نهايات الزمن : كيف انتقلت البشرية من الزمن الأبدي إلى الزمن المحدود؟
لا شيء يدوم إلى الأبد: لا الإنسانية، ولا الأرض، ولا الكون. لكن المحدودية تضفي معنى لا يمحى على حياتنا
هل تتذكر تلك اللحظة الأولى التي أدركت فيها أنك ستموت؟ إنها لحظة فاصلة بحق، لحظة يتعلم فيها الإنسان درساً ثقيلاً لا يُنسى: أن عمره محدود، وأن هذا العالم كان قائماً قبله، وسيظل قائماً بعده، لا ينتظر أحداً ولا يلتفت إلى من غادر.
ومع نمو الإنسان، يتشكل فهمه لفكرة الموت تدريجياً، مرحلة بعد أخرى، لكنه لا يكتمل حقاً إلا حين يعترف المرء بموت نفسه؛ اعتراف لا مفر منه، ومع ذلك يظل صادماً. إنه إدراك الفناء. وفي فترة ما بين السادسة والعاشرة من العمر، يبدأ الأطفال في استيعاب هذه الحقيقة الثقيلة: أن الزمن، مهما بدا طويلاً، له نهاية لا مهرب منها.
ويمكننا، على نحو قريب من ذلك، أن نقول الشيء نفسه عن وعي البشرية بذاتها. فالإدراك الجمعي للإنسان لم يبدأ في تقبل فكرة فنائه إلا في زمن قريب نسبياً. نحن الآن فقط نفهم أن أحداثاً لا حصر لها سبقت وجودنا، وأن نوعنا نفسه قد يختفي يوماً ما، دون عودة. سيأتي وقت يستمر فيه الكون، بلا إنسان يشهده، وبلا أي ميل طبيعي لأن يحتفظ بما نراه نحن مهماً أو جديراً بالبقاء.
وقد أطلق الناشط المناهض للحرب، جوناثان شيل، على هذا الإدراك اسم «الموت الثاني». فكل واحد منا يتصالح، مع مرور الوقت، مع “الموت الأول” — موت الفرد — لكن خلف هذا التصالح يكمن وعي أشد قسوة: أن البشرية نفسها لم تكن موجودة دائماً، ولن تظل موجودة إلى الأبد.
ولفترة طويلة من التاريخ، كان هذا الفهم غائباً. فقد لجأ الناس إلى إنكار أو تجاهل فكرة النهايات الكبرى التي تتجاوز نهاياتهم الفردية، مستندين إلى فكرة الأبدية. وقبل ظهور الأدلة التي تناقض ذلك، كان من المقبول أن يُعتقد أن الزمن، خارج ما ندركه منه، بلا حدود حقيقية. وعلى مدى آلاف السنين، وجد الناس في هذا الاعتقاد عزاءً كبيراً؛ ففي الأبدية لا يموت شيء حقاً. ومع زمن لا نهاية له، تصبح كل الاحتمالات — مهما بدت مستحيلة — قابلة للحدوث مرة أخرى، بلا نهاية. وهكذا، بدا من المنطقي أن كل ما انتهى قد يعود يوماً ما، في مكان ما داخل هذا الامتداد اللامحدود.
لكن الصورة اليوم مختلفة تماماً. لم تعد البشرية تملك رفاهية الإيمان بالأبدية. فنحن نعلم الآن، بفضل الأدلة المتراكمة، أن هناك نهايات أعظم وأشمل من نهايتنا الفردية. نعرف أن الأرض والحياة عليها لهما بداية، وأنهما في يوم ما سيواجهان نهايتهما تحت شمس هرِمة. وهذا ما يمكن تسميته «الموت الثالث». وما هو أبعد من ذلك، أن الكون نفسه ليس أبدياً؛ فقد بدأ بانفجار عظيم، ويرجح أنه سيتجه في المستقبل البعيد إلى نهاية ما. وهذا هو «الموت الرابع». دوائر متسعة من الفناء، تبدأ من الفرد وتمتد إلى كل شيء.
ونحن الآن فقط نحاول أن نتعلم كيف نعيش مع هذه الحقيقة — حقيقة أن الفناء هو القاعدة. إنه إدراك يعيد تشكيل نظرتنا للعالم، وربما يُقارن يوماً ما بثورة كوبرنيكوس. فمنذ أقل من خمسة قرون، بدأ نيكولاوس كوبرنيكوس رحلة فكرية انتهت إلى حقيقة صادمة: الأرض ليست مركز الكون. بل مجرد كوكب يدور حول نجم عادي في كون شاسع يتجاوز قدرتنا على الفهم. واستغرق الناس وقتاً طويلاً ليستوعبوا آثار هذا الاكتشاف. وبالمثل، نحن اليوم لا نزال في بداية فهمنا لمعنى هذه النهايات المتداخلة التي نعيش داخلها. فالتغيرات الكبرى لا تظهر آثارها فوراً؛ تحتاج وقتاً حتى يهدأ الغبار وتتضح الصورة.
