شعب الله المختار: كيف صحّح القرآن وهمَ الاختيار في الكتاب المقدّس؟
يُبيّن المقال المعنى القرآني الدقيق لاختيار بني إسرائيل وتصحيحه.
مقدمة
إنّ اختيارَ بني إسرائيل من قِبَل الله يحتلُّ في اليهودية مكانًا مركزيًّا، إذ هو الموضوعُ الرئيسي في تاريخها وتأويل كتابها المقدس. فالكتاب العبري، أو التناخ، يبدأ برواية الخلق، وما يلبث أن ينتقل سريعًا إلى خلق الإنسان، ثم لا يلبث أن يوجّه اهتمامه إلى إبراهيم، ثم إلى نسله، وبخاصة أحفاده من يعقوب الذي سُمّي إسرائيل. فكأنما هذا الكتاب قد صيغَ ليكون تاريخًا لبني إسرائيل، حيثُ تؤدّي الأمم الأخرى أدوارًا ثانوية، بل يبدو حتى الإله، في سردهم، وكأنه يخصّهم بعنايته واهتمامه دون سائر خلقه. وهكذا يُقدَّم هذا الشعب الإثنيّ – أي الجماعة العرقية – بوصفه شعبَ الله المختار ومركزَ مقاصده في الكون.
ولمّا جاء المسيحيون الأوائل، لم تكن لهم رؤية واحدة متفقٌ عليها في شأن العلاقة بين الكتاب العبري ورسالة المسيح، غير أنهم قَبِلوا هذا الكتاب بوصفه كلمةَ الله. فالمسيحية ورثت عن اليهودية فكرة «شعب الله المختار»، غير أنها أعادت صياغتها بما يلائم حاجاتها اللاهوتية الجديدة، فصارت الكنيسة هي الشعب المختار الجديد الذي اصطفاه الله.
ثم جاء القرآن الكريم، فذكر أنّ بني إسرائيل قد كانوا مختارين ومفضَّلين من الله على العالمين، ولكنه فسّر هذا الاختيار على نحوٍ يغاير ما جاء في اليهودية، ويختلف عمّا تبنّته المسيحية. وقد أجمع علماء المسلمين أن هذا التفضيل في القرآن لا يحمل معنى الديمومة ولا الامتياز المطلق كما في العقيدة اليهودية، بل هو اختيارٌ مشروط، يقوم على الطاعة والوفاء بالعهد، غير أنّهم حين تناولوا المعنى الدقيق لهذا الاختيار تحدّثوا في الغالب بعباراتٍ عامّة، مكتفين بالإشارة إلى النِّعم الإلهية التي ورد ذكرها في مواضع شتّى من الكتاب العزيز. ولكن هذه الإشارات العامة لا توضّح معنى «الاختيار» توضيحًا كافيًا، لأنها لا تفرّق بين الألفاظ القرآنية المتعددة الدلالة في هذا الباب، فكثيرًا ما تختلط مصطلحات ومفاهيم متقاربة وإن اختلفت معانيها الدقيقة.
هذا البحث يحاول أن يبيّن أنّ التمييز بين المصطلحات القرآنية المختلفة هو الطريق إلى فهم المعنى الدقيق لاختيار بني إسرائيل وما يتصل به من مفاهيم. وبذلك يمكن الوصول إلى تفسير بسيطٍ، متماسكٍ، مقنعٍ، يصحّح ما في الفهمين اليهودي والمسيحي من التباسٍ في معنى اختيار الله لبني إسرائيل.
اختيار بني إسرائيل غير المتماسك في الكتاب المقدس
وقد عرض الكتاب العبري في هذا الصدد رواياتٍ شتّى عن عهودٍ عقدها الله مع الناس. فأول تلك العهود هو العهد الذي قطعه الله مع نوح، إذ وعد أن لا يُهلك الأرض بطوفانٍ شاملٍ بعد ذلك أبداً، وجعل قوس قزح آيةً تذكّر بهذا العهد.
ثمّ جاء العهد الثاني، وهو ما وعد الله به إبراهيم بأن يجعل نسله شعبَه المختار. وقد ورد أولَ مرة حين أمر الله إبراهيم، وكان ابن خمسٍ وسبعين سنة، أن يترك حاران — التي يُظن أنها هي حران المعروفة اليوم في جنوب شرقي تركيا — وأن يسير إلى كنعان، تلك الأرض التي أخبره الله أنه سيهبها لنسله من بعده.
ومنذ ذلك الحين، يتكرّر وعد الله لإبراهيم في نصوصٍ متعددة من “سفر التكوين”، منها قوله لإبراهيم وقد بلغ تسعًا وتسعين سنة:
“وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ.وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ”
ويصف العهد القديم هذا الاختيار بلغةٍ تنضح بالخصوصية والعزلة الدينية، إذ يُرسم الله فيها وكأنه إله شعبٍ بعينه، لا رب العالمين كافة. فالإله في تلك الصفحات لا يتوجه بخطابه إلى البشرية جمعاء، بل إلى بني إسرائيل وحدهم، وهو ما يجعل صورته، في نظر القارئ، صورة إله قومي أكثر منها صورة الإله الكوني.
ومن أراد الدليل على هذا الحصر، فلينظر في سفر الخروج، الكتاب الثاني من التوراة، الذي يبدأ بسرد حال بني إسرائيل وقد كثر عددهم في أرض مصر، فخافهم فرعون واستعبدهم. ففي هذا السفر يُذكر لفظ “إله” سبعًا وعشرين مرة، كلّها تشير إلى الله في علاقته بالعبرانيين وحدهم. ويمكن إجمال ذلك على النحو الآتي:
«إله العبرانيين» ذُكرت ستّ مرات،
و«إله إسرائيل» أربع مرات،
و«إله إبراهيم، إله إسحاق، وإله يعقوب» تسع مرات (ثلاثة أضعاف)،
و«إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب» مرة واحدة،
و«إله آبائكم» ثلاث مرات،
و«إله آبائهم» مرة واحدة،
و«إله أبيك» مرة واحدة،
و«إله أبي» مرتين.
ولا نجد في هذا السفر – على سعته – موضعًا واحدًا يُشار فيه إلى الله بأنه إله المصريين، أو إله الأمم الأخرى. وكذلك الشأن في تعبير “شعبي”، إذ يُستعمل – على لسان الله – للإشارة إلى بني إسرائيل وحدهم سبعًا وعشرين مرة أخرى. وبذلك يبلغ مجموع المرات التي يرد فيها وصف الله بأنه “إله إسرائيل” أو قولُه “شعبي” أربعةً وخمسين مرة في سفرٍ واحد!
إن هذا التصوير يُظهر الله كما لو كان إلهًا قبليًّا محدود السيادة، وهو تصوير يناقض فكرة الألوهية الكلية التي يفترضها النص نفسه حين يسميه أيضًا “ربّ الجميع”. هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: إلهٌ يُفترض أنه خالق الكون كله، ولكنه لا يُعنى إلا بأمّة واحدة.
وقد لاحظ العلماء الغربيون هذا التناقض منذ القرن التاسع عشر، فأجمعوا على أن بني إسرائيل الأوائل لم يكونوا موحّدين على النحو الذي تصوّره الكتب المتأخرة، بل كانوا – في بداياتهم – يعتقدون أن لكل قبيلةٍ أو أمةٍ إلهها الخاص. وأول من فصّل القول في ذلك كان المستشرق الألماني يوليوس ڤيلهوزن (Julius Wellhausen)، الذي قرر أن الإسرائيليين لم يؤمنوا في الأصل بأن “يهوه” هو الإله الوحيد، بل هو أقوى الآلهة، وكانت سلطته – كما اعتقدوا – مقصورة على أرض إسرائيل، شأنه شأن آلهة الشعوب الأخرى المقيدة بأوطانها.
بل تُشير نصوص العهد القديم نفسها إلى أن بني إسرائيل عبدوا آلهةً أخرى إلى جانب “يهوه”، ثم ما لبث كهنتهم وأنبياؤهم أن أعادوا صياغة تاريخهم لتغليب صورة التوحيد فيما بعد.
غير أن القرآن الكريم يفسّر ما في الكتاب المقدس من لغةٍ مشوبةٍ بالشرك والتوحيد تفسيرًا مختلفًا. فديانةُ بنى إسرائيل، كما علّمها الآباءُ والأنبياء، كانت دائمًا ديانةَ توحيدٍ خالص، تعترف بإلهٍ واحدٍ لا شريك له، وتدعو بنى إسرائيل وسائر الناس إلى عبادته وحده. وأما الفقرات التي تُوهم بالشرك في الكتاب المقدس فليست من صلب ما علّمه إبراهيم أو الأنبياء الذين جاؤوا بعده، بل هي انعكاس لانحراف بعض بني إسرائيل عن العقيدة التي ورثوها عن آبائهم الأنبياء.
وقد سجّل القرآن هذه الانحرافات بدقةٍ ووضوح، كما في قوله تعالى عنهم بعد أن أنجاهم الله من فرعون:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138].
ثم قال سبحانه في موضع آخر مصورًا ما جرى بعد أن تركهم موسى عليه السلام وذهب لميقات ربه:
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۚ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 148].
فهاتان الحادثتان – عبادة العجل، وطلب صنع صنم – تمثلان خروجًا مؤقتًا على التوحيد، لا تعليمًا أصيلًا ولا من تعاليم نبيّهم.
ومن هنا يختلف المنظور القرآني عن التصور الغربي الحديث، الذي يرى أن مفهوم “الاختيار الإلهي” نشأ أصلًا في بيئةٍ تؤمن بتعدد الآلهة، حيث كانت كل أمة تزعم أن إلهها اختارها دون سواها. ففي مطلع القرن العشرين، ذهب الباحث باويس سميث (Baues Smith) إلى أن هذه العلاقة بين الإله والأمة كانت وسيلة لتبرير الهيمنة السياسية والدينية لتلك الأمة على غيرها. ثم لما أصابت الكوارث بني إسرائيل، وفقدوا سلطانهم، لم يعودوا قادرين على ادعاء التفوق العالمي، فحوّل أنبياؤهم معنى “الاختيار” من السيطرة إلى الرسالة الروحية، فصاروا يرون أنفسهم معلمي العالم ومنقذيه بدل أن يكونوا سادته.
وقد رأى الباحث روفين فايرستون (Reuven Firestone) أن هذا التحول من مفهوم الإله القبلي إلى الإله الكوني ترافق مع انتقال بني إسرائيل من التعدد إلى التوحيد. فلما آمنوا بأن إلههم هو الإله الواحد، لم يعد اختيارهم يعني أنهم “شعب إلههم”، بل أنهم “الشعب المختار من قِبَل الإله الواحد”.
غير أن القرآن الكريم يقدّم صورة مغايرة تمامًا لهذا المسار التاريخي. فهو لا يرى في اختيار بني إسرائيل امتيازًا مطلقًا، بل ابتلاءً ومسؤولية، ولا يربطه بتعدد الآلهة، بل بالتوحيد ذاته. إن الله جل شأنه اصطفاهم، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: 32]،
لكن هذا الاصطفاء كان لاختبارهم في أداء الأمانة، لا لمنحهم السيادة على الناس.
على أن الكتاب المقدس، إذ جعل اختيار بني إسرائيل محور تاريخه ولاهوته، وقع في معضلتين متلازمتين: لم يقدّم تفسيرًا معقولًا لمعنى هذا الاختيار، ولم يبيّن مبررًا منطقيًا له.
فها هو سفر التثنية (الإصحاح السابع، العدد السادس) يقول:
“لأنكم شعبٌ مقدسٌ للرب إلهكم، قد اختاركم الرب إلهكم لتكونوا له شعبًا خاصًا، فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض.“
ليس الكتاب المقدس صريحًا في بيان المقصود من جعل بني إسرائيل شعب الله المختار. فلو أن هذا الاختيار ارتبط فقط بمنحهم شريعة موسى، لكان في ذلك ما يفسِّر مكانتهم، ولكن النص نفسه يثبت أن الاختيار سابقٌ للناموس بقرون، وأن التوراة لم تكن سببًا في الاختيار، بل نتيجةً له. ومن ثمّ صُوِّر منح التوراة كأنه فعل حبٍّ إلهي موجه إلى قومٍ سبق أن اصطفاهم الله دون سائر البشر.
