نشأتُ في بيتٍ لم يكن يُرى فيه تلفاز قط. وكان ذلك نتيجة لحادثةٍ بدّلت حياة أمي؛ إذ تحولت إلى الإيمان المسيحي الإنجيلي تحوّلاً كاملاً بعد لحظة دينية عميقة عاشتها في موقف للسيارات، فغدا ذلك الإيمان سببًا لنفورها من برامج الأطفال التي كان أقراني يشاهدونها مثل He-Man and the Masters of the Universe وThe Smurfs. وقد كانت حلقة تضم شخصية سنارفيت ودمية فودو هي القشة الأخيرة التي أقنعتها بقطع الطريق على تلك العوالم التلفزيونية كلها. وهكذا خلا بيتنا من الشاشات، وامتلأ بدلاً منها بالكتب. كنا نقرأ الكتب، أكوامًا فوق أكوام من الكتب. وكنت كل أسبوع أعود من المكتبة بحزمة جديدة منها، يغلب عليها خيال العلم والفانتازيا من العصر الذهبي لذلك الأدب. وكانت سلسلة Foundation، إلى جانب أعمال Robert A. Heinlein وLarry Niven، هي التي شكّلت ذائقتي الأدبية الأولى.
كنت مأخوذًا بسحر التخيّل. فقد كنت أتصور مستقبلاً تتكفل فيه الآلات بالأعمال الشاقة التي تثقل كاهل الإنسان، فتمنحه فسحةً أوسع لملاحقة الإبداع والفكر. ولم يخطر ببالي قط أن تلك الآلات نفسها قد تمتد يومًا إلى الكتب التي أحبها، أو إلى الصوت الذي أتكلم به.
حين بلغت الثامنة عشرة انفصل والداي، وانتقل أبي إلى كاليفورنيا. كان ممثلاً ومذيعًا إذاعيًا، ومن أوائل من تبنّوا التقنيات الجديدة ومعدات الاستوديو المنزلي الناشئة في ذلك الزمن. وكان يسجل صوته وهو يقرأ الكتب، ثم يرسل تلك التسجيلات عبر البلاد إلى بلدة ريفية صغيرة في إلينوي على أشرطة كاسيت. وكنت أنحني بشغف فوق جهاز تسجيل صغير من صنع Fisher-Price في غرفتي، أصغي إلى صوت أبي. كان صوته منفصلاً عن جسده، لكنه حاضر حضورًا يكاد يكون سحريًا، ينقلني من عالمي الضيق إلى عوالم أخرى. يومها أدركت قوة الصوت البشري: ذلك الصوت الذي، حتى وإن حُمِل على شريط مغناطيسي ضعيف وبُثّ عبر مكبر صوت معدني صغير، يستطيع أن يبدل حياة الإنسان. عنصران بسيطان كانا يجتمعان ليصنعا هذا الأثر: روح بشرية، وقصة تُروى.
ومن ذلك الإلهام نشأت رغبتي في أن أسلك طريق الحكاية. فاكتشفت المسرح، واكتشفت لذة أن تعيش القصة على الخشبة أمام الناس، بينما تغمرك نظراتهم من كل جانب. وفي المدرسة الثانوية انضممت إلى فريق الخطابة، وتخصصت فيما كان يسمى «تفسير النثر». ولم يخلُ الأمر من قلق أمي حين قررت أن أدرس التمثيل في الجامعة. درست المسرح بالفعل، وبعد تخرجي انتقلت إلى شيكاغو، حيث تابعت كل شكل من أشكال رواية القصص التي استطعت الوصول إليها: العمل التجاري والسينمائي، والأداء الصوتي، والمسرح.
وفي عام 2005 خضعت لاختبار الأداء لأول كتاب صوتي في حياتي: رواية تاريخية تخييلية ضخمة من خمسمئة صفحة تعيد سرد أسطورة روبن هود. يومها أدركت أن هناك صناعة كاملة قائمة على تلك المعادلة البسيطة الجميلة: صوت يروي قصة. ولم تمض لحظات حتى وجدت نفسي واقعًا في حب هذه الصناعة.
ومنذ ذلك الحين رويت نحو ثمانمئة عنوان، لناشرين كبار وصغار، وفي مختلف الأنواع والأساليب الأدبية. إنها حياة مثيرة ومرهقة في آن واحد، لكنني أقبلها بسرور كامل، وسأمضي فيها إلى نهايتها محافظًا على الحلم الذي بدأه أبي، وإن لم يعد حيًا ليسمعه. ففي عام 1993، في الصيف الذي سبق سنتي الأولى في المدرسة الثانوية، قُتل أبي وزوجته في حادث سيارة. ومع تقلبات الزمن وقسوة الطفولة، تقلصت مجموعتي من أشرطة الكاسيت حتى لم يبق منها إلا شريط واحد يحمل صوته. إنه شريط بلاستيكي أصفر باهت من نوع Maxell، يحمل بطاقة صغيرة مكتوبة بخط اليد. وفيه قصة غريبة مخيفة أظن أنه هو من كتبها، اسمها «نداء هامبتون كورت». تمتلئ بمؤثرات صوتية من ذروة ثمانينيات القرن الماضي، بصوت آلة الثيريمين العاوي، ولا شيء فيها سوى صوته.