ومع ذلك، إذا كان كوبرنيكوس قد جعلنا نشعر بصغر حجمنا في هذا الكون، فإن إدراك أن للزمن حدوداً قد يفعل العكس تماماً. فهو يوحي بأن أفعالنا قد تكون أكثر أهمية مما تصورنا. هناك ثورة تهدم، وأخرى تبني من جديد.
ولماذا يحدث هذا؟ لأن التخلي عن فكرة الأبدية، في جوهره، يدفعنا إلى الفعل. حين ندرك أن وقتنا محدود، يصبح لما نفعله الآن قيمة حقيقية. فالعلم الحديث لم يكشف لنا هذه الحقيقة إلا حين أظهر أن للزمن بداية ونهاية. وما يحدث داخل هذا الإطار قد يترك أثراً لا يمكن محوه. فإذا كان الزمن محدوداً، فلن تتكرر الأحداث كما هي. وإذا كان ما نعيشه الآن لن يعود، فإن بعض القرارات تصبح نهائية، لا رجعة فيها.
وعبر التاريخ، عندما واجه الإنسان شيئاً لا يستطيع إدراك حدوده، كان يميل إلى اعتباره بلا حدود. نحن نخلط بسهولة بين ما هو ضخم جداً وما هو غير محدود. ولم يكن الزمن استثناءً من ذلك. فبالنسبة لمعظم تاريخ البشرية، كانت الأبدية في الزمن تشبه “الأراضي المجهولة” في الخرائط القديمة: مساحة غامضة تبدأ حيث ينتهي ما نعرفه.
ورغم أن الأديان الإبراهيمية تحدثت منذ زمن بعيد عن بداية ونهاية للزمن — من الخلق إلى القيامة — فإن فكرة الأبدية ظلت حاضرة بقوة داخل هذه التصورات. فقد كان يُنظر إلى الحياة الدنيا على أنها فترة قصيرة، تقع بين أبدية سابقة لإله غير مخلوق، وأبدية لاحقة هي الحياة الآخرة.
ولعل السبب في بقاء فكرة الأبدية كل هذا الوقت هو ما تمنحه من عزاء. ففي زمن بلا نهاية، تصبح كل الاحتمالات ممكنة، وكل خسارة قابلة للتعويض، وكل تغيير مجرد مرحلة في دورة لا تنتهي. لا يوجد خط مستقيم، بل دائرة تدور باستمرار. كل ما نفقده سنسترده يوماً ما، وكل ما نملكه سنفقده في وقت ما. إنها حركة لا تتوقف، تُذيب معنى النهاية نفسها.
ومع ذلك، فمن الصحيح أيضاً أن الأدلة التي أطاحت بفكرة الأبدية لم تظهر فجأة، بل جاءت ببطء شديد، وكأنها تتسلل خطوة خطوة. فالمعرفة في النهاية مرتبطة بما نلاحظه، ونحن لا نعرف إلا بقدر ما نستطيع — أو ما تستطيع أدواتنا — أن تراه. ولهذا، قبل أن يبتكر الإنسان وسائل تُمكّنه من استكشاف ما هو أبعد من خبرته المباشرة، كان من الصعب رفض الفكرة القائلة إن الزمن، وراء ما ندركه، بلا حدود، وأن الأبدية هي الحالة السائدة هناك.
ويتحدث الناس أحياناً عن «إله الفجوات»، في إشارة إلى أن المساحات الغامضة التي كنا نملؤها بتفسيرات خارقة تتقلص كلما تقدمنا في فهم الكون. وقد حدث شيء مشابه مع فكرة الزمن الأبدي. فكلما تقدمنا في الاستكشاف، ومددنا نظرنا إلى مسافات أبعد، بدأنا نكتشف بدايات — ونهايات محتملة — للأرض، وللحياة، وللكون نفسه. وهكذا استُبدلت فكرة الأبدية بمقاييس زمنية محدودة، لكنها تتسع تدريجياً. ومع ذلك، لم تختفِ الأبدية تماماً؛ بل كانت تتراجع ببطء، خطوة بعد خطوة، إلى المناطق المظلمة خارج نطاق ما أضاءته معرفتنا.
وحتى اليوم، لا يزال كثيرون يخلطون بين الفترات الزمنية الهائلة التي كشفتها العلوم الحديثة — والتي نطلق عليها «الزمن العميق» — وبين الأبدية نفسها. ولأن خيالنا يعجز عن استيعاب هذه المدد الضخمة، فمن السهل أن نتعامل معها وكأنها بلا نهاية، بلا حدود، بلا أطراف.
وإذا كان من الصعب علينا اليوم تقبّل هذه الحدود الشاسعة، فإنه كان مستحيلاً تقريباً على من عاشوا قبلنا بقرون، قبل اختراع التلسكوبات الراديوية، وقبل اكتشاف التأريخ بالكربون المشع. قبل ألف عام، كان واضحاً أن حياة الإنسان الفرد ليست أبدية، لكن لم يكن هناك ما يحسم ما إذا كان كل شيء خارج هذا النطاق المحدود يعيد نفسه بلا نهاية.