فهل يكون الوعد بالأرض المقدسة هو العلة التي تفسر الاختيار؟ يبدو ذلك تفسيرًا ممكنًا لو نظرنا إليه من زاويةٍ دنيويةٍ بحتة: كمالكٍ يمنح عبيده قطعة أرض ليقيموا فيها. غير أن الفكرة تتهدّم حين يُراد بها تسويغ اختيارٍ أبديٍّ لشعبٍ من البشر دون سائر الخليقة. إذ كيف يُعقل أن يُعلَّل اختيار إلهي خالد بمنحةٍ أرضيةٍ زائلة؟
بل إن تركيز التوراة على الأرض، وعلى خصبها ومنافعها المادية، يتسق تمامًا مع جهل العهد القديم بفكرة الحياة بعد الموت. فالنصوص تُطنب في مدح الأرض المقدسة لما فيها من خيرات: “أرض تفيض لبنًا وعسلًا”، وتربط بين التقوى وازدهار المحاصيل، والبرّ واستمرار المطر، في دلالةٍ على أن الثواب دنيويٌّ صرف، وأن الجزاء الأخروي لا يحتل في الفكر الإسرائيلي القديم إلا مكانًا هامشيًّا أو غامضًا.
أما تفسير فعل الاختيار نفسه، فقد أحجم الكتاب المقدس عن تقديم أي تبريرٍ منطقيٍّ له، حتى بدا هذا الاصطفاء عملاً تعسفيًا إلهيًا بلا علةٍ ظاهرة. ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما جاء في سفر التثنية (الإصحاح التاسع، من العدد الرابع إلى السابع)، على لسان موسى يخاطب قومه بعد خروجهم من التيه:
«عندما يطرد الرب إلهكم هذه الأمم من أمامكم، لا تقل في قلبك: لأجل برِّي أدخلني الرب لأمتلك هذه الأرض؛ بل لأجل شر هذه الأمم يطردهم الرب من أمامك. ليس لأجل برك ولا لأجل استقامة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم، بل لأجل شر هذه الأمم يطردهم الرب إلهك من أمامك، ولكي يفي بالكلمة التي أقسم بها للآباء، إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فاعلم أنه ليس لأجل برك يعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها، لأنك شعب صلب الرقبة. اذكر ولا تنس كيف أغضبت الرب إلهك في البرية؛ فمن اليوم الذي خرجت فيه من أرض مصر حتى وصلت إلى هذا الموضع، كنتم متمردين على الرب.»
إن هذا النصّ يقدّم تبريرًا ظاهريًا لإعطاء الأرض، لكنه سرعان ما ينقض نفسه، إذ يُذكِّر بني إسرائيل أنهم لم يستحقوا هذا الفضل ببرهم، بل إنهم «شعب صلب الرقبة». وهكذا يتحول التفسير من منحةٍ للفضل إلى تجسيدٍ للمنة، ومن الوعد بالتكريم إلى التأكيد على عدم الاستحقاق.
وفي ضوء هذا التناقض، ميّز علماء الكتاب المقدس بين عهدين:
العهد الإبراهيمي، الذي فيه وُعد نسل إبراهيم بالاختيار، ويُعدّ عهدًا غير مشروط، لأن الله أبرمه بسلطانه دون قيدٍ أو شرطٍ على بني إسرائيل.
والعهد السينائي (الموسوي)، الذي أُعطيت فيه الشريعة في جبل سيناء، وهو عهدٌ مشروط، إذ نصّ على أن دوام النعمة مرتبطٌ بطاعة بني إسرائيل لله، كما في قوله في سفر التثنية (الإصحاح السابع، العدد 12):
«وإذا سمعتم هذه الأحكام وحفظتموها وعملتم بها، فإن الرب إلهكم يحفظ لكم العهد والرحمة التي أقسم بها لآبائكم.»
غير أن هذا التمييز نفسه يولّد مفارقةً عجيبة: فالعهد الموسوي مشروط بالطاعة، ولكن الاختيار الإلهي غير مشروط البتة. فمهما عصى الإسرائيليون أو فجروا، يبقون – بحسب النص – «شعب الله المختار»، لا يفقدون مكانتهم، وإن حاقت بهم العقوبات. ولذلك يُوصَف التزام الله بهم بأنه أبديٌّ لا يُنقض، كما في سفر إرميا (الإصحاح الثلاثون، من العدد الثاني إلى الثالث):
«هكذا قال الرب، إله إسرائيل: اكتب لك كل الكلام الذي كلمتك به في كتاب. لأن ها أيام تأتي، يقول الرب، وأردّ سبي شعبي إسرائيل ويهوذا، يقول الرب، وأرجعهم إلى الأرض التي أعطيتُها لآبائهم فيملكونها.»
من اللافت أنّ “إله إسرائيل” لا يزال، في نصوص الكتاب المقدس، يشير إلى ذلك الشعب المعاقب الذي فقد الأرض المقدسة بوصفه شعبه المختار. فسواء أكانوا في حال النصر أم الهزيمة، في موضع الثواب أم العقاب، يبقى الإسرائيليون شعب الله المختار في جميع الأحوال. ولا تبدو صلاحية أية أمةٍ أخرى، مهما بلغت، كافية لتجعلها مختارة بدلاً منهم. غير أنّ المسيحية غيّرت هذه العقيدة التوراتية، كما سنرى لاحقًا.
إن مفهوم الاختيار في الكتاب المقدس، شأنه شأن مفهوم الأرض الموعودة، غامضٌ ومضطرب؛ إذ إن النصوص المتعلقة به غير متماسكة، حتى ليغدو الفهم الدقيق للمبدأ أمرًا متعذرًا. لكن ما هو واضح، رغم ذلك، هو الادعاء المقارن في صميم الفكرة: فالإسرائيليون هم “أكثر الشعوب بركة”، وأفضل من سائر الأمم، وأحب إلى الله من غيرهم. إنهم شعب الله المميز. ومع هذا كله، فإن الكتاب المقدس يعجز عن تفسير أو تبرير هذا الاختيار الإلهي الفريد.
أصل هذا الاختيار المربك والمتناقض هو طبيعته العرقية. فمن المفهوم أن يحبّ الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب لبرّهم، غير أنه اختار – دون تفسير – جميع نسل أحد هؤلاء الآباء الثلاثة كشعبٍ له، كما ورد: «ولأنه أحبّ آباءك اختار نسلهم من بعدهم»؛ مع علمه التام بأنهم سيكونون شعبًا عاصيًا على مدى التاريخ.
ويُوصَف هذا الاختيار بأنه “عهد” يفرض التزاماتٍ على بني إسرائيل، لكنه في حقيقته التزامٌ من طرفٍ واحد، لأن الله تعهد به عهدًا أبديًّا غير مشروط. ولم يستطع كتّاب الكتاب المقدس إنكار أن تاريخ بني إسرائيل هو تاريخ عصيانٍ متواصلٍ وكوارث وطنيةٍ متكررة ارتبطت بتمردهم على الله؛ غير أنهم لم يتخلّوا مع ذلك عن رسالتهم العرقية المركزية.
فالإسرائيليون، وفقًا للكتاب المقدس، لم يُختاروا لبرّهم أو لأي فضيلةٍ فيهم، بل اختيروا لعرقهم؛ إذ يقرّ النص صراحةً بذلك. وكانت النتيجة الحتمية اختيارًا غير متماسكٍ ومتناقضًا. إنه تناقضٌ كتابيٌّ عميق، يجيء القرآن الكريم ليكشفه ويصحّحه.
اختيار بني إسرائيل في الدراسات الغربية
يتناول هذا القسم عرضًا سريعًا لكيفية تعامل الدراسات الغربية مع هذا المفهوم التوراتي الجوهري. وسنشير إلى اليهودية المبكرة، على أن نناقش لاحقًا كيف تبنّت المسيحية هذا المفهوم وطوّرته.
يُقرّ العلماء من اليهود والمسيحيين والعلمانيين، على اختلاف توجهاتهم، بأن عرض الكتاب المقدس لاختيار إسرائيل عرضٌ مربك إن لم يكن غير متماسك، كما تقدّم بيانه. فالقضية الجوهرية تكمن في الادعاء بأن الله، ربّ الخليقة كلها، يفضّل مجموعةً عرقيةً واحدة على سائر البشر. وهذه دعوى جوهرية صعبةٌ في ذاتها، وتزداد تناقضًا حين يصرّ الكتاب المقدس على أن بني إسرائيل لم يُمنحوا هذه المكانة استحقاقًا، بل نعمةً محضة.
ولقد استقرّ كثيرٌ من العلماء اليهود والمسيحيين على تفسير هذا الاختيار بأنه تعبير عن محبة الله لبني إسرائيل. غير أن هذا الحب، كما يقول كامينسكي، «غامض» لأنه «غير مفسّر». وبيّن ساندرز أن محبة الله لإسرائيل موضوعٌ ثابتٌ في الأدب التناخي، لكنها ليست تفسيرًا كافيًا. كما أشار نوفاك إلى أن القول بأن الله أحبّ إسرائيل لأنه أحبّها هو تكرار دائري لا يضيف شيئًا إلى الفهم، إذ يُفسَّر الاختيار غير المستحق بحبٍّ غير مستحق.
ويبقى السؤال مطروحًا: لماذا أحبّ الله إسرائيل؟ سؤالٌ لا إجابة له؛ ومن ثمّ يبقى اختيار إسرائيل لغزًا. يُستدعى الحب الإلهي لتفسير الاختيار، لكنه سرعان ما يغدو نعمةً أخرى تطالب بتفسيرٍ جديد. وكما ورد في القول المأثور: «أولئك الذين يحبهم الملك أعظم من أولئك الذين يحبون الملك».
وثمّة محاولة أخرى للتفسير تجعل اختيار الإسرائيليين تحقيقًا للوعد الذي قطعه الله لأسلافهم. وقد نصح أحد العلماء اليهود بأننا عند دراسة هذا اللغز ينبغي أن «نتجنّب الإجابة التي تفعل أكثر مما يجب». والمفارقة أن هذا الغموض المقصود شائعٌ في مؤلفاتٍ ودراساتٍ تستعمل كامل طاقة العقل لتشييد حججٍ عقلانيةٍ معقدةٍ دفاعًا عن اللاهوت التوراتي، بما في ذلك فكرة اختيار بني إسرائيل.
وقد يُرضي هذا الاتجاه أولئك الذين يرون أنفسهم امتدادًا للإسرائيليين القدماء (اليهود)، أو الذين يؤمنون بأنهم إسرائيل الجديدة (المسيحيون)، إذ تخدمهم هذه العقيدة اللاهوتية النافعة. أما بالنسبة لبقيتنا، بمن فيهم اليهود والمسيحيون الذين لا يعتقدون بعصمة اللاهوت التوراتي أو بوحيه الكامل، فإن هذا التفكير الدائري للحب والاختيار، الذي يثبت تفرد إسرائيل من خلال تأكيد تعسف القرار الإلهي، لا يمكن أن يكون مقنعًا.
فالله ليس إلهًا غير عقلاني، ولا يكافئ الجهل، ولا ينشئ الغموض. إن إحالة التفسير إلى لغز الحب الإلهي لا تعالج المشكلات الجوهرية في مفهوم اختيار بني إسرائيل، بل تدفنها. فالاختيار العرقي غير المفسر وغير المبرر هو إهانةٌ للعدالة الإلهية ولسيادة الله المتساوية على جميع الأمم، كما أوضح ديفيد كلاين في ملاحظاته النقدية التالية:
«لا شك أن أسفار موسى الخمسة تصوّر الله على أنه إله العبرانيين — إله العبرانيين فحسب، لا إله المصريين أو الحيثّيين مثلاً، وإن كان خالقهم بمعنى ما. هذا حسنٌ إن كنتَ إسرائيليًا ولا شأن لك بالحيثّيين. فكل ما تحتاج إلى معرفته أن يهوه هو إلهك.
لكن إن كنتَ حيثّيًا، أو قارئًا للأسفار الخمسة في القرن العشرين، فكم يبدو غريبًا أن تواجه إلهًا مقصورًا على أمةٍ واحدةٍ بعينها، أمةٌ تزعم أنه إلهها الخاص، وهو يعترف بذلك صراحةً! فما المعنى في هذا الترتيب؟ وأي تبريرٍ قُدِّم له، خصوصًا أن الأسفار نفسها تُظهر الله خالقًا للعالم بأسره؟
وقبل كل شيء، ما الذي تقوله هذه الحصرية عن طبيعة الإله الموصوف هنا؟ إن الأسفار الخمسة لا ترى في ذلك مشكلةً تحتاج إلى تبريرٍ أو اعتذار؛ بل تؤكد غياب أي تبرير لاختيار إسرائيل كشعب الله. فهي لا تعتبر أن فكرة وجود أمةٍ واحدةٍ فقط مختارة، وترك بقية البشر غير مختارين، هي بحد ذاتها مشكلة.
