بهجة السفر في الصيف، والاعتقاد الطفولي بأن الأمور تأخذ مجراها وتنعطف بكل انسيابية إلى قدرها، كانت المقدمة الأولى قبل بدء الكلام وبدء القراءة.
حافظت هذه المرة على خيال مثالي، وتناسيت ظل الواقعية الذي يبتلعنا في جوفه كما يبتلع الظلام النور.
رواية بيروت 75 في مقدمتي الشخصية تهيآت ذاتية، وكما قال أحدهم: عندما تبدأ عملية القراءة وتلقي النص، يموت المؤلف وتذوب معانيه التي أراد. إن الساحة فارغة، وبيروت كما تراها غادة في سياقها الاقتصادي والسياسي والنفسي والزمني هي هجرة من دمشق إلى بيروت في زمن الحرب، وبيروت 75 كما أراها هي أي تجربة سفر، وحتى خروج الشارع عن شكله المعتاد، عن أسفلته الأسود، نوع من أنواع السفر.
طرحت غادة الواقع فظننتها تبالغ، هذا ليس بواقع، إنها معاناة فردية لا يمكن أن تحكي قصة شعب كامل، ولم يكن هدفها أن تقول الشعب كله يعاني، أي كل الفئات، ولم ترد اقناعي أصلا، كانت تقول: هذا الإنسان يتألم، ألا يكفي ذلك؟ هذه السمكة تغرق في مياه كاذبة، ألا يكفي غرقها؟ بلا يكفي يا غادة.
نستطيع أن نقول إنها رواية واقعية تحاكم الظلم الاجتماعي بأصابع الاتهام، إلا أنها تختص باتهام الذات ومحاكمة الضمير على الواقف أمام مرآة مكسورة!
المشهد الأول عند غادة مشهد سينمائي بامتياز، تتساقط الشخصيات والجمل والحوارات كقطف عنب مثالي، لا يفسده السقوط القاسي على الأرض، الكلمات تحترق في مدلولها، مشهد حار تلسعه شمس غادة، وكم أحب النصوص الصيفية الحارة!
شخوصنا في الرواية والتي تدل عواطفهم الأولى كما نعرفها إلى مصير قاسي، حتمي الكارثة: فرح، ياسمينة، طعان، أبو الملا، بو مصطفى، كلهم في باص حياتهم الأخير، وما يتلوا ذلك كابوس لا يقظة منه، كما سمت غادة أغلب عناوين فصولها الأخيرة بالخط المرتعش الخائف: كابوس!
فرح شاب فقير أرسله والده إلى بيروت بحر الفرص ليسترزق، “يتشحت عند قريبه البعيد” الناجح نيشان، الذي سنرى لاحقا كيف تتطور علاقته مع بطلنا فرح إلى علاقة مشوهة بين الجنس والاستغلال لنيل الشهرة، وتترك غادة تردد السؤال على شفتي العالم في الأرجاء: أين ذهبت بيروت المغرية في أحلامنا؟ لماذا ما عدت أشتهي شيئا وأكتفي بهذا الهواء الفاسد الذي تبخه بيروت؟
ومن بيروت؟ بيروت مدينة.
ياسمينة... يا ياسمينة... كم كنت شهوانية، كتبتها غادة كتأوه، الرغبة الدائمة في التمسك بالمحال، التمسك برجل يراك كعشيقة ساقطة، كجسد، وقد أعجبها ذلك ولم تكتف به، أرادت أن تسحب نشوات بيروت في سيجارة إلى صدرها الذي يبعثر الأنفاس الفقيرة إلى خارج الأفق، الانفاس التي تذكرها بالحياة الرطبة العفنة الذي كانت تعيشها في دمشق بالدير، كانت سعيدة بالثراء الجديد الذي حصلت عليه مع نمر، كانت طموحة في الوصول إلى حالة الحب، وكان كل شيئ ممكنا، ولكن لم تعلم أن بيروت تعطي وتأخذ! أعطتها الكثير وستسد الدين حتما.
بو مصطفى، وقد عرفته غادة بتلك البو، فبالرغم من أنها قدمته كالراكب الخامس الذي يتنهد الأحزان ويزعج الراكبين بالسلبية التي تشخط حلم بيروت المثالي، إلا أنها لم تعطه الحيز الأكبر، ويصعب أن لا نلاحظ تردد غادة بين اختيار الشخصية الأهم لتجسيد المعاناة بين الأب وابنه.
الكل بائس، ولكن كيف يموت حلم في صباه؟ كيف تغرق كلمات الشعر ببحر وبحر ولاشيء سوى البحر وجثث الأسماك؟
مصطفى الخيار الأمثل، كان بطلنا مثقفا حالما يكتب الشعر ويراه ويرسمه، كانت حياته حلما جميلا تشوبه شوائب، لكنه كان حلما.
انتهى ذلك الحلم عندما مات أخوه الأكبر الذي يساعد والده في صيد السمك، منعه أبوه من الدراسة وقال: صد معي سمكا.