*
وقبل العقد الثالث من هذا القرن بسنوات، كانت صناعة الكتب الصوتية تعيش على وقع توقعات «قيامة الروبوتات» القادمة. فقد كان جهاز Amazon Kindle يحتوي على خاصية قراءة النصوص بصوت عالٍ، قادرة على رواية أي كتاب إلكتروني بصوت صناعي. وجربت شركات صغيرة عديدة أصواتًا مولدة آليًا، لكنها لم تحقق انتشارًا يُذكر. وكان عزاؤنا الأكبر أن منصة الكتب الصوتية الكبرى Audible، وهي الموزع الأول لهذا النوع من الكتب، لم تكن تسمح بالأصوات غير البشرية على منصتها. بل إنها منذ تأسيسها كانت تزعم أنها تدافع عن قوة السرد البشري. غير أن المتشائمين منا كانوا يشكون في أن تلك السياسة ليست إلا تدبيرًا مؤقتًا، ريثما تجد الشركة وسيلة لربح المال من أصواتها الروبوتية الخاصة. وقد تبين أن ظنونهم لم تكن بعيدة عن الحقيقة.
في نوفمبر 2023 انفتحت الأبواب أمام الطوفان الآلي. فقد سمحت أوديبل لأول مرة للأصوات المولدة آليًا بالظهور على منصتها، على أن تكون تلك الأصوات من إنتاجها هي وحدها. وأطلقت عليها اسم «الأصوات الافتراضية». ثم عرضت على مؤلفي برنامج Kindle Direct Publishing إمكانية إنشاء كتب صوتية بضغطة زر، فيما يسميه بعضهم «الكتب الصوتية بالذكاء الاصطناعي». وخلال شهر واحد فقط رُفع أكثر من عشرة آلاف كتاب صوتي آلي إلى المنصة وبيع. ولم يلبث العدد أن تضخم بسرعة مذهلة؛ ففي غضون أشهر قليلة تجاوز خمسين ألف «أداء» بلا روح. وعند كتابة هذه السطور يقترب الرقم من ستين ألفًا.
*
وكثيرًا ما أقدم دروسًا للطلاب الراغبين في دخول صناعة الكتب الصوتية، وأحرص منذ البداية على أن أذكرهم بشرف هذا العمل. فالقصة هي ما يجعل الإنسان إنسانًا. لقد كان أسلافنا من البشر، قبل ثلاثمئة ألف سنة، يجلسون حول النار ويروون الحكايات. وقد صاغ الكاتب جوناثان جوتشال لهذا المعنى مصطلحًا لافتًا حين سمّى الإنسان هومو فيكتوس، أي «الحيوان الراوي للقصص». وإذا نظرنا إلى رواية الكتب الصوتية اليوم وجدناها أقرب ما تكون إلى ذلك الفن الأول: إنسان واحد، بصوت واحد، ينسج حكاية لإنسان آخر.
إن نزوع الشركات إلى استبدال الإنسان الفنان بالآلة نزوعٌ عميق الجذور في العداء للإنسانية. فهذه ليست نزوة عصرنا وحده، بل قصة قديمة تتكرر في كل زمن: أن نحاول تحويل الإبداع إلى عملية آلية، وأن ننزع منه اضطراب العاطفة البشرية وفوضاها. ولعل خير تمثيل لذلك ما نراه في أسطورة العامل الأمريكي جون هنري؛ إذ يُهدَّد رزق رجلٍ بآلةٍ صمّاء، فينهض إلى منافستها، ويعمل حتى يستنفد حياته ذاتها دفاعًا عن عمله.
الرجل رجلٌ فحسب،
لكن قبل أن تدحرني حفّارتك البخارية،
سأموت ومطرقـتي في يدي.
يفوز جون هنري في تلك المواجهة الأخيرة، غير أن فوزه يأتي بثمنٍ باهظ. فالمستمع يدرك، وهو يدرك في أعماقه كذلك، أن ذلك النصر ليس إلا آخر أنفاس الإنسان في صراعٍ لا يملك فيه إلا جسده. أما الآلة فلا تحتاج إلى نفسٍ أصلاً؛ ستشهد النفس الأخير دون أن تحزن، لأن الحزن شعور لم تُصنع له الآلات.
والرجل الذي اخترع الحفار البخاري
ظن نفسه عظيمًا كل العظمة.
*
وتقف شركة ElevenLabs اليوم في طليعة الشركات التقنية التي تدفع بالعالم نحو الصوت الاصطناعي. فبمجرد أن ترفع عينة قصيرة من صوتٍ ما، تستطيع الشركة أن تولد نسخة تبدو مقنعة إلى حد بعيد. ولكن هل يمكن لنسخةٍ مصطنعة من صوت أبي أن تحمل إليّ المعنى ذاته؟ حين كنت طفلًا، كان وصول شريط الكاسيت بصوت أبي بالبريد أشبه بوصول أبي نفسه. كان صوته، نقيًا معزولًا، يخترق وحدتي ويتحدث إليّ. سلسلة من الذبذبات الصوتية تضرب طبلة الأذن، فتولد المعنى. بل تولد أكثر من معنى؛ إنها تخلق علاقة.