ويجب ألا تجعلنا الألفة اللغوية، ولا اعتياد الزمن، نغفل عن صدمة الضمير الحديث — الديني أو غير الديني — التي ينبغي أن توقظها مثل هذه النزعة القومية المغلقة. كما لا ينبغي أن نطمس ملامح هذا التصوير المخصوص لله في الأسفار الخمسة بمصالحةٍ ساذجةٍ مع الإله الكوني للمسيحية، ولا أن نعلو على هذا الإله القديم بتبرير ضيق أفقه بأنه مرحلةٌ ضروريةٌ في تطور الدين.»
غالبًا ما يجادل معارضو هذا النوع من التدقيق العقلاني بأنه مضلل لأنه يطبق قيم التنوير على اللاهوت الكتابي. المشكلة في نقد الاختيار بهذه الطريقة، بكلمات أحد العلماء اليهود، هي أن “النص الكتابي قد لا يكون متوافقًا مع الأخلاق الليبرالية والديمقراطية والمتعددة الثقافات المنتشرة الآن”. ويقرّ عالم مسيحي آخر بأن الوضع الخاص لإسرائيل يسبب عدم الراحة للمفسر الحديث، لكنه يذهب إلى أبعد من ذلك مشيرًا إلى أن حتى قصص إبراهيم وإسحاق ويعقوب لا تثبت أن اختيار الله لهم كان أكثر من نزوة. فالافتراض بأن اختيار الله يجب أن يكون عادلًا، كما يجادل، يبدو أنه “يستورد قلقًا حديثًا إلى النص”.
وقد اتُهم العقلانيون الأوائل، مثل سبينوزا (توفي 1677م) وكانط (توفي 1804م)، بأنهم همشوا مفهوم الاختيار من خلال الإشارة إلى تناقضه مع الأفكار العالمية للتنوير، وخاصة التوحيد.
كان من الممكن اتهام تطبيق العالمية التنويرية على الاختيار الخاص لبني إسرائيل بأنه تأريخٌ غير مشروع، لو لم تكن اليهودية دينًا حيًا، ولم يُعامل العهد القديم اليوم ككتاب مقدس. لكن الدفاع الحماسي غالبًا عن هذا المفهوم الكتابي في الدراسات الحديثة لا يتم في سياق مناقشة دينٍ قديمٍ كان موجودًا ذات يوم. في الواقع، لم يرفض سبينوزا أن بني إسرائيل كانوا مختارين من الله، لكنه جادل بتفسيرٍ معينٍ لهذا الاختيار وأنه قد انتهى.
إن إلقاء اللوم على التنوير لتساؤله عن عقلانية اختيار بني إسرائيل هو دفاعٌ مضلل. تُظهر الأدبيات الربانية أن العلماء اليهود الأوائل كافحوا أيضًا مع المعنى والتبرير المراوغ لهذا المفهوم. حاولوا أن يُظهروا أنه “لم يكن غريبًا من الله أن يختار اليهود”. وتوصلوا إلى ثلاث إجابات:
عرض الله العهد (والوصايا المرتبطة به) على الجميع، لكن إسرائيل وحدها قبلته؛
اختار الله إسرائيل بسبب بعض الجدارة الموجودة إما في الآباء أو في جيل الخروج أو بشرط الطاعة المستقبلية؛
لا يوجد سببٌ يتجاوز إرادة الله الخاصة.
كانت الأخيرة موقفًا أخيرًا اضطروا إلى اتخاذه فقط عندما لم تكن الإجابة المعقولة ممكنة.
من ناحيةٍ أخرى، تجاهل اللاهوتي اليهودي الكبير في القرن الثاني عشر موسى بن ميمون اختيار بني إسرائيل تقريبًا بالكامل. فهو لا يظهر في مبادئه الثلاثة عشر ولا في مشناه توراة (قوانين أسس التوراة)، وربما يظهر مرة واحدة فقط في كتاباته الأخرى.
نفى ابن ميمون أن يكون للإسرائيليين أي خاصية جوهرية متأصلة تميزهم عن الأمم الأخرى، مؤكدًا أنهم أصبحوا أمةً مقدسةً بتعليمهم التوراة. ومع ذلك، كما لوحظ بالفعل، فإن التوراة تبعت، بدلاً من أن تسبق أو تتسبب في، الاختيار. ومن المحتمل أن ابن ميمون وجد تصوير الكتاب المقدس لاختيار بني إسرائيل غير عقلانيٍ ولا يمكن الدفاع عنه، لذا أقرّ بهذا الموضوع الكتابي الأساسي عابرًا وحاول تقليله.
وقد يكون حله استجابةً لتعاليم القرآن حول اختيار بني إسرائيل، لذا قد يكون سياقه جدلًا يهوديًا-مسلمًا.
علاوةً على ذلك، فإن اختيار الله لبني إسرائيل ليس مسألةً إلهيةً بحتة لا تخضع للتفكير، مثل: لماذا خلق الله الكون؟ أو لماذا فعل ذلك في نقطةٍ معينةٍ من الزمن؟ إنه ليس حتى مسألةً بين الله وتلك الأمة الواحدة فقط، لأن اختيار بني إسرائيل يعني “عدم اختيار” جميع الشعوب الأخرى. حتى أولئك الذين يدافعون عن اختيار بني إسرائيل يعترفون بأن الاختيار ليس بلا تبعات بالنسبة للغير مختارين.
في الواقع، لقد لوحظ أن امتياز الاختيار يمكن أن يكون ضارًا بالغير مختارين. يمكن أن يصور الاختيار غير المقيد اليهود كشعبٍ سيّدٍ (Herrenvolk)، والعلاقة الوحيدة الممكنة التي يمكن أن يكون للأغيار معهم هي “قبول السيادة والتفوق اليهودي، سواء كان سياسيًا أو دينيًا فقط”. ويمكن أن يؤدي إلى “برنامجٍ عمليٍ للهيمنة القسرية”، كما طبقته الصهيونية.
يوافق لوهر مع منتقدين مثل كلاينز على أن “إله المختارين خطير“.
ويقبل كامينسكي أن معاملة الكنعانيين كانت إبادةً جماعيةً، لكنه يرفض الافتراض بأن “معاملة إسرائيل القديمة للكنعانيين كانت نموذجيةً لمعاملتها للغرباء الآخرين“.
وبينما هو صحيح أن الإيمان باختيار بني إسرائيل لا يجب أن يؤدي إلى هيمنةٍ قسريةٍ أو إبادةٍ جماعية، فإن تاريخ دولة إسرائيل الحديثة يُظهر مدى سهولة حدوث ذلك. ويكفي أن نشير إلى حرب إسرائيل المستمرة على غزة، وإلى اللغة الإبادية التي يستخدمها المسؤولون الإسرائيليون مرارًا عند الإشارة إلى الفلسطينيين، بما في ذلك إشارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ذبح شعب عماليق في الكتاب المقدس.
إحدى الطرق لتخفيف مشكلة لاهوت الاختيار كانت التقليل من الدونية المُتضمنة للغير مختارين. وقد توصل كامينسكي إلى حلٍّ إبداعي باقتراح أن الكتاب المقدس يميز بين مجموعتين من الغير مختارين: “غير المختارين” و”المناهضين للاختيار”.
أولئك الذين عانوا من أسوأ عواقب كونهم غير مختارين، مثل الكنعانيين، يُمنحون تسمية “المناهضين للاختيار”. يُنظر إليهم عمومًا على أنهم “خارج نطاق الرحمة الإلهية ومحكومٌ عليهم بالدمار”.
من ناحيةٍ أخرى، فإن الغير مختارين “لديهم مكان ضمن الاقتصاد الإلهي، حتى وإن احتفظوا بوضعٍ مختلفٍ عن إسرائيل، المختارين من الله”.
ويتابع كامينسكي مطمئنًا ملاحظًا:
“في الكثير من الكتاب العبري (وكذلك في الكثير من الفكر الرباني)، كونك غير مختار ليس بأي حالٍ من الأحوال مساويًا لكونك ملعونًا.”
ويجد لوهر هذا التمييز بين الغير مختارين والمناهضين للاختيار مفيدًا لقراءة سفر التثنية. ومع ذلك، يقصر أهمية الأمم غير المختارة على معاملة مختار الله بالبركة، لا بالازدراء. ويبدو أنهم “قادرون على الاستجابة لله بشكلٍ مناسبٍ بينما يظلون خارج شعب الله”.
سؤالٌ آخرُ شغل العلماء، ولا يزال يشغلهم إلى اليوم، هو ما إذا كان اختيارُ إسرائيل مشروطًا أم لا.
يرى ثورنهيل أن كثيرًا من العلماء، ومنهم مؤلفو الهيكل الثاني اليهودي، قد فهموا العهد على أنه يتضمن عناصر مشروطة وأخرى غير مشروطة، وهو ما “يتناغم مع العهد القديم نفسه”.
غير أن ساندرز، ومعه نوفاك، يختلفان في الرأي، مشيرَين إلى أن الأدب التناخي يدعم الاتجاه المعاكس:
فعلى الرغم من أن الله سيعاقب على العصيان، وعلى الرغم من أن الرفض المتعمد لحق الله في الأمر يعني رفض العهد، فإن الحاخامات لم يكن لهم رأيٌ بأن عهد الله مع إسرائيل كان مشروطًا بالطاعة، بمعنى أن الوعود العهدية يمكن أن تُلغى بسبب خطيئة إسرائيل. فالعهد، بهذا المعنى، غير مشروط، وإن كان يتضمن بوضوحٍ التزام الطاعة.
ويقترح كامينسكي أن صدمة النفي قد انعكست في النصوص ما بعد النفي في الكتاب المقدس التي تؤكد على اللاهوت العهدي المشروط. وهكذا فإن سؤال المشروط وغير المشروط في اختيار إسرائيل هو في جوهره صراع داخلي في الكتاب المقدس يعكس التطور التاريخي لنصوصه.
وقد استخدم سبينوزا الكتاب المقدس نفسه ليُظهر أن “الله لم يختر العبرانيين إلى الأبد“.
ولأن العهد كان في نظر الحاخامات غير مشروط، فقد اعتقدوا أن الله لن يلغيه أبدًا، حتى عند مواجهة العصيان. ويشير كامينسكي إلى أن “الجزء الأكبر من النصوص ذات الصلة، في كلٍّ من الكتاب العبري والعهد الجديد، تؤكد أن وعود الله لإسرائيل غير قابلة للكسر وتستمر إلى الأبد“.
إن اختيار الإسرائيليين، على وجه التحديد، لا رجعة فيه في الكتاب العبري.
وعلى الرغم من أن العهد يبدو مرارًا على وشك الانحلال، إلا أنه دائمًا يتجدد، ولا ينتهي أبدًا.
وتُظهر هذه النظرة العامة السريعة أن جهودًا ضخمة قد بُذلت من قبل اللاهوتيين، اليهود والمسيحيين معًا، لمعالجة التناقضات الداخلية لمفهوم اختيار بني إسرائيل في الكتاب المقدس، وتعارضه مع القيم الأساسية مثل العدالة.
ويختم أحد العلماء، الذي يصف نفسه بأنه مسيحي وغير يهودي، كتابه حول هذا الموضوع بسؤالٍ صادق:
قد تكون الانتقادات التي قدمها شوارتز، وكلاينز، وآخرون — بأن إله المختارين خطير — صحيحة. لكن ما قد يكون البديل؟ لست متأكدًا تمامًا، لكن الكتاب المقدس يلمح إلى أن إله إسرائيل هو إله يتحمل المخاطر ومتورط بعمق في شؤون البشرية.
غير أن نسخة الكتاب المقدس من التاريخ واللاهوت ليست دون بديل، فالقرآن الكريم يقدّم بديلاً
العهد الإبراهيمي في القرآن
يؤكد القرآن الكريم أن الإسرائيليين كانوا مختارين من الله، لكنه، على خلاف الكتاب المقدس، يمنح هذا الاختيار معنى واضحًا ومتماسكًا.