وكان لهذا التصور أثر خطير في سلوك البشر. فإذا كانت الأحداث تتكرر دائماً، مهما حدث الآن، فإن كل ما نفعله سيُمحى أثره في النهاية. وبناءً على هذا الفهم، رأى السياسي الروماني شيشرون أن الجهد المبذول في حفظ التراث — حتى التراث القوي — لا جدوى منه، فما بالك بما هو أقل ثباتاً.
وقبل أن تُجمع السجلات الأثرية، وتُقارن، وتُنقل عبر القارات بدلاً من بقائها محصورة في مكان واحد، لم يكن ممكناً دحض الفكرة القائلة إن تاريخ البشر يدور في حلقة مفرغة، بلا بداية واضحة ولا تغير حقيقي.
وكذلك، قبل أن تُرسم خريطة كاملة للأرض، كان من المعقول أن يظن الناس أن كل ما يحدث في مكان ما قد حدث — وسيحدث — في أماكن أخرى منفصلة، بشكل متكرر بلا نهاية.
وفي كتاب الليفياثان (1651)، تحدث توماس هوبز عن انتقال البشر من «حالة الطبيعة» المليئة بالصراع إلى «العقد الاجتماعي». وقد يبدو لنا اليوم أن هذا يشبه الانتقال من ما قبل التاريخ إلى التاريخ، حيث لم يكن هناك بشر يمارسون الزراعة أو الكتابة، ثم بدأ بعضهم في ذلك. لكن هذا لم يكن ما قصده هوبز. فقد أوضح بوضوح أنه لا يعتقد أن تلك الحالة البدائية كانت سائدة في العالم كله في وقت واحد.
بالنسبة لهوبز، لم يكن التاريخ سلسلة من القطيعات، بل أقرب إلى دائرة. قد تتغير أوضاع المجتمعات من مكان لآخر، لكن من منظور أوسع، كل حالة كانت موجودة بالفعل في مكان ما. وبهذا المعنى، لا يبدو مستقبل البشرية مختلفاً جذرياً عن ماضيها الطويل.
وقد لاحظ معاصرو هوبز — من فرانسيس بيكون إلى إدموند هالي — أنه رغم ظهور اختراعات جديدة، ظل هناك شك خفي: ربما كل هذه الإنجازات قد حدثت من قبل، مرات لا تُحصى، على يد حضارات اندثرت عبر الزمن. كانت الأبدية آنذاك أشبه بأفق بعيد، خلف أراضٍ لم تُكتشف بعد.
وفي القرن الثامن عشر، بدأت هذه الصورة تتغير — لكن لم يكن ذلك سهلاً.
ففي تلك الفترة، بدأ العلماء يوجّهون اهتمامهم إلى الأرض نفسها، محاولين فهم موقع الحاضر داخل الزمن. وكان علم الجيولوجيا في طريقه إلى أن يصبح علماً مستقلاً. وقبل أن يبدأ الحفر العميق في الأرض، افترض الجيولوجيون الأوائل أنهم لن يجدوا دليلاً على تغير حقيقي عبر تاريخ الكوكب. كانوا يتوقعون أن تحتوي الطبقات العميقة، مثل السطح، على بقايا الكائنات الحية نفسها التي نعرفها اليوم. بل إن بعضهم تخيل أنه إذا أمكن الوصول إلى مركز الأرض، فقد نجد بقايا بشر هناك.
لكن عندما بدأ العلماء بالفعل في دراسة طبقات الأرض، طبقة تلو الأخرى، وقراءة ما يخبرهم به السجل الأحفوري، كانت المفاجأة كبيرة. لم تكن الطبقات القديمة تخلو فقط من بقايا الكائنات الحية، بل إن الهياكل التي وُجدت فيها كانت تختلف جذرياً كلما عدنا إلى الوراء في الزمن. كانت أقل شبهاً بما نعرفه، وأكثر غرابة. ولم يُعثر على أي أثر للبشر في تلك الطبقات القديمة، وهو ما يشير إلى أن وجودنا حديث جداً في تاريخ الأرض — حديث إلى درجة محرجة تقريباً. (وقد وُجدت حالة واحدة بدت كدليل، لكنها اتضح لاحقاً أنها مجرد هيكل لسمندر عملاق.)
وكانت الساحة مهيأة لظهور أول نظرية فيزيائية تحاول تفسير ماضي الأرض ومستقبلها بشكل شامل. وقد جاءت هذه المحاولة على يد العالم الفرنسي جورج-لوي ليكلير، كونت دي بوفون، في سبعينيات القرن الثامن عشر. فقد افترض أن الأرض تفقد تدريجياً مخزونها المحدود من الحرارة الداخلية، وأنها بدأت كجسم منصهر، وتتجه — بلا رجعة — نحو نهاية باردة متجمدة.