وأنا أكافح حتى الآن مع فكرة أن أفعل ذلك. فعندما أدرّس فن رواية الكتب الصوتية، أقول للطلاب إن الكلمات المطبوعة على الصفحة ليست إلا الثمرة القريبة المتدلية، أما الكنز الحقيقي الذي ينبغي أن يسعى إليه الراوي والممثل فهو «النص الفرعي»؛ ذلك المعنى الذي لم يُكتب صراحة، ولم يُنطق، بل يتسرّب إلينا من الفراغات الصامتة بين الكلمات.
حين يُقرأ الكتاب بصوتٍ عالٍ، يتكوّن عمل فني مزدوج: النص من جهة، وتأويل الراوي له من جهة أخرى، إذ يصبح الراوي عدسةً يمر من خلالها النص إلى أذن المستمع. وكما أن مسرحية A Doll’s House لـHenrik Ibsen قُدمت على خشبات المسرح مرات لا تُحصى، وكل عرضٍ منها يحمل بصمة ممثليه ومسرحه، كذلك كل قراءة لكتاب هي أداء فريد لا يتكرر.
وعندما أهيئ طلابي لقراءة مخطوطة جديدة، أقول لهم: اسألوا أنفسكم «أين الحب فيها؟». فكل كتاب يولد من حب، وكل قصة تُروى لسبب. وأقول لهم: حتى في الروايات المكتوبة بضمير الغائب، فإن ذلك «الغائب» إنسان. من هو؟ ولماذا يروي هذه القصة؟ ولمن يرويها؟ ولماذا الآن؟ ففي عالمنا لا وجود لراوٍ عليمٍ مطلقًا.
وقد حدث أن ذكرت لي إحدى الزميلات مثالًا لكتاب علمي جاف كانت ترويه عن نوعٍ نادر من السرطان. وكانت تعاني صعوبة في العثور على «مدخل» عاطفي للنص، فلجأت إلى قراءة قسم الشكر في نهاية الكتاب، وهو قسم غالبًا ما يُحذف من النسخ الصوتية. وبعد سلسلة من الشكر للأقارب والوكلاء، جاء في آخر السطور اعتراف صغير من المؤلف بأن أمه ماتت بهذا السرطان وهو طفل. هناك وجدت قلب القصة، وهناك ظهر النص الفرعي.
وعندما كنت أصغي إلى أبي، كنت أسمع هذا النص الفرعي. وكان يحدث أحيانًا أن قصة معروفة مثل «ليلة عيد الميلاد» تُروى بطريقةٍ مختلفة بفضل نبرته الخاصة. كان يختم القصيدة بتغيير بسيط في السطر الأخير: «عيد ميلاد سعيد للجميع، ولآدم ليلة طيبة». وفي كل مرة كنت أفهم ما وراء الكلمات، ذلك المعنى الذي ينفخ الحياة فيها. كانت الرسالة الخفية في كل شريط كاسيت — دون استثناء — هي الجملة التي يتوق كل طفل إلى سماعها من أبيه: «أحبك».
لقد روى أبي لي القصص. أحبني وروى لي القصص. ثم انتهت قصته فجأة حين ارتطمت سيارته بشجرة على طريقٍ سريعٍ مهجور في كاليفورنيا. أُيقظت في ذلك الصباح الباكر على رنين هاتفٍ في الطابق العلوي، وخطواتٍ مسرعة، وهمساتٍ ثقيلة. أتذكر أن أخي الصغير صرخ: «سأذهب لأخبر آدم!» فأوقفته أمي. وصعدت الدرج لأراها واقفة في أعلى السلم، ظلًا صامتًا.
بعد ذلك بقليل جاءت وجلست إلى جانبي في السرير، ومدت يدها في الظلام تتحسس وجهي. كانت عيناي جافتين. لقد تركني مبكرًا جدًا — سواء حين غادر بيتنا قبل ذلك بسنوات، أو حين غادر الدنيا كلها — مخلفًا جروحًا لم تلتئم حتى اليوم. جروحًا لا أجد وسيلة للتعامل معها إلا بأن أحكي لنفسي القصص عنها؛ قصصًا تمنحها معنى.
ولسنوات طويلة كان رنين الهاتف في الليل يثير في نفسي الذعر. وإلى أشد ما أخجل منه في حياتي الداخلية — وهو ما جعلني أظن عقودًا أن في داخلي كسرًا لا يُصلح — أن أول فكرة خطرت ببالي حين سمعت خبر موته كانت: «لن أحصل على هدايا عيد الميلاد بعد الآن».
وعندما ذهبنا لاحقًا لفرز ممتلكاته في شقته، تمنيت لو كان لدي من النضج ما يجعلني أحتفظ بالأشياء المهمة. لكنني لم أكن كذلك. احتفظت بكتبه المصورة القديمة وبعض المجلات، وسجلت أفلامًا من قناة HBO على أشرطة VHS.
وكانت المجلات في معظمها مجلات معجبين بأفلام الرعب القديمة، لكنها تحولت سريعًا إلى كومة من الورق المتعفن بسبب حادثة مع جهاز ترطيب هواء. أما أفلامه فكانت مثل The Money Pit وShort Circuit.
أما كومة الكتب المصورة فكنت مقتنعًا أنها كنز من الذهب، وربما كانت كذلك حقًا، لو لم يكن قد رسم شوارب ولحى على معظم الأبطال الخارقين.