بل إن تصحيح القرآن للرواية الكتابية يبدأ بوعد الله لإبراهيم، وهو ما يعادل العهد الإبراهيمي في الكتاب المقدس، في قوله تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
فقد أكّد الله أنه سيجعل إبراهيم إمامًا للناس، أي قائدًا روحيًا، لأنه أوفى بالتزاماته. وطلب إبراهيم تمديد هذا التفضيل لبعض ذريته، لأنه كان حكيمًا بما يكفي ليعلم أن مثل هذا التفضيل قد يُمنح لبعض الأفراد، لا لأمةٍ بأسرها.
فأجابه الله مؤكدًا أن الأفراد الصالحين فقط من ذريته سينالون هذا التفضيل.
وعلاوة على ذلك، لم يطلب إبراهيم أن يُقتصر التفضيل على خطٍّ واحدٍ فقط من ذريته.
وهنا مجالٌ واسعٌ للقول في العهد الإبراهيمي في القرآن، ولكن المقام لا يتسع إلا لتسليط الضوء على دقة قرآنية واحدة ذات صلةٍ خاصةٍ بهذا المقام.
ففي الكتاب المقدس، يتضمن عهد الله مع إبراهيم الوعد المتكرر بجعل نسله أمةً عظيمة، “كتراب الأرض” و”عديدة كنُجوم السماء”.
وهذا شكلٌ آخر من تمجيد الجماعة العرقية التي هي محور اللاهوت والتاريخ الكتابي.
بل إن هذا الجانب من العهد يكتسب أهميةً كبرى إلى حد أن الله غيّر اسم إبراهيم وفقًا لذلك، فقال:
“ستكون سلفًا لجمعٍ من الأمم. لن يُدعى اسمك بعد الآن أبرام، بل سيكون اسمك إبراهيم؛ لأنني جعلتك سلفًا لجمعٍ من الأمم.”
هذا الادعاء لم يُعالج في القرآن الكريم معالجةً صريحة، ولكنه رُفض ضمنيًا ببلاغةٍ رفيعة.
فحين حطّم إبراهيم أصنام قومه، وتساءل الناس عمّن فعل ذلك، جاء الجواب في قوله تعالى:
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾
ومن اللافت أن هذا هو الموضع الوحيد في القرآن حيث يُذكر التعبير “يقال له” قبل اسم شخصٍ ما.
وإن كان هذا التعبير زائدًا عن الحاجة في الظاهر، فإنه يشير بدقةٍ إلى أن إبراهيم كان اسمه منذ صباه، حين كان يعيش مع أبيه في قومه، ولم يكن اسمًا جديدًا أُعطي له في وقتٍ متأخرٍ من حياته كما يزعم الكتاب المقدس.
وتؤكد هذه الملاحظة الدقيقة أيضًا حقيقة أن القرآن الكريم يذكر الاسم الثاني ليعقوب، وهو إسرائيل، فلو كان لإبراهيم اسم سابق غير معروف لذُكر أيضًا، على نحوٍ مماثل.
ومن المثير للاهتمام أن الكتاب المقدس يزعم أن الله غيّر اسم أبرام إلى إبراهيم لأن نسله سيكون عديدًا، غير أن هذا التأثيل ليس عبريًا في الأصل.
فـدائرة المعارف اليهودية تنص على أن “شكل ‘إبراهيم’ لا يعطي أي معنى بالعبرية، وربما يكون مجرد تباين رسومي لـ’أبرام’”.
وكذلك دائرة المعارف الكاثوليكية تصف المعنى الكتابي بأنه “لعبٌ شعبيٌّ بالألفاظ، والمعنى الحقيقي غير معروف”.
وقد نقل بعض العلماء المسلمين التأثيل الكتابي ذاته، بينما اشتقّ آخرون الاسم من العربية أو الكلدانية بمعنى “أب رحيم” أو “أب راحم”، أي الأب الرحيم.
بل إن بعض الباحثين الغربيين اقترح أن أصله عربي أيضًا.
وينبغي أن نلاحظ، مع ذلك، أن اسم إبراهيم في القرآن ممنوع من الصرف، أي يُعامل معاملة الاسم الأعجمي، وربما كان ذلك لأنه قديمٌ وغير مألوف للعرب آنذاك.
ومهما يكن من هذه التكهنات، فإن الأمر المؤكد هو أن التأثيل الكتابي المرتبط بادعاء تغيير الاسم غير صحيح.
تماسك القرآن في مقابل عدم تماسك الكتاب المقدس
وفي تحليل معنى اختيار بني إسرائيل في القرآن، تعتمد هذه المقالة المنهج التفسيري المعروف، وهو أن القرآن يفسّر بعضه بعضًا.
وقد أُشير إلى هذا المبدأ في خطبةٍ منسوبةٍ إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه (توفي 40هـ/661م).
وأقدم عملٍ تفسيريٍّ ورد فيه هذا المبدأ، وإن على نحوٍ غير مباشر، هو تفسير الزمخشري (توفي 538هـ/1143م)، إذ يقول فيه:
“أفضل المعاني للآيات هي تلك التي يشير إليها القرآن.”
وقد تتبّع صهيب سعيد بهوتا أقدم إشارةٍ مباشرةٍ إلى هذا المبدأ فوجدها في مقدمة ابن تيمية (توفي 728هـ/1328م) في أصول التفسير.
وهذه المنهجية ممكنة لأن القرآن له مؤلف واحد، مما يضمن له تماسكًا مطلقًا في البناء والمعنى.
وعلى النقيض من ذلك، لا نجد في الكتاب المقدس مبدأً تفسيريًا مشابهًا، حتى من بعيد، لأنه مجموعةٌ من الكتب المتنوعة التي كتبها وحرّرها عدد من الأفراد المجهولين عبر قرونٍ طويلة.
وقد سعى بعض المحرّرين إلى إضفاء شيءٍ من الاتساق عليه، لكن لم يكن بوسع أي جهدٍ أن يجعل منه وحدةً نصيةً متماسكة.
وكما لاحظ جون بارتون بحق:
إن الكتاب المقدس ليس متجانسًا، بل هو “سجلٌّ لحوارٍ بين المؤلفين وناقلي التقاليد، ويحتوي على تعليقاتٍ في كثيرٍ من كتبه على كتبٍ أخرى”.
ويقول شبّير أختر في مقارنةٍ موجزة:
القرآن، بخلاف الكتاب المقدس، ليس عملًا متغايرًا للعديد من الأيدي، في عدة أنواع، بثلاث لغات، وفي أماكن جغرافية متباينة، تمتد على آلاف السنين، ولا يبقى منه إلا نصوصٌ مجزأةٌ غير مؤكدة.
إنه قانونٌ موحّد، مُنزَّل في أكثر بقليلٍ من عقدين، موجهٌ إلى رجلٍ معروفٍ تمامًا لمعاصريه وللتاريخ اللاحق، رجلٍ عاش في موقعين جغرافيين فقط في البلد نفسه، وكتب بلغةٍ واحدةٍ، هي لغة المتلقي والجمهور الأول، لغةٌ حيةٌ لا تزال تُتحدث على نطاقٍ واسع.
ولأن الكتاب المقدس يناقض نفسه مرارًا، فإنه لا يستطيع تفسير نفسه، وهذا أحد أسباب الفجوة التي لا تُردم بين اللاهوت اليهودي والمسيحي وبين كتاباتهما المقدسة.
وقد لاحظ بارتون في هذا السياق قوله المشهور:
الإسلام ربما يكون النموذج المثالي لدين الكتاب، وبالمقارنة معه، تقف اليهودية والمسيحية على مسافةٍ بعيدة من نصّهما المقدس المركزي.
ولأن الكتاب المقدس غير متجانس، فإن استخراج مفهومٍ واضحٍ منه يتطلب في الغالب تجاهل أجزاءٍ كثيرة منه.
بينما يفسّر القرآن نفسه بنفسه، فإن الكتاب المقدس يعتم نفسه بنفسه.
وهذا الاختلال في التماسك، وما ينجم عنه من توترٍ لا سبيل إلى حله في مسألة اختيار بني إسرائيل، ليس إلا أحد تجليات هذه الحقيقة الكبرى.
يستخدم القرآن الكريم خمسة مصطلحات مختلفة لوصف نعم الله تعالى على بني إسرائيل، بما في ذلك اختيارهم، وهذه المصطلحات — في أشكالها الإسمية — هي:
عهد
ميثاق
اختيار
تفضيل
نعمة
ومن خلال الاستشهاد بآيات متعددة، سيتبيّن كيف يستخدم القرآن هذه المصطلحات بدقةٍ متناهية لتصوير علاقة الله ببني إسرائيل، وما تكشفه هذه الألفاظ عنهم. ولكن قبل التفصيل، تُعرض نظرةٌ عامةٌ موجزة:
يُعدّ المعجميون عادةً كلمتي ميثاق وعهد مترادفتين، فكلتاهما تدلان على التزاماتٍ متبادلةٍ تنشأ عن اتفاقٍ بين طرفين أو أكثر.
إلا أنّ الميثاق، وإن كان قريبًا من العهد في المعنى، إلا أنه يحمل دلالة التأكيد والتغليظ، فهو أشبه بـ”العهد المؤكّد” أو “العهد الموثّق”.
وعندما يُستخدم في القرآن للإشارة إلى عهد الله مع جماعةٍ من الناس، فإنه يُبرز ما التزم به الناس تجاه الله ضمن هذا العهد، ولهذا ورد في القرآن مرارًا بصيغة:
“أخذ الله ميثاق..”
ومن ثمّ فإن أدق ترجمةٍ لمعنى الميثاق هي: “العهد الرسمي” أو “العهد الموثّق”.
أما الفعل اختار، فقد ورد في القرآن مرةً واحدة فقط في سياق اختيار الله لبني إسرائيل، ومرةً أخرى في وصف اختيار الله لموسى عليه السلام ليكون نبيًا، ومرةً ثالثة في الإشارة إلى حرية الله المطلقة في الاختيار والخلق والعطاء.
وليس هذا الفعل حكرًا على أفعال الله، إذ ورد أيضًا لوصف اختيار موسى لسبعين رجلًا لموعده مع الله.
وفي السبع عشرة مرة التي ورد فيها الفعل فضّل بصيغته الفعلية الثانية (فضّلَ) يصف دائمًا فعلًا إلهيًا لتفضيل أشخاصٍ أو أممٍ على غيرهم، وقد ورد أربع مرات في سياق تفضيل الله لبني إسرائيل.
أما النعمة، فليست مصطلحًا مقارنًا، بل هي لفظٌ عامّ يشمل كلّ إحسانٍ أو منحةٍ إلهية، مادية كانت أو معنوية.
قبل الانتقال إلى بيان كيفية تمييز القرآن الكريم بين استعمال كلٍّ من هذه المصطلحات في مواضع مخصوصة، يجدر التنويه بملاحظةٍ دقيقةٍ ولكنها على قدرٍ عظيمٍ من الأهمية:
إنّ المصطلحين القرآنيين الأساسيين للاختيار الإلهي للمهام النبيلة والمراتب الروحية العليا هما:
اصطفاء واجتباء
فبهذين اللفظين يصف القرآن اختيار الله لأنبيائه ومَن اصطفاهم لحمل الرسالة.
ومن اللافت أن أيًّا من هذين المصطلحين لم يُستخدم في القرآن لوصف بني إسرائيل.
أول ما ينبغي ملاحظته أنّ حفظ الله لعَهده مع بني إسرائيل مشروطٌ بوفائهم هم بالتزاماتهم في هذا العهد.
وقد بيّن القرآن ذلك بوضوحٍ في قوله تعالى:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
فعلى خلاف ما يصوّره الكتاب المقدس، لا يقدّم القرآن الكريم اللهَ على أنه ملزمٌ بعهدٍ أبديٍّ غير مشروطٍ لبني إسرائيل، بل إنّ وعده وفضله مرتبطان باستقامتهم ووفائهم بالعهد.
فلا مغفرة، ولا دخول إلى الجنة، إلا لمن يحفظ عهد الله ويقيم شروطه.
وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
وهذه الآية المحكمة تُظهر بجلاءٍ أن الفضل الإلهي مقرونٌ بالطاعة والإيمان، وأنّ العصيان ينقض العهد وينزع الحماية الإلهية.