وفي عزلته داخل مصنعه السفلي في بورغندي، أخذ بوفون يُسخّن كرات من الحديد، ثم يقيس الزمن الذي تستغرقه لتبرد، قبل أن يُوسّع نتائجه حسابياً لتناسب حجم الكرة الأرضية. ومن خلال هذه التجارب، قدّر أن عمر الأرض يبلغ نحو 74,832 عاماً، وأن الحياة ظهرت عليها قبل 35,983 عاماً، وأنها ستبقى صالحة للسكن قرابة 93,291 عاماً أخرى. (ففي ذلك الوقت لم تكن دقة التقريب العلمي قد استقرت بعد كمنهج واضح.) ومع ذلك، لم تكن فكرة الأبدية مستعدة للانسحاب بسهولة. فمع تراكم الأدلة على أن الأرض أقدم بكثير، ومع اتساع الزمن حتى بدا وكأنه بلا حدود، رأى بعضهم في ذلك دليلاً جديداً على اللانهاية.
ولم تمضِ فترة طويلة بعد أبحاث بوفون حتى جاء الجيولوجي الاسكتلندي جيمس هتون ليقول إن تفسير خصائص الأرض يجب أن يعتمد فقط على الأسباب التي نراها في الحاضر. ومع التمسك الشديد بهذا المبدأ، انتهى إلى الاعتقاد بأن الأرض لم تكن في يوم من الأيام مختلفة جذرياً عما هي عليه الآن، ولن تصبح كذلك في المستقبل. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة بأن الجيولوجيين لا يجدون «أثراً لبداية، ولا آفاقاً لنهاية». بل إنه شكك حتى في فكرة أن الأرض مرت بمرحلة خالية تماماً من الحياة، مؤكداً أن نظامها لا يعرف تحولات غير مسبوقة.
وقد انبهر هتون بطول الزمن الذي تحتاجه العمليات البسيطة — مثل التعرية والترسيب — لتشكيل الجبال الشاهقة، وهي عمليات بطيئة ومجزأة. ولهذا أصرّ على أن ماضي الأرض ومستقبلها ليسا طويلين فحسب، بل بلا نهاية. وغالباً ما يُحتفى به على أنه «مكتشف الزمن العميق»، لكن هذا الوصف ليس دقيقاً تماماً؛ لأنه كان في الحقيقة مفتوناً بفكرة اللانهاية، لا بالعمق الزمني بمعناه الحقيقي. فاللانهاية، في جوهرها، زمن لا يتغير فيه شيء.
وهكذا عادت فكرة الأبدية إلى الظهور مؤقتاً، متخفية داخل ضباب الزمن الجيولوجي. لكن في النهاية، كان رأي بوفون — القائل إن للأرض تاريخاً له بداية ونهاية — هو الذي انتصر، وإن جاء ذلك ببطء. صحيح أن طرق بوفون كانت بدائية، وأن نتائجه لم تكن دقيقة، لكنها كانت خطوة مهمة للغاية. فتجاربه التي حاول فيها محاكاة تاريخ الأرض على نطاق صغير تُعد بداية لما نعرفه اليوم من نماذج علمية متقدمة، مثل نماذج المناخ.
وفي جوهر الأمر، فإن سعي بوفون إلى تحديد حدود زمنية لتاريخ الأرض هو ما أتاح لنا أن نفهم قصة الحياة على أنها قصة لها بداية حقيقية، ونهايات لا يمكن التراجع عنها.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد من الممكن القول إن كل ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل في ماضٍ لا نهاية له. وعلى العكس، فإن وجود حدود للماضي فتح الباب أمام مستقبل مختلف. أصبح من الممكن أن يحدث شيء جديد تماماً، شيء لم يحدث من قبل.
لكن هذا يعني أيضاً أن هناك تحديات غير مسبوقة، منها كوارث قد تكون أشد مما عرفه التاريخ.
وفي عام 1777، تساءل بوفون عما قد يحدث إذا اختفت كل أشكال الحياة على الأرض فجأة بسبب كارثة ما. وقد افترض أن الحياة ستعود تلقائياً، فتُعيد ملء الكوكب بسرعة، وبالأنواع نفسها التي كانت موجودة من قبل.
ورغم أن تاريخ الأرض أصبح يُنظر إليه على أنه محدود، فإن مسألة الأنواع نفسها لم تكن قد حُسمت بعد. فقد كان يُنظر إلى الكواكب على أنها كيانات لها بداية وعمر ونهاية، لكن فكرة أن الأنواع تخضع لنفس القوانين لم تكن واضحة بعد.
ولأن العلماء لم يكونوا قد اتفقوا على كيفية ظهور الأنواع، لم يكن هناك إدراك حاسم بأنها إذا اختفت فإنها تختفي إلى الأبد. ففي أوائل القرن التاسع عشر، كان بعض العلماء يعتقدون أن الكائنات المعقدة يمكن أن تظهر فجأة دون أسلاف. وكان أتباع هتون يظنون أن الديناصورات قد تعود يوماً ما من تلقاء نفسها، بينما تخيل آخرون أن البشر الأوائل خرجوا من البحر دون حاجة إلى آباء.
ثم جاء تشارلز داروين ليغيّر هذا كله. فمنذ نشر كتاب «أصل الأنواع» عام 1859، لم يعد من الممكن القول إن الكائنات المعقدة تظهر من العدم. فوجودنا اليوم هو نتيجة سلسلة طويلة جداً من التطور، تمتد عبر عدد لا يُحصى من الأجيال، من كائنات أبسط إلى كائنات أكثر تعقيداً، دون قفزات مفاجئة أو معجزات.