كان من بينها عدد مبكر من سلسلة Silver Surfer، وقد أطلق صاحب متجر القصص المصورة المحلي نقرة خيبة أمل حين رآه، لأن الشخصية على الغلاف تحمل شاربًا مرسومًا يشبه شارب Groucho Marx. ذلك المتجر الذي لا تزال أمي حتى اليوم تشير إليه باسم «متجر الشيطان».
كانت مجرد تذكارات صغيرة، اختفت جميعها مع تقلبات السنين. ومع أنني لا أذكر ذلك بنفسي، فإن أمي تذكرني بحقيبة من مسحوق أبيض سحبتها من درج طاولة نومه. وعرفت لاحقًا أن قصة النوم خلف المقود لم تكن صحيحة على الأرجح؛ فقد كانت هناك عوامل أخرى مؤكدة.
واليوم، وأنا في السادسة والأربعين، لا أملك من أبي إلا ذكريات ضبابية وشريط كاسيت واحد.
فهل تستطيع آلة أن تروي قصة أبٍ وابنه وتملأها بالمعنى؟ في التمثيل والرواية نتحدث دائمًا عن «النية»؛ نية الكاتب، ونية الراوي. أما الآلة فلا يمكن أن تمتلك نية. والآلة لا تستطيع أن تروي قصة، لأنها — قبل كل شيء — بلا جسد. والقصص تولد من حكمةٍ متجسدة في الجسد.
إن القصة الكبرى عن الإنسان الذي خلق عقلًا صناعيًا ثم تمرد عليه — رواية فرانكنشتاين — لم تولد إلا من صوت امرأة في التاسعة عشرة من عمرها، هي ماري شيلى.
ويؤكد محررو طبعة الذكرى المئوية الثانية من الرواية أن «ماري وحدها، بما امتلكته من تجربة جسدية وحكمة متجسدة، كانت قادرة على كتابة فرانكنشتاين بهذا العمق». فقد نشأت قصتها من النقاشات العلمية حول تعريف الحياة نفسها — ذلك الجدل الحيوي الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم.
ومع ذلك، يزعم المبرمجون المعاصرون أن ابتكاراتهم في الذكاء الاصطناعي بلغت حد الإحساس. حتى إن شركة Google فصلت أحد مهندسيها الكبار بعدما أعلن أن روبوتها اكتسب وعيًا ذاتيًا. إنهم يمررون الكهرباء في آلات مؤلفة من أجزاء مأخوذة من كل مكان، ثم يصرخون في نشوة: «إنه حي!»
*
في أحد مشاريع الرواية الحديثة، كنت أؤدي صوت شخصية تُدعى ماثيو في عملٍ يُقدَّم بأصوات ممثلين متعددين. وفي سياق الحكاية يفقد ماثيو ابنه في حادث غرق يقع خلال حفلة حول مسبح. وبينما أمضي في أداء الرواية فاجأني حزن الأب المفجوع. تركت الدموع تسيل، ومضيت أروي من خلالها. اختلط أبي وأطفالي في قصة الكاتب، واتسعت في تلك اللحظة دائرتي العاطفية اتساعًا لم أتوقعه. اجتمعت مخاوفي المتخيلة — ذلك الاحتمال المفزع أن يفقد المرء طفلًا في لحظة غفلة عابرة — حتى وجدت نفسي ألهث لالتقاط أنفاسي. ارتجف صوتي في همسٍ متقطع، وسجّل الميكروفون كل شيء.
فهل تستطيع آلة أن تقلد أنفاسي المتقطعة وصوتي المثقل ببلغم الدموع؟ ربما أمكنها أن تحاكي ذلك تقليدًا. لكن لا آلة تستطيع أن تقلد الخيال الذي يجري في داخلي، ولا الذكريات التي تتدفق خلالي، ولا ذلك الخوف من الانطفاء الذي يمر في القلب. إن الآلة لا تتغير بما تقرأه. أما الأجهزة التي تطلق صفيرها وأصواتها المعدنية في غرفة الطوارئ، تلك التي حاولت عبثًا إنعاش ابن ماثيو، فقد أخفقت في إعادة النفس إليه.
*
في الفلكلور قصص كثيرة عن الطبيعي حين يُستبدل بغير الطبيعي؛ عن الطفل «المبدل» الذي يُوضع في مهد الأسرة بدل طفلها الحقيقي. وقد صاغ العالم الياباني Masahiro Mori عام 1970 مصطلح «الوادي الغريب» ليصف ظاهرة لاحظها في عالم الروبوتات المبكرة. فحين يحاول التقليد أن يبدو إنسانًا كامل الشبه بالإنسان، لكنه لا يبلغ ذلك الكمال تمامًا، ينشأ ذلك الشعور المقلق الذي سماه «الوادي الغريب».
وقبل ذلك بقرنين تقريبًا، وفي عام 1769، صنع النمساوي فولفجانج فون كيمبلين آلة عُرفت باسم «التركي الآلي»، وطاف بها في أرجاء أوروبا، مبهرًا البلاطات والنبلاء بجهاز قادر على لعب الشطرنج بل والانتصار على البشر. غير أن الحقيقة كُشفت لاحقًا: إذ كان داخل الآلة قزم بشري يختبئ فيها ويوجه لعبها.
