نفهم مأساة هاملت من وراء جدار علم النفس.





لهذا طالما احببت علم النفس، العلم الذي حاول ولا زال يحاول شرح كل سلوك بشري، واعي غير واعي، سلوك متناقض، سلوك يدفع للحيرة والشك.. ما أجمل أن يجعلك الكاتب تطرح اسئلة تحليلة عن شخصياته وعن شخصيته هو في حد ذاته..، مالذي دفعه لكتابة هذه الشخصية ؟ هل ما آل اليه بطل الجريمة والعقاب هو حقا الحل ؟ هل نعيش ونؤمن بجملة من التناقضات…