ويمكن جمع شروط هذا الميثاق الإلهي من مواضع متفرقة في القرآن، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
تندرج شروط العهد المذكورة في الآيات السابقة تحت ما يُعرف في اليهودية باسم لوحي الشريعة؛
الأول ينظم العلاقة مع الله،
والثاني يحكم العلاقة مع الخلق.
ويقابل ذلك في الإسلام التقسيم المعروف إلى:
العبادات، وهي ما يتعلق بعلاقة المسلم بربه،
والمعاملات، وهي ما تصف وتنظم علاقة المسلم بالخليقة وسائر الناس.
ومن الشروط العهدية الأخرى التي نصّ عليها القرآن:
اتباع وحي الله، وتبليغه للناس دون كتمان، واجتناب العدوان وسفك الدماء، والإيمان برسل الله وتعزيرهم ونصرتهم. وقد وردت هذه الشروط في آيات متفرقة، نذكر منها:
“خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا”.
“لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ”.
“ولا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم”.
“وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ”
وهكذا، فإن العهد الإلهي مؤلَّف من وصايا ربانية أُنزلت على بني إسرائيل في الكتاب، ولذلك وُصف في القرآن بـ ميثاق الكتاب أو “العهد الرسمي للكتاب”.
وفي المفاهيم القرآنية، يشير الكتاب إلى الوحي الإلهي المنزل على الأنبياء كافة، أي أنّه مفهوم كوني شامل لا يختص بأمة دون أخرى.
ومن ثمّ، فإن مفهوم العهد الكتابي الذي يتضمّن شروطًا إيمانية وسلوكية موجودٌ في الإسلام أيضًا، كما يظهر بوضوح في وصف أتباع النبي محمد ﷺ:
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾
ومن هنا يتبيّن أنّ العهد في القرآن ليس خصوصية لبني إسرائيل، ولا هو مرتبطٌ بامتيازٍ عرقيٍّ أو وعدٍ بأرض، كما في التصور اليهودي والمسيحي، بل هو مبدأ إلهي شامل يخضع للصلاح والإيمان والعمل.
أما الوعد بالأرض، فهو في القرآن مرتبطٌ بالصلاح والتقوى لا بالاختيار الوراثي، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
وسواء أكانت الأرض هنا تعني الجنة كما رأى أكثر المفسرين، أو الأرض المقدسة أو الأرض عامةً، فإن وراثتها مشروطة بالصلاح لا بالانتماء.
معنى الاختيار والتفضيل
يبين القرآن الكريم بوضوحٍ أن الله تعالى اختار بني إسرائيل على العالمين، كما في قوله:
﴿وَاخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
وهذا الاختيار الإلهي يعني تفضيلهم بنعم معينة، وقد صرّح القرآن بذلك أيضًا:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
واتفق المفسرون المسلمون عبر القرون على أن المقصود بـ العالمين هنا هم أمم عصرهم، لا جميع الأمم عبر التاريخ.
لكن عند تفسير هذا الاختيار، نجد آراء متباينة، فكثيرٌ منهم عدّ النعم المذكورة عامة.
فـ ابن عاشور، مثلًا، يرى أن الله جمع فيهم من الخصال ما لم يجمعه في غيرهم:
“النسب الشريف، والخلق الكامل، والعقيدة السليمة، والشريعة الجامعة، والحرية، والشجاعة، ورعاية الله في شؤونهم.”
غير أن صفاتٍ مثل “الحرية” و”الشجاعة” هي أوصافٌ فردية لا جماعية، ومن ثمّ فهي تصف بعض بني إسرائيل لا الأمة كلها.
أما البيضاوي (توفي 791هـ) فقد قال:
“أعطاهم الله العلم والإيمان والأعمال الصالحة، وجعلهم أنبياء وملوكًا عدولًا.”
وهذا التأويل يعكس أيضًا تأثرًا بالنعمة العامة التي ورد ذكرها في قوله تعالى:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾
لكن كما أوضحنا سابقًا، فإن النعمة لفظٌ عام يشمل الاختيار ضمنًا، ولا يحدده بدقة.
ويروي الطبري عن أبي العالية الرياحي أن اختيار بني إسرائيل وتفضيلهم على العالمين يعني أنهم أُعطوا:
“الملك، والرسل، والكتب.”
إلا أن إدراج الملك ضمن معاني الاختيار إشكالي، إذ إن الاستقلال السياسي ليس ميزةً روحية، ثم إن بني إسرائيل لم يكونوا دائمًا أمةً ذات سيادة، بل خضعوا في معظم تاريخهم للاحتلال أو التبعية.
أما مكي بن أبي طالب (ت 437هـ) وابن كثير (ت 774هـ) فقد قَصَرا تفضيل بني إسرائيل على ما حظوا به من أنبياء وكتب سماوية،
بينما ذهب القرطبي (ت 671هـ) إلى أن التفضيل كان بكثرة الأنبياء وحدهم.
ويبدو أن هذه التفسيرات تأثرت بالآية التي قال فيها موسى لقومه:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾
وفي هذه الآية دقة بلاغية بالغة تكشف المعنى الحقيقي للاختيار الإلهي لبني إسرائيل.
فقد ذكر الله وجود الأنبياء فيهم بقوله:
“جعل فيكم أنبياء”،
بينما قال عن الملوك:
“وجعلكم ملوكًا.”
وهذا التمييز الدقيق في التعبير يشير إلى أن نعمة النبوة كانت بينهم — أي فيهم أنبياء يعيشون بينهم — لا أنهم جميعًا أنبياء،
بينما الملوكية كانت من صفاتهم القومية في مراحل معينة من تاريخهم.
إذن، اختيار الله لبني إسرائيل لم يكن تفضيلًا مطلقًا، بل لأنه جعلهم الأمة التي وُلد فيها الأنبياء وأُرسلوا منها.
لقد كانوا الأمة الحاضنة للوحي، لا الأمة المفضلة على الإطلاق.
وهذه الدقة المدهشة التي تظهر في صياغة القرآن هي مثال على إعجازه البياني والمعنوي؛ إذ يقدّم تفوقه في صمتٍ وإشارةٍ دقيقة لا في تصريحٍ مباشر، ليكتشف القارئ بنفسه العمق اللاهوتي والتاريخي الكامن في اللفظ.
ومن أبدع هذه المواضع قوله تعالى:
﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا...﴾
وإذا قورنت هذه الدقة بالبيانات الموازية في الكتاب المقدس، بدت الفوارق المعجزة في التكوين اللفظي والمعنى اللاهوتي.
ففي العهد الإبراهيمي الكتابي، يخاطب الله إبراهيم بقوله:
“سأجعلك مثمرًا جدًا، وسأجعل منك أممًا، وسيخرج منك ملوك.”
ثم يخاطب سارة بقوله:
“سأباركها، وستكون مصدرًا للأمم، سيخرج منها ملوك شعوب.”
يذكر مؤلفو الكتاب المقدس ومحرروه أن الله سيجعل ملوكًا من بني إسرائيل، ولكنهم، على ما يبدو، لم يُبدوا اهتمامًا ولا وعيًا بدور الأنبياء في تاريخهم ودعوتهم. ولا ريب أن وجود الملوك في أية أمة ليس أمرًا مميزًا، فقد وُجد الملوك في سائر الشعوب عبر العصور، أما أن تكون أمة هي المضيفة للأنبياء، فهذا ما لا يُضاهيه شرف ولا يبلغه فضل. وهنا يتجلى المعنى الدقيق لقوله تعالى: “وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين”، ويتضح السر في تقديم ذكر الأنبياء على ذكر الملوك في الآية نفسها.
لقد فُقد هذا المعنى الحقيقي لاختيار بني إسرائيل كنعمةٍ إلهيةٍ بجعلهم الأمة المضيفة للأنبياء حين اكتمل نص الكتاب المقدس، إذ انحرف التركيز من النبوة إلى المُلك، ومن الرسالة إلى العصبية. وليس عجيبًا أن يكون هذا التحول انعكاسًا لهوس مؤلفي الكتاب المقدس بتعظيم جماعتهم العرقية ورفعها فوق سائر الأمم، فغدا الكتاب دنيويًا، ماديًا، عرقيّ النزعة. وهنا يظهر وجه الإعجاز في القرآن، إذ صحح التاريخ واللاهوت معًا، وأعاد لكل معنى موضعه ولكل حقيقة نصابها. ولو زعم زاعم أن القرآن من صنع بشر لما استطاع أن يفسر هذه الدقة المتناهية في البيان.
يزداد إعجابنا بتماسك القرآن حين نتأمل الآيات التي تؤكد معنى اختيار بني إسرائيل. لقد مرّ بنا من قبل قوله تعالى في سياق العهد المأخوذ عليهم: “وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ”، وها هنا آية أخرى تكشف جوهر هذا العهد: “قَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا”.
ولئن أُرسل الأنبياء في بعض الأزمنة إلى بني إسرائيل جيلاً بعد جيل، فإن ذلك لم يكن القاعدة الدائمة، وإنما الاستثناء العابر. ومن ثَمّ، فإن كون بني إسرائيل مختارين لاستضافة الأنبياء لا يعني مجرد الإيمان بهم ودعمهم حين يُبعثون، بل يقتضي كذلك حفظ تراثهم ونقل رسالتهم للأجيال من بعدهم. وهكذا يقول القرآن:
“وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ”.
فتفضيل بني إسرائيل على الأمم الأخرى إنما هو بتكليفهم وصاية الإرث النبوي، فهم حراس التوحيد، وحملة الشريعة، وأمناء القانون الأخلاقي الإلهي. وإن كانوا لم يحسنوا القيام بهذه الأمانة في كل حين، فقد كانوا وحدهم الأمة التي أُنيط بها هذا الدور العظيم. وقد لاحظ بعض الباحثين أن إسرائيل، على الرغم من كل ما أصابها من انحراف، كانت المجتمع الوحيد في الشرق الأدنى القديم الذي تمسك بالتوحيد وتميّز به عن سائر الأمم.
ولئن كان هذا الدور الوصائي قد خُصَّ به بنو إسرائيل، فإنه لم يُرَد به نفعهم وحدهم، بل نفع البشرية جمعاء. غير أن مؤلفي الكتاب المقدس حجبوا هذا البعد الإنساني العام، إذ قصروا الاهتمام على جنسهم وشعبهم، وعلى إلهٍ يُصوَّر وكأنه إلهٌ عرقيّ لا يهمه سوى شعب بعينه. ومع ذلك، بقيت في ثنايا النصوص بعض اللمحات الخافتة التي تشير إلى المهمة الأصلية لبني إسرائيل: أن يُقيموا العدل وأن يكونوا نورًا للأمم. بل إن إحدى الفقرات تربط هذا التكليف بالعهد الإلهي نفسه:
“أنا الرب، دعوتك بالبر، وأخذت بيدك وحفظتك، وجعلتك عهدًا للشعب، نورًا للأمم.”
وقد حاول بعض الباحثين الغربيين في العصور الحديثة إبراز أهمية مثل هذه الفقرات، زاعمين أن اختيار بني إسرائيل كان لأداء رسالة نحو الأمم الأخرى. واستند بعضهم إلى الفكر المسيحي الذي يرى أن الكنيسة قد حلت محل إسرائيل كشعبٍ مختار لله، وهو ما سيأتي تفصيله لاحقًا. بل ذهب بعضهم إلى القول بأن إسرائيل “لم تفهم دائمًا دعوتها في هذا المنظور العالمي“، وأن مفهوم “المهمة” قد تسرّب إلى اليهودية من ثقافاتٍ أخرى. غير أن هذا الادعاء مردود؛ فالمفهوم ليس دخيلًا بل أصيل، وإن لم يُستوعب على وجهه الصحيح.
وقد لاحظ بعض النقاد بحق أن فكرة “المهمة” تتفق مع المفاهيم المسيحية الحديثة للدعوة والخدمة، ولكنها لا تستمد أصلها من الكتاب العبري ذاته. وهذا في حقيقته يعكس ما ساد في العهد القديم من تصويرٍ ضيق لاختيار إسرائيل. أما في القرآن، فإن تصوير هذا الاختيار أوسع مدى وأدق معنى؛ إنه، بلغة العصر، اختيار جماعي للخدمة لا اختيار فردي للنبوة، كما هو الحال في اختيار إبراهيم أو إسحاق. فكل فردٍ من بني إسرائيل حرّ في قبول هذه المسؤولية أو رفضها، وتحدده استجابته لها لا نسبه أو عرقه.