وقد أوضح هذا لماذا لا يمكن لأي نوع أن يظهر في أي وقت أو مكان دون تاريخ طويل من الأسلاف. فنحن جميعاً أبناء هذا الزمن الطويل، لا أبناء الصدفة أو اللزوجة. والأهم من ذلك، أن داروين أثبت أنه إذا انقرض نوع ما تماماً، فلن يعود إلى الوجود مرة أخرى، في أي مكان.
وهكذا، بيّن داروين أن للأنواع أيضاً حياة كاملة: تولد، وتستمر، ثم تنقرض. وأن هذه الرحلة تخضع لعلاقة واضحة بين السبب والنتيجة. فالقرارات والأفعال التي تحدث اليوم قد تؤدي إلى اختفاء نوع كامل إلى الأبد، تاركة أثراً لا يمكن محوه في مستقبل الأرض.
ومع ذلك، لم تختفِ فكرة الأبدية تماماً، بل وجدت لنفسها مكاناً جديداً خارج الأرض، مع اتساع فهمنا لحجم الكون. فبعد الثورة الكوبرنيكية، أصبحت الكواكب الأخرى مسرحاً جديداً لفكرة التكرار اللانهائي، ومن ثم لفكرة الخلود.”
وحين كشف علم الفلك أن كوكبنا ليس سوى واحد من عدد لا يُحصى من العوالم، شعر الإنسان بصغره. لكن هذا لم يُشعره بالوحدة في البداية، بل حدث العكس تماماً. فعندما انكشفت اتساعات الكون في القرن السابع عشر، عبّر بليز باسكال عن خوفه قائلاً: «الصمت الأبدي لهذه الفضاءات اللامتناهية يرعبني». غير أن كثيرين ينسون تتمة الفكرة. فما أرعبه لم يكن احتمال أن نكون وحدنا، بل العكس: أن نكون غير مهمين وسط عدد لا نهائي من العوالم التي «لا تعرف شيئاً عنا». فقد تخيّل باسكال أن تلك العوالم تضم الكائنات نفسها التي نعرفها هنا — حتى «القراد» — وأن كل ما يحدث على الأرض يتكرر في الكون «بلا نهاية ولا توقف». ما كان يقلقه حقاً هو أن هذا التكرار الهائل يسلبنا أي تميز، ويجعلنا عاديين تماماً.
ولم يكن باسكال وحده في هذا التصور. فحين واجه الناس كوناً أوسع بكثير مما اعتادوا تخيله، كان رد الفعل الطبيعي أن يفترضوا أنه بلا حدود. وقد ذهب معاصروه، مثل اللاهوتي هنري مور، إلى الاعتقاد بوجود «عدد لا نهائي» من العوالم والبشر. بل إن بعضهم أطلق العنان لخياله، فتخيل عدداً لا يُحصى من آدم يتزوجون بعدد لا يُحصى من حواء. ففي عالم بلا نهاية، لا يوجد شيء فريد، ولا شيء يختفي إلى الأبد.
وفي بدايتها، لم تُقلّص الثورة الكوبرنيكية من شأن الإنسان، بل على العكس، وسّعت وجوده إلى آفاق كونية. وظلت هذه التصورات قائمة، دون أن تتعرض لهزة حقيقية، حتى بدايات القرن العشرين على الأقل.
خذ مثالاً على ذلك كلمات أرنولد تايلور، وهو قسيس في قرية إنجليزية هادئة، كتب عام 1901 رسالة إلى محرري مجلة علمية يبحث فيها عن الطمأنينة. فقد أقلقه أن يقرأ كتاباً يقول إنه ربما لا توجد حياة بشرية على كواكب أخرى. ورأى أن هذا الرأي «مبالغ فيه» أكثر مما ينبغي.
وفي حيرته، تساءل تايلور عما يعتقده الفلكيون — أو كما كان يسميهم «علماء الكواكب» — في هذا الأمر. واختار كوكب المريخ مثالاً، قائلاً إنه يفترض أن الرأي الشائع هو «احتمال وجود بشر يعيشون هناك».
ولم يكن اهتمامه مجرد فضول. فقد كان لعائلته علاقة مباشرة بالأمر؛ إذ إن عمه الأكبر، داوز، كان قد رسم من قبل خرائط تفصيلية للمريخ، واعتقد — خطأً كما تبيّن لاحقاً — بوجود قنوات مائية عليه. وقد عُدّ هذا في زمانه دليلاً على أن المريخ مأهول.
ولم يكن هذا الاعتقاد شاذاً. فقبل ذلك بقرن، كان كثيرون يظنون أن الكواكب الأخرى لا بد أن تسكنها كائنات بشرية، وأن ما يحدث هنا يتكرر هناك أيضاً.
وفي ذلك الوقت، كانت فكرة الزمن المحدود قد بدأت تمتد لتشمل النظام الشمسي كله. فبفضل قوانين الديناميكا الحرارية، أصبح من المقبول أن الشمس ستنتهي يوماً ما، مما يعني نهاية الحياة على الكواكب التابعة لها. لكن السؤال بقي مفتوحاً: ماذا عن بقية الكون؟ فرغم أن النجوم نفسها يمكن أن تولد وتموت، فإن الكون ككل كان يُعتقد أنه بلا بداية ولا نهاية.