ورغم أن «التركي الآلي» أصبح معروفًا إلى حد ما — حتى إن اسمه أُعير لاحقًا لخدمة العمل المصغر في شركة أمازون المعروفة باسم Amazon Mechanical Turk — فإن الأقل شهرة أن المعرض التقني نفسه ضم جهازًا آخر: حنجرة آلية تتألف من شفاه مطاطية ومجموعة من المنافخ. وقد ذكر الحاضرون آنذاك، قبل قرون من وصف «الوادي الغريب»، أنهم شعروا بـ«إحساس غير مريح» عند سماع تلك الأصوات التي تشبه الأصوات البشرية. فقد كان المتفرجون ينظر بعضهم إلى بعض في صمت ودهشة، وقد أصابتهم قشعريرة رعب في اللحظات الأولى.
ومن الناحية التقنية قد تستطيع خوارزمية الصوت القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تُنتج شيئًا جديدًا، لكنها لا تملك ذاتًا داخلية تعبر عنها. وقد لخّص الكاتب شانون فالور هذا الفرق في كتابه The AI Mirror حين قال:
إن أداة الذكاء الاصطناعي يمكنها أن تبتكر أغنية بحرية جديدة، أو منحوتة جديدة، أو شكلًا تجريديًا جديدًا. لكن ماذا يمكنها أن تعبّر عنه؟ إن التعبير يفترض وجود شيء في داخل النفس يريد أن يخرج. شيء يدفع طريقه إلى الخارج: عبر الفم، وعبر الحجاب الحاجز، وعبر الإيماءة والإيقاع. أو شيء يُنتزع انتزاعًا لأنه يقاوم التعبير. أما النموذج التوليدي للذكاء الاصطناعي فليس لديه شيء يريد قوله؛ ليس لديه سوى تعليمات تضيف ضجيجًا إحصائيًا قليلًا إلى نمط موجود فتدفعه في اتجاه جديد. ليس لديه تجربة جسدية أو عاطفية أو فكرية للعالم أو للذات كي يعبر عنها.
ومنذ عهد أرسطو ونحن نعلم أن الصوت والروح متداخلان تداخلاً لا ينفصل. فقد قال إن الصوت هو أثر يصدر عن كائن ذي روح، وإن ما يحدث هذا الأثر يجب أن يكون ذا روح، مصحوبًا بفعل من أفعال التخيل، لأن الصوت — حين يكون ذا معنى — إنما هو صوت الروح.
وقد وقف الفيلسوف ملادين دولار عند هذه الظاهرة في كتابه A Voice and Nothing More، حيث تحدث عن «الصوت الأكوُسماتي»؛ أي الصوت الذي لا يُرى مصدره، الصوت الذي لا يمكن تحديد أصله أو موضعه. إنه صوت يبحث عن أصل، يبحث عن جسد. فالإنسان يدرك بالفطرة أن الصوت بلا جسد صوت غريب بطبيعته؛ لأن الصوت هو لحم الروح، مادتها التي لا تستطيع الروح أن تنفصل عنها انفصالًا كاملًا.
*
وفي أوائل عام 2024، بعد ثلاثة أشهر من إطلاق Audible أصواتها الافتراضية للجمهور، أصبت بفيروس COVID-19 بينما كنت أحضر جنازة. ورغم أن العدوى زالت سريعًا، فإن شيئًا غريبًا بقي بعدها: ضيق غير مألوف في حلقي. وفي يوم واحد لم يعد الصوت الذي أستطيع إخراجه يتجاوز همسًا مشدودًا رفيع الخيط، وقد بدا أن طبقة معينة في منتصف نبرتي هي التي تأثرت دون غيرها.
وسرعان ما أدركت أن الأمر ليس فقدان الصوت المعتاد المصاحب لنزلات البرد. لم يكن هناك احتقان ولا تلك النبرة الخشنة التي تشبه نقيق الضفدع. كان الإحساس الوحيد أن يدًا خفية تعصر حلقي. فحددت موعدًا مع طبيب متخصص في الأنف والأذن والحنجرة يعمل مع الممثلين والمغنين. وبعد أن وضع مخدرًا موضعيًا من الليدوكائين في الممرات الأنفية، أدخل منظارًا في حلقي. رأيت على الشاشة إلى جانبنا النفق الوردي الضيق لحنجرتي. طلب مني أن أتنفس بعمق، ثم قرّب المنظار من طيات صوتي، وجعلني أردد بعض النغمات وأهمس بأخرى، حتى بدا أنه تأكد من شكوكه. قال لي: «هناك تلف عصبي في طياتك الصوتية، خصوصًا في أحد الجانبين». وأراني على الشاشة كيف تهتز الطيتان معًا، غير أن إحداهما تتأخر بوضوح عن الأخرى.
وفي تلك اللحظة ارتفع في نفسي الخوف المعروف لدى العامل الحر. فبعض الكتب يمكن تأجيل تسجيلها، لكن هناك حدًا أدنى من العمل ينبغي أن أتمه كل شهر لأدفع فواتيرنا. ماذا لو توقف الناشرون عن الاستعانة بي؟
وكان الألم الذي أشعر به نتيجة أن العضلات الصغيرة في حلقي كلها تحاول أن «تجبر» الصوت على الخروج لتعوض ضعف عمل الحبال الصوتية. أما التشخيص فكان غامضًا؛ إذ إن الأمر متعلق بالأعصاب، وربما يزول تمامًا خلال شهر، وربما يستغرق سنوات. وصف الطبيب علاجًا صوتيًا يتضمن التمرن على النفخ عبر مصاصات بأقطار مختلفة، وتدليك الحلق بجهاز اهتزاز يدوي صغير — وهو جهاز تشير مراجعاته في أمازون إلى أن الغرض الذي يستخدم فيه عادة ليس الغرض الطبي المقصود.