ولقد كان هذا الدور الفريد، الذي صُمِّم لخدمة البشرية جمعاء، هو سر بقاء إسرائيل أمةً مرنة رغم قلّتها وما مرّت به من مآسٍ وكوارث عبر التاريخ. ومع ذلك، فإن الصهاينة اليهود والمسيحيين المتعاهدين معهم اليوم يغلّبون قراءة دنيوية مادية لهذا البقاء، فيرون في ازدهار دولة إسرائيل الحديثة دليلاً على أن اختيارهم أبديّ لا يزول. وهذه حجة زائفة، تتغافل عن قرونٍ طويلة من الهزائم والشتات والمحن التي لحقت بهم، فلو كان الاختيار إلهيًّا مطلقًا لا مشروطًا، لما عرفت هذه الأمة تلك الضروب من البلاء.
ثم إن القرآن، في نظرته السامية، يميز بين الأنبياء الإسرائيليين وبقية بني إسرائيل، لأن النبوة في جوهرها مقامٌ روحيٌّ رفيع، لا عرقيٌّ ولا قوميّ. وهكذا، فإن هوية النبي تستمد معناها من رسالته لا من نسبه، ولذلك يخاطب الله محمدًا ﷺ في القرآن بـ”النبي” و”الرسول”، ولا يصفه قط بـ”العربي”، مع أنه وصف القرآن نفسه بأنه “عربي”.
بل إن المرة الوحيدة التي يرد فيها وصف محمد ﷺ بـ”العربي” في القرآن تأتي على لسان الكافرين في اعتراضهم السخيف الذي ردّه الله بقوله:
“وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ” .. ؟!
بمعنى آخر، كانت النبوّة، منذ أن يُجعل صاحبها نبيًّا، هي الهوية التي تُميّزه وتُعرّفه بين الناس. أما عِرقه، فما عاد بعد النبوة إلا إشارةً إلى الأمة التي انحدر منها، دون أن تكون هي هويته الحقيقية، أو السمة التي تَعدِل مقامه في نظر الله. فالنبوة منصبٌ روحيٌّ سامٍ، جعله الله وسيلته إلى إيصال دينه الحق، الإسلام، إلى البشر كافة. ومن الطبيعي، إذن، أن يكون جميع الأنبياء «مسلمين» بالمعنى الحرفي، أي مستسلمين لله عز وجل.
إن كلمة «مسلم» تعبّر عن هويةٍ أخرى، لا تقتصر على الأنبياء، لكنها تتجاوز حدود العرق والمجتمع وسائر الهويات الجزئية. فهي هويةٌ دينيةٌ وروحيةٌ خالصة، هي وحدها التي تُعبّر عن جوهر الإنسان في علاقته بربه. ولهذا السبب، يؤكد القرآن الكريم مرارًا أن الأنبياء لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، إذ يقول تعالى:
“أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”
فاليهودية ديانةٌ توحيدية من حيث المبدأ، ولكنها تقوم على لاهوتٍ عرقيٍّ ضيّقٍ يجعلها مركزيةً لقومٍ بعينهم. والمسيحية، وإن كانت عالمية الدعوة، فإنها لم تبلغ صفاء التوحيد بسبب عقيدة التثليث. أما الإسلام، فقد جمع وحده بين التوحيد الخالص والعالمية المطلقة. إنه دين رب العالمين الواحد، لا ربّ قومٍ دون قوم. لذلك كان الأنبياء الذين أرسلهم الله جميعًا مسلمين، لا يهودًا ولا نصارى، لأن الإسلام هو الدين الأصلي الذي أوحاه الله إلى الناس منذ البدء، ولم يتبدل في جوهره قط. أما اليهودية والمسيحية فليستا إلا تطورين لاحقين وتحريفين لما كان أصلًا إيمانًا نقيًّا يسميه القرآن «الإسلام».
قتل الأنبياء بدلًا من نصرتهم
يتفق القرآن الكريم والكتاب المقدس على أن بني إسرائيل لم يكونوا يختلفون عن سائر الأمم في عصيانهم لله وارتكابهم المعاصي. فكلا الكتابين يقر بأن بني إسرائيل خالفوا أمر الله مرارًا، مما يدل على أن اختيارهم لم يكن تفضيلًا مطلقًا، بل تكليفًا ومسؤوليةً بوصفهم الأمة المضيفة للأنبياء.
وقد عدد القرآن خطايا بني إسرائيل التاريخية: عصيانهم لموسى عليه السلام، وعبادتهم العجل، وجرائمهم في عصر النبي محمد ﷺ من كتمانهم لما أنزل الله في كتابهم، وأخذهم الربا، وغير ذلك. غير أن الجريمة التي تُبرز تجاوزهم الأشد هي قتل الأنبياء، لأنها تناقض تمامًا الغاية التي من أجلها اختارهم الله. ولأهمية هذه الجريمة البشعة، فقد ذكرها القرآن في نحو تسع مواضع مختلفة.
ويُقرّ الكتاب المقدس هو الآخر بهذا الفشل المريع. فهو يروي مقتل الكاهن زكريا بن يهوياداع، الذي يُشار إليه في النصوص الربانية بصفة «النبي»، وكذلك مقتل النبي أوريا بن شمعيا، ويذكر أيضًا في مواضع متفرقة قتل «الأنبياء» بصيغة الجمع. ومع ذلك، فعلى الرغم من تفصيله في الأمور التافهة، يُهمل الكتاب المقدس هذه الجرائم الكبرى، فيضعها في الهوامش، مما يكشف كيف ضاع معنى الاختيار فيه، وكيف غُيّب دور الأنبياء الذي رفع بني إسرائيل من حيث أراد الله لهم الرفعة، ليُسند الفضل بعد ذلك إلى النسب والعرق لا إلى الرسالة.
أما مؤلفو العهد الجديد، فلم يشاركوا هذا الإهمال. فقد أشار بولس واستفانوس الشهيد بوضوح إلى قتل الأنبياء، وبلغ الأمر ذروته في خطب المسيح نفسه التي حملت أقسى التوبيخات، إذ قال:
“ويلٌ لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون! لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصديقين، وتقولون: لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في سفك دم الأنبياء. فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء من قتلوا الأنبياء. فأكملوا كيل آبائكم. أيها الحيات، أيها أولاد الأفاعي! كيف تهربون من دينونة الجحيم؟ لذلك أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، منهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة إلى مدينة، لكي يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض، من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن براخيا، الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح. الحق أقول لكم: سيأتي كل هذا على هذا الجيل.”
ويتابع يسوع وصف أورشليم بأنها “المدينة التي تقتل الأنبياء وترجم من أُرسل إليها”.
ويقيم القرآن صلةً واضحة بين نقض بني إسرائيل للعهد وبين قتلهم للأنبياء، إذ يقول تعالى:
[لعناهم] “فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ”
ومن اللافت أن ثمة فقرة كتابية تعكس ارتباطًا مشابهًا، ففي شكوى النبي إيليا إلى الله بعد أن نجا بنفسه، قال:
“ترك بنو إسرائيل عهدك، وهدموا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف. بقيت أنا وحدي، ويطلبون حياتي ليأخذوها.”
وهنا نلمح في الكتاب المقدس صدى خافتًا للفكرة القرآنية نفسها: أن بني إسرائيل نقضوا عهدهم بقتل من أُرسل إليهم.
لكن الكتاب المقدس ظل مرتبكًا غير متماسك في إدراكه لمعنى هذا الاختيار، مما جعله يقلل من شأن قتل الأنبياء. أما العقيدة الغربية التي تزعم أن القرآن اقتبس من الكتابات اليهودية والمسيحية، فتجعل أصحابها عاجزين عن تفسير كيف أعطى القرآن هذا الحدث مكانته الحقيقية، وكيف أبرز معناه في سياقٍ لاهوتيٍّ متكامل، رغم أنه ذُكر في كلمات يسوع القليلة نفسها بوضوح لافت.
لقد كان بنو إسرائيل، في تاريخهم الطويل، قومًا متمردين على الله، لكن جريمتهم الكبرى كانت أنهم قتلوا أنبياءهم، مع أنهم اختيروا أصلًا ليكونوا الأمة التي تؤوي رسل الله وتدعمهم وتدافع عنهم.
نهاية اختيار بني إسرائيل
على مرّ القرون، اصطفى الله بني إسرائيل ليكونوا الأمة المضيفة للأنبياء، مؤتمنين على إرث النبوة العظيم، وحَمَلة التوحيد والشريعة والقيم الأخلاقية التي أوحى الله بها إلى رسله. وفي كل عصر، كان بينهم رجال ونساء صالحون، صدقوا العهد واتبعوا تعاليم أنبيائهم بإخلاص، فحملوا لواء الدين، وسعوا جاهدين إلى نشر النور بين الناس. غير أنّ الأمة، في مجموعها، لم تَفِ بالأمانة كما أراد الله، فمع تعاقب الأجيال وتراكم الفتن، أخذت تخفق أكثر فأكثر في أداء واجبها كوصيّة على الميراث النبوي. وبلغ هذا الفشل ذروته عند مبعث آخر أنبياء بني إسرائيل: عيسى عليه السلام.
فبدلًا من أن ينهضوا بمسؤوليتهم الكبرى في نُصرة النبي الجديد، كذّبوه، وتآمروا على قتله، فعادوا بذلك على ما أُمروا به نقضًا وانحرافًا. ثم لم يكتفوا برفض دعوته، بل أضاعوا الكتاب الذي أُنزل عليه، وأهملوا وصاياه، وضيّعوا تعاليمه الإلهية. وأسوأ من ذلك، أن اضطهادهم لعيسى وأتباعه الأوائل مَهَّد لظهور دين جديد نُسب إليه زورًا، على يد رجل لم يره قطّ في حياته، ولم يؤمن به حين كان حيًّا، هو شاول الطرسوسي، أو بولس، الذي حرّف جوهر الرسالة التوحيدية فجعلها شيئًا آخر غير ما كانت عليه. ولو أن بني إسرائيل أدّوا ما كُلّفوا به، ما كانت هذه الانحرافات لتقع، ولا كانت البشرية لتفقد ملامح الإيمان الصافي التي نادى بها الأنبياء.
ومع كل ذلك، وبرغم عيوبهم الكثيرة وتقصيرهم المستمر، ظلّ بنو إسرائيل، حتى ذلك الحين، خير من بقي من حُرّاس التوحيد، وأوفى من حمل بقايا تعاليم النبوّة في الأرض. غير أنّ عهدهم هذا انتهى، واختيارهم الذي دام قرونًا طويلة زال حين أرسل الله النبيّ الخاتم، محمدًا صلى الله عليه وسلم. فقد تغيّر وجه التاريخ، وتبدّل ميزان الاختيار الإلهي.
أولًا، أُرسل محمد صلى الله عليه وسلم إلى العرب، في شبه الجزيرة العربية، فانتقل مركز الرسالة من بني إسرائيل إلى أمة جديدة لم تكن معروفة بالنبوة من قبل. ثانيًا، كان هو خاتم النبيين، فلا نبي بعده. ثالثًا، أنزل الله عليه شريعةً جديدة، ناسخة لما قبلها، فأُغلق باب الوصاية الإسرائيلية على التراث النبوي، إذ لم تعد هناك حاجة إلى أمة تحفظ الوحي من الضياع بعد أن صار محفوظًا بحفظ الله نفسه. ورابعًا، أُعطي محمد صلى الله عليه وسلم كتابًا مهيمنًا على ما سبقه من الكتب السماوية، يصحّح ما أدخلته الأيدي من تحريف ويكشف الحق من الباطل:
“إنا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ”
ثم وعد الله تعالى بحفظ هذا الكتاب من كل تزييف أو ضياع، فقال جلّ شأنه:
“إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”
وقال أيضًا:
“لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ”
فمنذ لحظة نزول أول آية من القرآن، انطوت صفحة بني إسرائيل كأمة مضيفة للأنبياء، وابتدأت مرحلة جديدة من التاريخ الإلهي، مرحلة الرسالة العالمية التي لا تقتصر على قوم أو عِرق. فقد جعل الله دعوة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، لا لجماعة بعينها. وانتشرت رسالته في الأرض انتشار النور في الظلمة، لا تحتاج إلى دعم قبيلة واحدة، لأن الله هو الذي تولّى حمايتها ونشرها. وهكذا كان اختيار بني إسرائيل وسيلةً لغايةٍ سامية، فلما تحققت الغاية بزوال الحاجة، انتهى الاختيار ذاته. لذلك، لم يصف الله ذلك الاختيار بأنه أبدي كما زعم الكتاب المقدس.