ولهذا، حتى بعد أن جعلت نظرية داروين فكرة الخلود على الأرض غير مقبولة، ظل بإمكان الناس أن يبحثوا عن شكل من أشكال الخلود بين النجوم. ففي كون بلا نهاية، لا بد أن تتكرر حتى أندر الظروف مرات لا تُحصى. فلماذا لا يوجد دائماً — كما قال الفيزيائي روبرت أ. ميليكان عام 1929 — كوكب ما «لا يهم أين»، يمكن أن يستمر عليه تطور الإنسان بعد مليار عام؟
في كون أبدي، يصبح هذا النوع من العودة أمراً لا مفر منه. حتى داروين نفسه لمح، بشكل خجول، إلى احتمال «بداية جديدة» للحياة بعد موت الشمس. وكان في هذا التصور شيء من الطمأنينة، خاصة في زمن بدأ فيه الإنسان يعبث بأدق مكونات المادة كالذرات.
لكن هذا الإحساس لم يدم طويلاً. فقد بدأ الكون نفسه يكتسب حدوداً زمنية. ففي عشرينيات القرن العشرين، لاحظ إدوين هابل، باستخدام أقوى تلسكوب في ذلك الوقت، أن المجرات البعيدة تتحرك مبتعدة عنا. كان الكون يتمدد.
وإذا تتبعنا هذا التمدد إلى الماضي، فإننا نصل إلى بداية انفجارية. وإذا نظرنا إلى المستقبل، فإننا نرى نهاية تتباعد فيها المادة والطاقة حتى التلاشي. وهكذا بدا أن الكون نفسه له بداية ونهاية.
وكان جورج لوميتر أول من جمع هذه الأفكار في تصور واحد. فقد اقترح أن الكون نشأ من «انفجار عظيم». وفي عام 1931، شبّه الكون بعرض ألعاب نارية، حيث نقف نحن على «جمرة بردت» ونشاهد بقايا الانفجار الأول تنتشر في الفضاء.
وفي عام 1946، نشر لوميتر كتاباً يشرح فيه هذه الفكرة. وبعدها بثلاث سنوات، أطلق الفلكي فريد هويل — على سبيل السخرية — اسم «الانفجار الكبير» على هذه النظرية خلال حديث إذاعي على «بي بي سي». لكن الاسم بقي، وأصبح هو الشائع.
ومنذ عام 1948، حاول هويل نفسه الدفاع عن فكرة الكون الأبدي، تماماً كما فعل هتون من قبل مع الأرض. لكنه هذه المرة كان يتحدث عن الكون كله. حاول تقديم تفسيرات لتمدد الكون دون الحاجة إلى بداية، لكن في النهاية، مالت الأدلة لصالح نظرية الانفجار الكبير.
وكان لهذا التحول أثر عميق. ففي كون أبدي، يمكن تصور أن الحياة لم تبدأ في نقطة معينة، بل كانت تنتقل دائماً من مكان إلى آخر. وقد تخيل بعض العلماء وجود «بذور كونية» أو «جراثيم فضائية» تنشر الحياة عبر الفضاء بلا انقطاع.
وقد سمح هذا التصور بالقول إن «الحياة أبدية مثل المادة». كما أعطى الناس شعوراً بالراحة، إذ يجعل كل الكائنات الحية جزءاً من عائلة كونية واحدة، لا كائنات معزولة بلا أصل. كما أن فكرة أن الحياة لم تبدأ أبداً تجعل من الصعب تخيل أنها ستنتهي. فشيء موجود في كل زمان ومكان يبدو من المستحيل القضاء عليه.
لقد غذّت فكرة الكون الأبدي، زمناً طويلاً، أملاً متكرراً في أن نوعنا البشري نفسه — مهما بدا ذلك بعيد الاحتمال — يمكن أن يظهر من جديد. ولماذا لا تكون النجوم، كما كان يطمئن بعض المفكرين، «مناطق مستقبلية لخلودنا»؟ حيث توجد دائماً «شموس أخرى، وأراضٍ أخرى، وبشريات أخرى»؛ تمثل «خلفاءنا» في مسار عقل كوني لا نهاية له.
غير أن اكتشاف أن الكون نفسه يبدو محكوماً بحدود زمنية بدّد هذه الآمال. وقد تنبّه إلى ذلك عالم الأنثروبولوجيا لورين إيسلي، حين لاحظ عام 1953 أن فكرة «الكون الأبدي» كانت تمنحنا زمناً لا نهائياً يمكن أن يظهر فيه الإنسان مرة بعد أخرى. كانت أشبه بضمان، أو بوليصة تأمين.
لكن إيسلي أدرك أن الأدلة المتزايدة على صحة الانفجار الكبير تهدم هذا التصور من أساسه. فلم يعد ممكناً أن نفترض أن الحياة تدور إلى الأبد، تنتقل كأنها «جراثيم» من بقايا أنظمة احترقت إلى أنظمة تولد من جديد. بل أصبح علينا أن نواجه احتمالاً أكثر صعوبة: أن الحياة لها نقطة بداية، وأنها لذلك كيان هش، يتوقف بقاؤه على مدى انتشاره واتساعه.