“لقد انتهى زمن القراءة والكتب التي استأجرها من المكتبات والأصحاب.. وداعا يا زمن كتابة الشعر… ما جدوى الحبر أمام هذا البحر؟”
فقد الآن مصطفى قدمان من حجر وطين تقفان للشعر والشعور، انحرفت بوصلته، صارت حياته رجة طويلة وتخبط لا نهائي بين أمواج البحر، صمت الرجال وجثث وجرائم يومية لا يمكن أن يخبر عنها، أيشتكي إطعام والده له؟ لأمه وإخوانه الصغار المتلاصقين في تلك الغرفة الحقيرة؟
عرف مصطفى بعد يوم واحد في عالم الصيد الحقيقة المرة، هو أمام خيارين لا ثالث لهما: أهو حليف للصيادين أم حليف للأسماك؟
نلنا إجابته وجثة الشعر على يديه:
“حين عاد مصطفى تلك الليلة إلى فراشه تحجرت يده واغمي عليه ارهاقا. وحينما استيقظ جائعا لم يجد في البيت ما يأكله غير سمكة. أكلها، ولم يكتب قصيدة!”
إذا لم تخني ذاكرتي نال أبو الملا من ذكر غادة بفصل واحد يذكر فيه أنه عامل في الحفريات ينال راتبا ضئيلا كأي عامل، يعيش على احتمال انتصار الشر في نفسه ليسرق التمثال الذي قد ينجيه من هذا الفقر، يسرق التمثال، يدرك نشوة الشر الأخيرة، يقتله التمثال وينتهي.
إذا اهتمت غادة بشخصية وفضلتها سينعكس هذا على إعجاب القارئ أيضا، فمثلا احتجت أن أعود إلى الكتاب لأتذكر من هو أبو الملا، ولم يهمني ما حدث له كثيرا، مات مع السلامة.
طعان طالب الصيدلة يمجد العلم، قتلت عشيرته شاب من عشيرة اخرى وذاك الشاب متعلم، إذا بيروت المهرب، وكل الأماكن منسحب منها الأمان، منطق العشيرة يقول: العين بالعين، السن بالسن، إذا اخذتوا منا طالب علم نأخذ نحن كذلك.
إن هذه الشخصية مطاردة واحتمالات الموت تشخط احتمال الحياة، وفي محاولة لرفع الموت يطعن شخصا بريئا يسأله اتجاهات الطريق.
وعند ذكر هذه الشخصية علينا أن نفهم لماذا تعبت غادة نفسها وزادت هذا الفصل وهذه الشخصية، مازالت غادة تحاول التمسك بتلك الصورة الهشة أمام القراء، هشاشة العدل لاسيما في بلادنا العربية، لكنه مات أو شنق، تعددت الأسباب والموت واحد!
وإذا لازلتم تسألون كيف مات، فهو السؤال الخطأ، اسألوا دائما ودائما: لماذا؟
“والآن والأشياء سيدة
وهذا الصمت
عال كالذبابة
هل ندرك المجهول فينا
هل نغني مثلما كنا نغني
سقطت قلاع قبل هذا اليوم
لكن الهواء الآن حامض”
بيروت، أكانت بيروت من تسبب بتلك النهاية المأساوية لكل شخصية؟ أم أن حشرة سامة اختبأت وراء سطح حلم بيروت، تبث سمها فيهم؟
يهم جدا أن نعرف أن ياسمينة انتهى بها الامر مقطوعة الراس (أخوها قتلها عشان شرفه)، وانتهى الأمر بفرح مجنونا والعاقل الوحيد كما يصف نفسه، يهوى ان يمشي في الجنازات واسقاط خيالاته على الموتى، فكل الاجساد التي تسكن في التابوت هي الأكثر حياة في نظره، كم كان يعشق الرقص مع جثث الموتى!
ياسمينة وفرح... فرح وياسمينة... إنهما بطلا الرواية الحقيقية، أكثر من ذاب في حلم بيروت الوردي ثم تخلف كمخلفات في قبو المدينة.
“اه يوم جئت إلى بيروت كانت قامتي أطول من الليل، والبحر كله لا يكفيني فراشا، وخيمة الظلام المثقوبة بالنجوم كان يخيل إلي أنها ستضيق عن استيعاب طموحي… وكل نساء بيروت لن تكفيني… كل مطاعمها لن تسد جوعي… كل صحفها لن ترضي غروري… اه كيف انشطرت… كيف تناثرت، وها أنا اليوم ألملم نفسي في مخبأي الحقير خلف سقط المتاع. لقد انحسرت عني بيروت، ولفظتني إلى الشاطئ صدفة فارغة ووحيدة، أسمع باستمرار صوتا ينتحب في داخلي كصوت صدفة… اه بيروت. كيف كيف كيف؟؟؟؟”
وأنهت غادة الرواية بفصلها الأخير: كابوس.
وبدأت كل الجمل والكلمات تكون جرحا كبيرا متقرحا على صدر الورق.
انتهت المعاناة في بيروت 75، وبصصت إلى خارج الجداول المكتوبة باحترافية، لم تنته المعاناة بعد.
وبيروت ما زالت تردد ألحانها الخداعة في رأسي.
ابتلعت بيروت الجميع، وأغلقت فاها.