ومن الإشارات البليغة إلى هذه الحقيقة ما ورد في دعاء إبراهيم عليه السلام حين كان في مكة، إذ قال:
“رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”
فاستُجيب دعاؤه حين بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم من بين العرب، ليكون رحمة وهداية للعالمين. والعجيب أن إبراهيم، الذي بشّر باختيار بني إسرائيل من نسله عبر إسحاق ويعقوب، هو نفسه الذي دعا، بلسان التوحيد، إلى نبوّة خاتم الأنبياء من نسل إسماعيل. وفي هذا دلالة عميقة على أن النبوة لم تكن حكرًا على عِرق أو شعب، بل هبة إلهية تُعطى حيث يشاء الله.
أما الكتاب المقدس، فلا يعرف شيئًا عن حياة إبراهيم في مكة، إذ انحصر نظره في النسل الإسرائيلي، متجاهلًا فرع إسماعيل الذي شاء الله أن يكون منه خاتم النبيين. وذلك طبيعي، لأن مركزية العرق التي تطبع سرد الكتاب المقدس جعلته لا يرى من إبراهيم إلا صلته بإسحاق ويعقوب، دون أن يتأمل تمام حكمته الإلهية في أن تكون الخاتمة في فرعٍ آخر من نسله، فرعٍ حمل لواء التوحيد من جديد، وأعاد إلى البشرية عهد الإيمان الأول.
تكييف المسيحية لسوء فهم اليهودية
نشأت المسيحية في فلسطين اليهودية في القرن الأول للميلاد، في بيئة مشبعة بالتراث العبري وموروث الأنبياء، حيث كانت اليهودية هي الإطار الديني السائد. اعترف المسيحيون الأوائل بالكتاب اليهودي على أنه كلمة الله، لكنهم أضافوا إليه نصوصًا جديدة مثل الأناجيل ورسائل بولس وسائر كتابات العهد الجديد. ومن خلال هذا الامتزاج بين القديم والجديد، تبنت المسيحية الصورة العبرية للاختيار الإلهي بمعنى التميز، لكنها أعادت تفسيره في ضوء رسالتها العالمية غير العرقية، فنشأت من ذلك مدرستان لاهوتيتان جديدتان: الاستبدالية والتدبيرية.
كانت الاستبدالية — أو ما يُعرف بـ”لاهوت الاستبدال” — هي المفهوم السائد في الفكر المسيحي عبر قرون طويلة حتى القرنين الأخيرين. ووفقًا لهذا اللاهوت، فإن الكنيسة أصبحت إسرائيل الجديدة، أي أنها صارت “شعب الله المختار” بدلاً من بني إسرائيل. لقد حَلَّ المسيحيون محل اليهود في مكانة الاختيار، وصارت إسرائيل الروحية، أي جماعة المؤمنين بالمسيح، هي الصورة الحقيقية والأكمل لإسرائيل القديمة. ولهذا يُسمّى هذا الاتجاه أحيانًا أيضًا “لاهوت الإكمال”، لأن الكنيسة في نظرهم ليست نفيًا لإسرائيل، بل تتميمًا لها. واستُبدلت الثنائية القديمة في الفكر اليهودي بين “اليهودي والأممي” بالثنائية المسيحية الجديدة بين “الكنيسة والعالم”، أو بين “الذين في المسيح” و”الذين خارج المسيح”.
وتتفرع الاستبدالية إلى نوعين رئيسيين: الاستبدالية العقابية والاستبدالية الاقتصادية. أما الأولى، فترى أن الله عاقب اليهود على رفضهم للمسيح بأن نزع عنهم صفة “الشعب المختار” وأعطاها للكنيسة. وأما الثانية، فترى أن هذا التحول لم يكن عقابًا بل خطة إلهية أزلية، إذ كانت إرادة الله منذ البداية أن يكون شعبه المختار جماعة عالمية من المؤمنين، لا قومًا بعينهم.
وقد وردت إشارات إلى هذا الفهم في الأناجيل، منها قول المسيح لليهود إن نسبهم إلى إبراهيم لا ينفعهم شيئًا، إذ قال: “إن الله قادر من هذه الحجارة أن يقيم أولادًا لإبراهيم.” لكن المصدر الأعمق لهذا اللاهوت كان في رسائل بولس، الذي قال إن “فليس كل من هو من إسرائيل هو إسرائيل”، كما أن “ولا لأنهم من نسل إبراهيم، هم جميعهم أبناء إبراهيم.”، بل فقط الذين جاؤوا “من خلال إسحاق”، أي الذين ورثوا إيمان إبراهيم لا نسبه. ثم قال بولس أيضًا إن إبراهيم صار “أبًا لجميع المؤمنين”، سواء أكانوا من الختان (اليهود) أم من غير الختان (الأمم). وهكذا جعل بولس الإيمان بالمسيح المصلوب هو معيار الاختيار الإلهي الجديد، محلًّا بذلك الاختيار العرقي القديم باختيار عالمي قائم على الإيمان.
ويستند أنصار الاستبدالية كذلك إلى ما ورد في “الرسالة إلى العبرانيين”، حيث تُستشهد بالآية من سفر إرميا التي تقول:
“هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. بَلْ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا.”
غير أن التأمل الدقيق في هذه الكلمات يُظهر أن العهد الجديد الذي يتحدث عنه الله في إرميا هو ما يزال مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا، لا مع جماعة جديدة تُدعى “الكنيسة”. كما أن هذه الفقرة تُعلي من شأن الشريعة وتُكرمها، إذ يقول الرب إنه سيكتبها في قلوبهم، ولا يشير إلى إلغائها كما جرى في اللاهوت المسيحي لاحقًا. ولذلك، فإن “لاهوت الاستبدال”، الذي يرى أن الكنيسة حلّت محل إسرائيل، هو في الحقيقة استبدال لعقيدة لاهوتية كتابية أصلية بعقيدة مسيحية مبتكرة.
ويرى بعض أتباع هذا اللاهوت أن إسرائيل ستنال الخلاص في آخر الزمان، ويستشهدون لذلك بما ورد في “رسالة بولس إلى الرومانيين”، غير أن جميعهم يتفقون على أن لا استعادة قومية لإسرائيل كأمة مختارة من الله، وهذا هو الفارق الجوهري بينهم وبين أتباع اللاهوت التدبيري.
أما التدبيرية، فهي عقيدة حديثة نسبيًا ترجع جذورها إلى جون نيلسون داربي (1800–1882)، وقد انتشرت انتشارًا واسعًا في العالم المسيحي بفضل كتاب “الكتاب المقدس المرجعي لسكوفيلد” الذي أصدره سايروس سكوفيلد (1843–1921) في أوائل القرن العشرين. ترى التدبيرية أن التاريخ الإلهي للبشرية ينقسم إلى مراحل أو “تدابير” مختلفة، في كل منها خطة إلهية خاصة. ووفق هذا المنظور، فإن اليهود والمسيحيين كلاهما مختارون من الله، غير أن لكلٍّ منهما دورًا مختلفًا في التاريخ المقدس. ولهذا، تؤمن التدبيرية بأن لإسرائيل عودة واستعادة في آخر الزمان، وأن وعود الله القديمة لبني إسرائيل لم تُلغَ، بل ستتحقق حرفيًا، وهو المعتقد الذي كان له أثر بالغ في نشوء الصهيونية المسيحية ودعم المشروع الصهيوني الحديث سياسيًا ولاهوتيًا على حد سواء.
يُفهم مفهوم الاختيار في اليهودية، على نحوٍ تفسيري متحيّز، بمعنى أن اليهود هم أفضل الناس، وأن الله اصطفاهم تفضيلاً جوهريًّا لا مشروطًا. وقد نسخت المسيحية هذا الفهم المشوَّه، لكنها أعادت تكييفه ضمن لاهوتها غير العرقي، محاوِلةً بذلك أن تُضفي عليه طابعًا كونيًّا جديدًا. غير أن دعوى الاستبدالية والتدبيرية معًا – أي الادعاء بأن الكنيسة هي “شعب الله المختار الجديد” – لا تخرج في حقيقتها عن كونها صيغتين متقاربتين في الجوهر لسوء الفهم نفسه الذي لازم الفكر الديني في جذره.
إذ لا يستطيع المسيحيون، من منظور لاهوتي خالص، أن يزعموا لأنفسهم أنهم مختارون من الله، ما داموا لم يُكلفوا قط بحمل النبوة، ولا بحفظ الإرث النبوي كما كُلِّف به بنو إسرائيل. فالمسيحية – كما استقرت عقيدتها التاريخية – تستند في بنيانها العقدي إلى تعاليم بولس أكثر مما تستند إلى تعاليم عيسى عليه السلام، وهي ليست ديانة توحيدية صارمة بالمعنى القرآني أو اليهودي القديم، لأنها جعلت من عيسى إلهًا، وألغت الشريعة الموسوية أو لم تتقيد بها تقيدًا تامًّا.
ولذلك جاء القرآن يوبّخ اليهود والنصارى معًا على ادعائهم علاقةً خاصةً مميزة مع الله، قائمةً على ظنّهم أنهم “شعب مختار” أو “أبناء الله”، فقال جل شأنه:
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
فالقرآن يقرر بوضوح أن هؤلاء جميعًا خاضعون لحكم الله وشرعه، لا يملكون أن يتحرروا من سلطانه، ولا أن يتخذوا لأنفسهم منزلة فوق غيرهم من البشر. فاليهودي أو المسيحي، صالحًا كان أو آثمًا، ليس أرفع ولا أدنى من إنسانٍ لم ينتسب إلى أيٍّ من الديانتين. ومن ثم فإن الاختيار الجماعي في القرآن لا يترتب عليه الخلاص الفردي بالضرورة، إذ تظل النجاة رهينة بالإيمان والعمل الصالح لا بالانتماء الديني أو العرقي.
وهنا تتكشف المفارقة الجوهرية في مفهوم الاختيار اليهودي وتحويراته المسيحية، إذ يقوم على تفضيلٍ مطلق لا يقوم له أساس في ميزان العدل الإلهي. وكما لاحظ المفكر الباكستاني فضل الرحمن، فإن القرآن يؤكد أنه “لا يمكن لأي جماعة أن تدّعي أنها موجهة ومختارة بشكل فريد”، لأن الهداية في منطق الوحي ليست امتيازًا جماعيًّا، بل ثمرة الإيمان الفردي الصادق.
وفي هذا السياق، ينتقل البحث إلى فحص مفهومين قرآنيين يوجزان ببلاغة ودقة لاهوت الإسلام، ويقابلان المفاهيم الكتابية للاختيار: الأمة الواحدة والتقوى.
“أمة واحدة” في القرآن
لقد اقترح الباحث روفين فايرستون أن الإسلام، في تصوره العقدي، يدّعي بدوره نوعًا من “الاختيار” لأتباعه، غير أنه – على حد قوله – اختيار أقل حصرية من ذلك الذي نجده في اليهودية أو المسيحية. ويرى فايرستون أن القرآن يجعل الاختيار مشتركًا بين جميع الموحدين، وبذلك يمنح مكانًا لمفهوم العهد الإلهي في اليهودية والمسيحية ضمن الإطار الإسلامي الأوسع.
غير أن هذا التوصيف، وإن أصاب جانبًا من الحقيقة، إلا أنه يعوزه التمييز الدقيق بين مفهومي الاختيار والعهد في النصين القرآني والكتابي، إذ يخلط فايرستون بينهما ويغفل الفارق الجوهري في الدلالة والمقصد.