وقد وافقه في ذلك عالم الكونيات جورج غاموف. ففي عام 1941، أشار إلى أن فكرة الانفجار الكبير تعني أن مسألة أصل الحياة «يجب أن تُعاد مناقشتها». لقد كان هناك زمن لم توجد فيه حياة في أي مكان من الكون، ثم جاء زمن ظهرت فيه. وهكذا أصبحت الحياة نفسها — بوصفها ظاهرة كونية — قصة لها بداية وحدود. شيء نشأ، ولا بد أن ينتهي يوماً ما.
كما دعمت قوانين الديناميكا الحرارية هذا الفهم. ففي مستقبل بعيد جداً، سيصل الكون إلى حالة يستنفد فيها طاقته القابلة للاستخدام، وحينها لن تعود الحياة المعقدة ممكنة في أي مكان.
وقد أثار تصور الانفجار الكبير أسئلة أكثر إزعاجاً مما سبقه. ففي عام 1950، طرح إنريكو فيرمي سؤاله الشهير: «أين الجميع؟» وكان يقصد الكائنات العاقلة خارج الأرض. في السابق، كان من السهل الافتراض أن السفر بين النجوم مستحيل؛ ولو كان الكون أزلياً حقاً، لكان من المفترض أن يزورنا أحد منذ زمن بعيد.
لكن ظهرت فكرة أخرى ممكنة: ربما نعيش في مرحلة مبكرة من عمر الكون، قبل أن تنتشر الحياة في أرجائه. وقد أشار لورين إيسلي إلى هذا الاحتمال، قائلاً إنه يبدو «أنه لم يكن هناك وقت كافٍ بعد لكي يحدث كل شيء»، حتى في المجرات البعيدة.
وهكذا، مرة أخرى، فتحت حدود الماضي آفاقاً جديدة للمستقبل. ما أدركه بوفون على مستوى الأرض، بدأ يظهر الآن على مستوى الكون كله. أصبح من الممكن تخيل أن مستقبل الكون قد يكون مختلفاً تماماً عن ماضيه. فهل يمكن أن تكون الحياة نفسها هي الشرارة التي تصنع هذا الاختلاف؟
وكان البشر، في ذلك الوقت نفسه، يخطون خطواتهم الأولى نحو بناء الصواريخ. ومن هنا انبثقت ألغاز جديدة. أَنحن الأوائل الذين خطر لهم أن يلقوا بسفن فضائية نحو نجوم أخرى، فنكون—بذلك—وحيدين على نحو جذري في كون غير مكترث؟ أم أن آخرين لا حصر لهم حاولوا من قبل وفشلوا؟ لقد بدا أن الذرات والصواريخ يمكن أن تقود، معاً، إلى انتحار عالمي، تماماً كما قد تقود إلى هجرة بين النجوم.
وفي ستينيات القرن العشرين، بدأ مشروع البحث عن ذكاء خارج الأرض (SETI) لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة. لكن النتيجة حتى الآن كانت الصمت. لا إشارات، لا أصوات، فقط فراغ واسع. ومع بداية الألفية الجديدة، أظهرت الاكتشافات أن ظهور عقول مثل عقولنا ليس أمراً حتمياً. نحن نتيجة ظروف استثنائية نادرة، كما وصفها ستانيسلاف ليم بأنها أشبه بنتيجة «عجلات روليت كونية».
وربما لهذا السبب لا نسمع شيئاً. ربما نكون ببساطة الأوائل — كائنات غير متوقعة — تطرح هذا السؤال: هل نحن أول من وصل إلى هنا؟
وإذا كانت الحياة على الأرض حدثاً نادراً وغير مسبوق، فإن فقدانها قد يكون خسارة للكون كله. فإذا لم يكن هناك من سبقنا، فمن يمكنه أن يتنبأ بما قد نصبح قادرين عليه؟ لا يوجد نموذج نحتذي به، لكن لا يوجد أيضاً حد مسبق لما يمكن تحقيقه.
لقد استغرق الأمر آلاف السنين حتى نفهم أن الزمن له حدود، لكننا بدأنا فقط في استيعاب معنى ذلك. فعندما أدركنا أن الزمن عميق جداً، لكنه ليس بلا نهاية، فقدنا وهم الأبدية. لن تكون هناك إعادة، ولا فرصة ثانية في مكان آخر. الموت على الأرض هنا يعني النهاية. وبقدر ما نعلم، لا توجد عقول أخرى في الكون تنتظر أن تواصل ما بدأناه. لم يعد بإمكاننا أن نعتمد على فكرة أن أخطاءنا ستُصحَّح في مكان آخر. وكما قال إيسلي: «لن تُبنى المدن الذهبية لهذا العالم مرتين».
وعندما ندرك فنائنا الفردي — ذلك «الموت الأول» — نفهم أن لكل منا فرصة واحدة فقط. والآن علينا أن نتقبل أن هذا ينطبق أيضاً على الحياة نفسها، على مستوى الكون.