وقد ساعد العلاج، ولكن ببطءٍ يبعث على الإحباط. وحتى اليوم، بعد عامين، لا يزال الألم باقياً. فالأيام الطويلة من التسجيل تضرب حلقي ضربًا، ويظل فيه نبض خافت لا يزول تمامًا. وما زلت أروي… ولكن بعرج.
وعلى خلاف آلتي البيولوجية الهشة، فإن الصوت الاصطناعي الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي لن يعرف المرض قط. لن يصاب يومًا بشلل في حباله الصوتية، ولن يعتريه وهن في طاقته أو عجز في قدرته على قراءة النصوص ليلًا ونهارًا، أربعًا وعشرين ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع. لكنه كذلك لن يتعلم شيئًا من المعاناة. لن يعرف نشوة الفرح، ولن يتذوق مرارة الحزن. سيواصل ضرب مطرقته البخارية بلا انقطاع، غير عابئٍ بالبشر الذين قد يسقطون صرعى إلى جانبه. وفي هذا المعنى يكتب مدرس الصوت كليفورد تورنر :
إن الراوي هو الصلة التي تصل الكاتب بالمستمع. وصوته هو الأداة التي يتجسد بها عمل الكاتب، وهو القناة الرئيسية التي ينبغي أن تتدفق عبرها الفكرة والشعور. إن صوته، في حقيقته، آلة — ولكنها آلة دقيقة التخصص، تُحرَّك وتُعزَف من خلال ذكاء الراوي وإحساسه، وكلاهما يستمد قوته من الطاقة التخيلية التي يستطيع أن يستحضرها من إبداع الكاتب. والراوي لا يلتزم فحسب بمعيار بالغ الصرامة من النزاهة يجب عليه مراعاته، بل يحمل أيضًا مسؤولية واضحة تجاه الكاتب… وتجاه مستمعيه.
ولا يستطيع أن يشعر بهذه المسؤولية تجاه عمل إبداعي لغيره إلا الإنسان وحده. فبعد أقل من عام على إطلاق Audible لأصواتها الافتراضية، بدأت الشركة اختبارًا أوليًا لبرنامج استنساخ الأصوات. يستطيع الرواة على منصة ACX أن يشتركوا في استنساخ أصواتهم، ثم يختار المؤلفون أو أصحاب الحقوق استخدام النسخة المستنسخة من صوت الراوي بدل الراوي نفسه، إما توفيرًا في التكلفة وإما اختصارًا في الزمن. وحتى وقت كتابة هذه السطور لا يزال نظام التعويض غير واضح. غير أن في الأمر منطقًا تجاريًا قاسيًا لا يخفى على أحد.
فإذا كان راوٍ بعينه مطلوبًا بشدة في نوع أدبي معين، وكان المؤلف يعلم أن اسم هذا الراوي وحده كفيل ببيع الكتب، فقد تصبح النسخة المستنسخة من صوته مرغوبة بالقدر نفسه. فالرواة المحترفون لا يستطيعون عادة تسجيل أكثر من خمسين كتابًا في السنة. أما استنساخ الصوت فسيمكن الراوي المعروف من إنتاج مئات العناوين في العام الواحد. بل لا يكاد يوجد حد نظري لعدد الكتب التي يمكن أن تُنسب إلى صوته. فيحصل المؤلف على اسم الراوي الشهير على غلاف كتابه، ويحصل الراوي على دخل متواصل من العوائد.
أما أنا، بوصفـي راوياً متفرغًا، فأكون في العادة محجوزًا للعمل مدة تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر مقدمًا، ولذلك أضطر في كثير من الأحيان إلى رفض الكتب أو اختبارات الأداء التي تتطلب إنجازًا سريعًا. وتذهب تلك الأعمال إلى ممثلين آخرين، وقد أفدت أنا نفسي مرارًا من مشاريع اضطر غيري إلى رفضها. غير أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي الجديد لا يترك مجالًا لمثل هذا الرفض؛ فالنسخة المستنسخة من الراوي لا تقول «لا» أبدًا. وبحكم منطق السوق الرأسمالية، سيحصل الرواة المشهورون والمشاهير شيئًا فشيئًا على النصيب الأكبر من العمل، بينما يُضغط الرواة من الطبقة الوسطى خارج دائرة الدخل والوظائف.
ولن أكون مضطرًا إلى منافسة الرواة الأحياء وحدهم، بل سأنافس أيضًا أصوات الموتى. فمجرد ثلاثين دقيقة من تسجيلٍ واضح تكفي لاستنساخ صوت، والرواة الراحلون تركوا وراءهم آلاف الساعات من التسجيلات النقية التي يستطيع الذكاء الاصطناعي استخراجها. ومن أشهر الأمثلة على ذلك الممثل إدوارد هيرمان، المعروف بدوره في مسلسل Gilmore Girls، وبروايته لعدد كبير من الكتب مثل The Boys in the Boat وUnbroken. فقد توفي هيرمان عام 2014، لكن ممتلكاته قامت باستنساخ صوته، وأصبحت تنتج به عناوين جديدة كأنما يرويها راوٍ عائد من الموت. ومع رحيل مزيد من الرواة الكبار سنًا، لن يزداد هذا الجيش من الأصوات «غير الحية» إلا تضخمًا.