فالقرآن يصرّح – مرارًا وتكرارًا، تصريحًا وتلميحًا – بأن الله لا يمنح معاملةً تفضيلية لجماعةٍ معينة على أساسٍ عرقي أو جنسي أو أيّ عاملٍ تمييزي آخر، بل يجعل التفاضل بين البشر قائمًا على معيارٍ واحدٍ هو التقوى. وقد عبّر الوحي عن هذا المبدأ في قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
فالتقوى، لا النسب ولا الانتماء، هي المقياس الوحيد الذي يزن به الله عباده. ويؤكد القرآن هذه الحقيقة حين يصف أتباع الإسلام – أي دين الاستسلام لله – بأنهم يمثلون أمة واحدة ممتدة عبر التاريخ، لا تُحدّ بزمانٍ ولا مكان. وبعد أن يذكر طائفةً من الأنبياء، من إبراهيم إلى عيسى، يقرر في ختام الحديث قوله تعالى:
﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾
بهذا يكون الأنبياء وأتباعهم الصادقون جميعًا جزءًا من الأمة الواحدة التي وحّدها الإيمان بالله، وربطها خلق الحسن، لا العرق ولا الوطن. ومن هنا جاء تأكيد القرآن أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم وأتباعه هم الأقرب إلى إبراهيم عليه السلام، لأنهم اتبعوا ملّته في الإخلاص لله:
﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وتختتم الآية بتعيين “الإيمان” صفة جامعة بين جميع المؤمنين، وهي التي تُنشئ بينهم رابطة الأخوة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان. ولهذا أعلن الله أن أتباع محمد وأتباع الأنبياء من قبله سيُحاسبون بمعيارٍ واحد لا تفرقة فيه إلا بالتقوى والعمل الصالح، فقال جل شأنه:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
يقوم الإسلام في جوهره على مبدأ الجدارة الفردية، لا على الامتياز الموروث أو الانتماء الجماعي. فالله سبحانه، بعد أن يذكر في كتابه الكريم إنزاله للقرآن، يبيّن أن الذين ورثوه — أي أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم — ليسوا سواءً في المرتبة ولا في العمل، بل ينقسمون إلى ثلاث فئات، تختلف فيما بينها بقدر ما تختلف درجات الإيمان والعمل الصالح، إذ يقول تعالى:
﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
وهذه القسمة الثلاثية لا تقوم على أي تمييز عرقي أو ديني، بل على ميزانٍ دقيق من الإيمان والنية والعمل. فلا فضل لأحدٍ إلا بما قدم من طاعةٍ وصلاح، ولا ينقص أحدٌ إلا بما ارتكب من معصيةٍ أو تقصير. ولهذا يؤكد القرآن في مواضع كثيرة أن الحساب فرديٌّ لا جماعيّ، وأن الإنسان لا يُجازى إلا بما كسبت يداه، إذ يقول الحق جل شأنه:
﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
فليس في الإسلام مفهوم للخلاص الجمعي أو الإدانة الجماعية. وحينما يذكر القرآن جماعاتٍ تنال الجزاء أو العقاب يوم القيامة، فإن تلك الجماعات ليست إلا تعبيرًا عن مجموع أفرادٍ تشابهت أعمالهم، فاستحقوا مصيرًا واحدًا في دار الجزاء.
ومن ثمّ، فإن أمة القرآن الواحدة تتكون من جميع المؤمنين الصادقين عبر التاريخ، أولئك الذين تبعوا أنبياء الله حقًّا وساروا على نهجهم في التوحيد والإحسان. فهي لا تقوم على رابطة الدم أو القبيلة أو اللون أو الطبقة أو المكانة، بل على الجمع بين الإيمان والعمل الصالح — هاتان القيمتان اللتان يربط بينهما القرآن ربطًا عضويًّا متكررًا، دالًّا على أن الدين ليس إيمانًا مجردًا، بل سلوكٌ يُجسِّد الإيمان في الواقع.
“خير أمة” في القرآن
وللقرآن الكريم مفهوم آخر موازٍ، يعبّر به عن ذروة هذا التكريم الإلهي وهو خير أمة. يقول تعالى:
﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وقد تنوعت أقوال المفسرين في تحديد المراد بهذه الأمة الخيّرة، فذهب فريقٌ إلى أنها المهاجرون الذين تركوا ديارهم نصرةً للإسلام، ورأى آخرون أنها المسلمون الذين شهدوا معركة بدر، بينما اعتبرها بعضهم وصفًا لجميع أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وهناك من وسّع مدلولها فجعلها تشمل كل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم عبر العصور. وقد نُسبت هذه الأقوال الأربعة جميعها إلى ابن عباس رضي الله عنه.
أما عن معنى “خير أمة”، فقد روي عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لبعض المسلمين: “من عمل عملكم كان مثلكم.” ويبدو أن قوله هذا يشير إلى أن وصف خير أمة الذي نزل في زمن الصحابة، لم يكن حكرًا عليهم، بل يمتد إلى كل من يسلك سبيلهم في العمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن هنا ذهب عدد من كبار العلماء — كالحسن البصري، والزجاجى، وابن عبد البر، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور — إلى أن هذا الوصف الشامل لا يقتصر على الصحابة فحسب، بل على جميع أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ممن حققوا شروط الإيمان والعمل. فالإجماع على أن جيل النبي هو خير أجيال الأمة لا يقتضي أن يختص وصف خير أمة بهم وحدهم، لأن معيار الخيرية ليس زمان النزول بل دوام الاتباع.
ويدعم هذا الفهم الشامل أدلة قرآنية عدة. فأولاً، إن لفظ الأمة في القرآن يطلق على جميع المسلمين، كما في قوله تعالى:
﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ ﴾.
وهذا التعبير — أمة وسطًا — متفق بين العلماء على أنه يشمل جميع أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لا جيلًا دون آخر.
وثانيًا، حين يتحدث القرآن عن أصحاب الأنبياء، سواء كانوا مع محمد أو مع إبراهيم أو مع هود أو مع نوح، فإنه يستخدم التعبير نفسه: والذين معه، أي الذين صدقوا واتبعوا، لا الذين عاصروا فقط.
وثالثًا، إن تحديد “خير أمة” على أنه يشمل الذين يؤمنون بالله ويدعون إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، يتسق تمامًا مع قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي يجعل معيار الخيرية في العمل لا في الانتماء. فكل من دعا إلى الله وسار على نهج رسوله داخل هذه الأمة، فقد استحق أن يكون منها في وصفها الأسمى: خير أمة أخرجت للناس.
إنَّ “خير أمة” — التي تمثل جميع التابعين الصالحين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم — هي في حقيقتها فرعٌ من شجرةٍ أوسع، تضمُّ جميع المسلمين الحقيقيين عبر التاريخ، وهي ما يسميه القرآن “أمة واحدة”. وكما أن “الأمة الواحدة” في الإسلام لا تُبنى على انغلاقٍ عرقي أو حدودٍ اجتماعية أو طائفية، فكذلك “خير أمة” ليست جماعة مغلقة أمام قومٍ دون قوم، بل هي مفتوحة لكل إنسانٍ يسعى إلى الله صادقًا، فيلتزم أمره، ويعمل بشرعه، ويقيم حدوده في نفسه وسلوكه.
فالانتماء إلى “أفضل أمة” لا يقوم على الدم أو اللغة أو النسب، وإنما على الطاعة والإيمان. ولذا تتابع الآية الكريمة بعد ذكر “خير أمة” لتوضح هذا المعنى الجليل، إذ يقول الله تعالى في سورة آل عمران:
﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
فالآية تقرر بوضوح أن اليهود والمسيحيين العاصين لله لا يدخلون في هذه الأمة، بينما أولئك الذين يطيعونه باتباع النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون فيها، أيًّا كانت أصولهم أو أعراقهم. إنَّ هذا الفتح القرآني يجعل من الأمة الإسلامية جماعةً إنسانية شاملة، متجاوزة للحدود التي قيدت غيرها من الأمم الدينية.
وقد أثبت التاريخ صدق هذا الوصف الرباني لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها خير أمة. فقد كانت بحق الأمة الأقدر على حفظ رسالة التوحيد ونشرها في العالمين، بينما انحسر النور عند غيرها. فالأمة التوحيدية الأخرى، أتباع موسى عليه السلام، ظلت محدودةً ومُعرَّضة للتحريف بسبب فساد تعاليمها الأصلية، بل وجعلها دينًا ذا مركزيةٍ عرقية مغلقة. وأما المسيحية، فإنها لم تحفظ التوحيد الخالص الذي دعا إليه عيسى عليه السلام، إذ غلبت عليها عقائد التأليه والمجالس الكنسية. وهكذا بقيت رسالة الإسلام وحدها على صفائها ووضوحها، محفوظةً بنصّها وشريعتها، كما وعد الله تعالى بقوله:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم الأنبياء والرسل، هبة الله الأخيرة للعالمين، إذ أخرج الله على يديه أمةً هي خلاصة الرسالات السابقة، تحمل في ذاتها ميزان العدل الإلهي بين الإيمان والعمل، بين الفرد والجماعة، بين الحق والواجب. فكونه صلى الله عليه وسلم منح العالم خير أمة، هو ذاته السبب في أن جعله الله خاتم الرسل وسيدهم.
الخاتمة
يُقدِّم الكتاب العبري بني إسرائيل على أنهم شعب الله المختار، المحبوب فوق سائر الأمم، والمرتبط بعهدٍ أبدي مع الخالق. غير أن هذا الكتاب يفشل في أن يقدّم تفسيرًا منطقيًا أو تبريرًا معقولًا لهذا الاختيار، إذ يبدو فيه الاختيار الإلهي لمجموعةٍ عرقيةٍ دون غيرها أمرًا متناقضًا، بل غير منسجمٍ مع العدالة الإلهية.
ثم جاءت المسيحية فتبنّت هذا المفهوم المربك، فنزعت عنه طابعه العرقي، وأعادت صياغته لتناسب رؤيتها الخاصة. فحملت عن اليهودية مفهومًا بلا معنى، ثم ألبسته ثوبًا جديدًا يخدم احتياجاتها العقائدية.
أما القرآن الكريم، فقد جاء ليصحح هذا الخلل التاريخي واللاهوتي العميق، فبيّن حقيقة الاختيار كما أرادها الله سبحانه، تفسيرًا واضحًا متماسكًا يرفع الغموض ويعيد المعنى إلى موضعه الصحيح. فهو يقرّ بأن الله اختار (اختيارًا) وفضّل (تفضيلًا) بني إسرائيل على غيرهم من الأمم، لكن لا بمعنى التمييز العنصري أو التفوق الذاتي، بل لأنهم كُلّفوا بحمل الرسالة النبوية وحراسة الإرث السماوي. فذلك كان نوعًا من النعمة الجماعية، لا امتيازًا شخصيًا.
لقد كان هذا الاختيار جزءًا من عهده وميثاقه الرسمي معهم، عهدٍ تضمن واجباتٍ إيمانية وسلوكية شاملة لجميع أفرادهم، لا لأنهم أبناء قومٍ معين، بل لأنهم حملةُ أمانةٍ محددة.
وعلى مدى أكثر من ألفي عام، ظل بنو إسرائيل — ثم اليهود من بعدهم — يحملون التراث النبوي، وإن على نحوٍ ناقصٍ ومشوّهٍ أحيانًا، محتفظين ببعض معالم التوحيد والشريعة الإلهية. لكن هذه المهمة انتهت حين بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فانتقل الإرث النبوي إلى أمةٍ جديدةٍ حملت الرسالة الخاتمة للعالمين.
ويبيّن القرآن أن المعيار الوحيد الذي يُفرِّق به الله بين الناس هو التقوى، كما قال تعالى:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
إن جميع الأفراد الصالحين في التاريخ — من آدم إلى نوح، ومن موسى إلى عيسى، ومن عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان — هم في نظر القرآن “أمة واحدة” من المؤمنين المسلمين، يشترك أفرادها في جوهر العقيدة وإن اختلفت أزمنتهم وألسنتهم.
فهكذا يكتمل البناء الإلهي: أمةٌ واحدةٌ ممتدة عبر التاريخ، ختمها الله بأمةٍ هي خير الأمم، وجعلها شاهدةً على الناس، كما كان نبيها صلى الله عليه وسلم شهيدًا عليها.
نُقل من yaqeeninstitute بقلم د. لؤى فتوحي حاصل على شهادة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة بغداد، العراق
إذا أردت أن تُدّعم المحتوى الثقافي المقّدم لك بثمن كوب قهوة فهذا يسرنا كثيراً، فقط اضغط على الزر التالي




مقالة مذهلة متكاملة، ترتيب الفقرات وعرض الآيات القرآنية والنصوص من الكتب الاخرى متناسق بشكل يسهل القارئ على الفهم.