ورغم أن الرغبة في الخلود لم تختفِ، فإن البحث عنه أصبح أكثر تعقيداً. لم يعد في الكواكب الأخرى أو النجوم، بل في أفكار غريبة مثل العوالم المتعددة في فيزياء الكم. فبعد أن كان الإنسان يتخيل أن حياته قد تتكرر على أرض أخرى خارج النظام الشمسي، أصبح يبحث عن هذا التكرار في أكوان موازية.
وهكذا، كلما ابتعدت فكرة الأبدية عنا — من الأراضي المجهولة إلى حدود الزمكان — ازدادت خطورة اللحظة التي نعيشها الآن.
وإذا كان اكتشاف موقعنا في الفضاء قد قاد إلى الثورة الكوبرنيكية، فإن اكتشاف موقعنا في الزمن يقود إلى رؤية مختلفة تماماً. فالأولى علمتنا أننا لسنا في المركز، أما الثانية فتعلمنا أن وجودنا ذاته ليس مستقراً.
وإلى جانب ذلك، يبدو أن هذا الإحساس الجديد بموقعنا داخل الامتدادات الواسعة للزمن قد جاء في توقيت مناسب. فحتى وقت قريب، كان كثير من المفكرين يرون في «الزمن العميق» دليلاً على ضآلة الحاضر. وأمام هذه الأبعاد الهائلة، كان «الآن» يبدو كأنه يتلاشى، وتذوب آثاره في تيار زمني أطول لا يكترث بما يمر به.
غير أن هذا التصور — رغم وجاهته الظاهرة — غير دقيق. فما يحدث في هذه اللحظة قد يترك آثاراً لا يمكن محوها؛ آثاراً لم تكن حتمية، لكنها ستظل محسوسة عبر أزمنة طويلة. فالزمن ليس عميقاً فقط، بل هش أيضاً. وهذه الفكرة المدهشة تتطلب منا أن نفهمها سريعاً. إما أن نتصرف على أساسها الآن، فنحمي مستقبلنا، أو لا يكون هناك مستقبل من الأساس. فنحن لا نملك رفاهية التكرار اللانهائي.
وقد يشعر البعض بالإحباط حين يفكرون أن كل شيء سينتهي في النهاية. لكنهم يغفلون حقيقة مهمة: أن الأثر الدائم لا يكون إلا في عالم له نهاية. فالديناميكا الحرارية تخبرنا أن الطاقة القابلة للاستخدام في الكون محدودة، وأن كل فعل — مهما كان — يستهلك جزءاً منها. وهذا يعني أن عدد الأفعال الممكنة محدود، مهما بدا كبيراً. وبالتالي، فإن اختيارك لفعل معين دون غيره يترك أثراً كونياً دائماً، حتى لو بدا هذا الفعل بسيطاً. لأن أي محاولة لعكس هذا الأثر تحتاج إلى طاقة، والطاقة ليست بلا نهاية.
ومن هنا، إذا كان الدرس الأول هو أن الوجود نفسه له حدود، فإن الدرس الأعمق هو أن هذه الحدود هي التي تمنح أفعالنا معنى دائماً. ففناء العالم هو ما يمنح تأثيرنا شكلاً من أشكال الخلود.
وهذا لا يقتصر على الأهداف الكبرى فقط، بل يشمل أيضاً الأفعال البسيطة. ويمكن أن نسمي هذا «قانون الطاقة»: لا تهدرها. استخدمها في ما هو جميل، وما يمنح الحياة بهجة ومعنى. لأن كل لحظة نضيعها دون ذلك تجعل هذا الكون، إلى الأبد، أقل حيوية وأقل جمالاً مما كان يمكن أن يكون.
ولهذا، فإن فكرة الفناء — حتى حين تمتد إلى ما هو أعظم من وجودنا الفردي — ليست مدعاة لليأس، بل قد تكون دافعاً قوياً للحياة. وكما يتقبل الطفل فكرة موته في مرحلة ما كجزء من نضجه، فقد يكون تقبلنا لهذه الحقيقة جزءاً من نضجنا نحن أيضاً.
وفي النهاية، فإن فكرة الأبدية قد تُثبط العزيمة وتُفرغ الأفعال من معناها، بينما الفناء يعلّمنا قيمة الاختيار. فهو يذكرنا بأن قراراتنا الآن لها وزن حقيقي. وإذا كان ثمن الخلود هو فقدان هذا المعنى، فالأجدر بنا أن نختار المعنى في كل مرة.
مترجم من Aeon بقلم توماس موينيهانس هو باحث منتسب في مركز جامعة كامبريدج لدراسة المخاطر الوجودية، وكذلك باحث منتسب في مركز أبحاث أنتيكيثيرا التابع لمعهد بيرجروين.
إذا أردت أن تُدّعم المحتوى الثقافي المقّدم لك بثمن كوب قهوة فهذا يسرنا كثيراً، فقط اضغط على الزر التالي




محتوى جدا جميل بتوفيق
طويييلللل لكن ساعود لقراءته🦋