*
ولم يكن البشر في تاريخهم بعيدين عن الاندفاع نحو الآلة. ففي كتابه البارز عن حركة اللوديين Blood in the Machine يكتب الصحفي Brian Merchant عن الحتمية التي تلازم عملية الأتمتة:
إن منطق الرأسمالية حين يُترك بلا قيد يضمن أن أي جهاز يوفر العمالة أو يخفض التكاليف أو يعزز السيطرة سيُستخدم في نهاية المطاف، مهما كانت البنى الاجتماعية التي ستتصدع بسبب تلك التقنيات. ويمكن أن نسمي هذا «القانون الحديدي للأتمتة الباحثة عن الربح»: فما إن تظهر وسيلة جذابة لإلغاء التكاليف عبر آلة أو برنامج، حتى يُصار إلى نشرها.
ويتحدث ميرشانت في الأساس عن أتمتة العمل اليدوي: عن الأنوال الميكانيكية والمكوكات التي اجتاحت إنجلترا في القرن التاسع عشر. غير أن المنطق الربحي ذاته سيغري الناشرين اليوم. فالأصوات الاصطناعية تخفض التكاليف، وتمنح السيطرة، وتوفر العمالة. غير أن الآلة الرأسمالية لا تكاد تميز بسهولة بين العمل اليدوي والعمل الإبداعي. والمفارقة أنني اضطررت، بسخرية لا تخفى، إلى رفض اختبار أداء لرواية كتاب Blood in the Machine لصالح دار Hachette بسبب حدودي البشرية في الوقت والجدولة.
وفي مجتمع الرواة الذي أنتمي إليه تتكرر حجتان باستمرار: الأولى أننا لا بد أن نتكيف مع هذه التقنية الجديدة، والثانية أن الذكاء الاصطناعي «مجرد أداة». وتقول الحجة الأولى إن المؤدين عبر التاريخ كانوا دائمًا مضطرين إلى التكيف مع التغير التقني. ويستشهد أنصار هذا الرأي بمقارنات من الماضي: فيتحدثون عن ممثلي الفودفيل الذين انتقلوا إلى السينما الصامتة، وعن ممثلي السينما الصامتة الذين اضطروا لاحقًا إلى التكيف مع ظهور الأفلام الناطقة، ثم عن انتقال الممثلين إلى مجالات جديدة مثل الأداء الصوتي للرسوم المتحركة وتقنيات التقاط الحركة.
إن ما تغفله هذه الحجة أنها تتعامل مع الأمر كأنه مجرد وسيط جديد، والحقيقة أننا بإزاء انقلابٍ شامل لا تحسين فيه ولا ترميم، بل إحلالٌ واستبدال. لسنا أمام فنٍ جديد من فنون السينما، ولا أسلوب أداء تفرضه تقنية طارئة يحتاج الممثل أن يطوّع له أدواته، وهو مطمئن إلى أن جوهر الأداء — من ضعفٍ إنساني وتعبيرٍ حي — باقٍ في قراره لا يتغير. إن استنساخ الصوت قد يكون تكيفًا في حسابات السوق، ولكنه ليس تكيفًا في جوهر الأداء؛ إذ لا يُضيف إلى الفن أفقًا، بل ينتزع منه روحه.
وإلى جانب دعوى «التكيف»، تتردد مقولة أخرى لا تقل شيوعًا، وهي أن الذكاء الاصطناعي «مجرد أداة» في يد الممثل، كسائر الأدوات التي يستعين بها. وأقول: نعم، يمكن للعاقل أن يتصور راوياً يستخدم الذكاء الاصطناعي لتيسير الفوترة، أو لتحسين خفض الضوضاء في التسجيل، أو لتحليل النصوص واستخراج ملامح الشخصيات. أما أن يُستبدل صوت الراوي نفسه بشبحٍ مكسورٍ من صدى الآلة، فذلك ليس استخدامًا لأداة، بل هو خروجٌ إلى طورٍ آخر، هو استبدال الحي بالميت.
*
وتقف Audible موقفًا يشي بازدواجٍ لا يخفى. ففي عام 2023 تلقيت منها هدية عيد ميلاد أنيقة من استوديوهاتها المعنية بالرواة البشر: سماعات من Beats ودفتر يوميات، في علبة أُحكم تصميمها على يد فنان محلي. وكان في رسالتهم: «نحتفل بقوة السرد الملهم، ونشكرك لأنك عنصر أساسي في جعل القصص تنبض بالحياة». ولكن صوتي لم يكن «أساسيًا» إلى هذا الحد؛ فما لبثوا في العام نفسه أن طرحوا أصواتهم الافتراضية، وهي خطوة لا تخفى غايتها في تقليص أثر السرد البشري. فكأنما للمخلوق الواحد ذراعان: إحداهما تمتد لتحتفي، والأخرى تنقبض لتقصي.
وبعد عامين من إصابة طياتي الصوتية، لم أعد أملك من التحمل ما كنت أملكه. فاليوم الطويل أمام الميكروفون يورثني ألمًا في عضلات الحلق، كأن قزمًا ضئيلاً قد انهال على حنجرتي ركلًا. وتمارين العلاج الصوتي صارت جزءًا من طقسي اليومي لا ينفك عني. ومع ذلك فأنا ممتن: ممتن للقصص التي أرويها، إذ تذكرني في كل مرة أنني إنسان، أتألم، وأفنى، ولن أبقى.
وكنت أقرأ بصوتٍ عالٍ لأولادي الثلاثة كتاب The Fellowship of the Ring، وهو من كتب طفولتي الأولى. وأطفالي رقيقو الحس، ترتجف قلوبهم عند ذكر أشباح الخاتم في نص تولكين. وكان أصغرهم أشدهم اضطرابًا حين اضطر سام إلى أن يترك رفيقه الوفي «بيل» عند أبواب موريا. ينظر إلي من سريره العالي بعينين متسعتين، وقد استغرقته القصة حتى غاب عما سواها. وأنا هنا، حي، حاضر في هذه اللحظة وحدها، موصول بأسرتي بخيط الحكاية. وذلك — في حقيقته — كافٍ.
وبعد أن استمعت إلى الأصوات الاصطناعية، ورأيت زملائي الرواة يسكبون أرواحهم في فنهم، أيقنت أننا لن نُستبدل استبدالًا تامًا. وعدت أستمع إلى صوت أبي في شريط الكاسيت الوحيد الذي بقي لي، وقد رُقمن الآن في ملف.
وتعرض شركة ElevenLabs خدمة استنساخ الصوت بثمن يسير. ويمكنني أن أرسل إليهم هذا الملف لأجرب أن يتحدث إلي أبي من وراء الحجاب. غير أن الفكرة نفسها تنفر منها نفسي. فأنا أذكر ضحكته، وابتسامته، وهو وزوجته يمسكان بأيديهما في ظلمة السيارة، يغنيان في خفوتٍ أغنية Let Me Tell You About the Birds and the Bees، بينما كنت أنا في المقعد الخلفي أتصنع النوم.
هذه الذكريات، وصوته معها، قد صقلها الألم، ومرّ بها الزمن، حتى غدا الصوت في الشريط غريبًا عليّ بعض الغرابة. والحقيقة أن الأمر ليس أمر الصوت في ذاته. فكثيرًا ما يقول لي الداخلون الجدد إلى عالم الكتب الصوتية: «لقد قيل لي دائمًا إن صوتي جميل، فلعلني أجرب الرواية». فأقول لهم: ليس الشأن شأن الصوت، بل شأن القدرة على الحكاية. إن إحياء صوت أبي على هذا النحو ليس إلا ضربًا من التلذذ العاطفي العقيم؛ إذ لن يكون فيه إلا صوتٌ بلا باطن، وكلامٌ بلا حياة. وما أشتاق أن أسمعه — ولن أسمعه — هو كلمة واحدة في صوته: «أنا فخور بك».
وفي حياتي، ومهنتي، وقصتي، لا أرى للمقاومة إلا سبيلًا واحدًا. لسنا بحاجة إلى أن نقلد اللوديين فنرفع المطارق لنحطم الآلات؛ فهذه الآلات تقيم في السحاب، فأي شيء يُحطم؟ بل كما في أسطورة جون هنري، فالمطرقة في أيدينا، ولكنها المطرقة الأقدم والأمضى: إنها الحكاية. بها نُعرّف، وبها نُعرَف. أما أصوات الذكاء الاصطناعي فليست إلا أبناءً شاذين عن الفطرة، لا يُرجى لهم إلا أن يُتركوا على سفح الجبل حتى يفنيهم العراء.
وقد صدقت Mary Shelley منذ أكثر من قرنين. ففي كل ثقافة، وفي كل زمان ومكان، عرف الإنسان أن ينفر مما يشبهه ولا يطابقه: الطفل المبدل في الأساطير الأوروبية، والنظرات الغريبة التي تحدق بنا، وكيتسونه في اليابان، والمامونا في بولندا، وبلانتين كايل في ويلز، و أوغبانجي في ثقافة الإيغبو، والغولم الذي يهمس بلا إنسانية. وقد أطلقت عليهم شيلي اسمًا لا يزال صادقًا إلى اليوم: إنهم وحوش.
فماذا نخسر إذا ألقينا بإنسانيتنا خارجنا؟ إننا، شيئًا فشيئًا، وقصةً بعد قصة، نزداد فقرًا. وقد قال ويندل بيري: «إن اقتصاد الآلة قد أشعل نارًا في بيت الروح البشرية». لقد شغلنا الخوف من أن نصير أدواتٍ جامدة، أو بطارياتٍ بشرية، أو ضحايا لجبروت الحديد، عن خطرٍ أدق وأخبث: أن نسلم فننا وإبداعنا للخوارزميات. فإذا مضينا في هذا السبيل، فما الذي يبقى لتلك السيادة الاصطناعية كي تغزوه؟ لن تكون هناك ثورة، ولا مقاومة، بل سنكون — على نحوٍ يدعو للأسى — قد سلمنا كل شيء، قصةً بعد قصة.
نُقل من lithub بقلم آدم فيرنر
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.



