الرجل اللحمي من سهول فار وايد - قصة قصيرة
قصة لـ ديفيد آر. بانش
كان السكون يملأ الحصن يومها، وكنت قد علّقت الفئران من ذيولها على لوحة الصراع، أتأملها بمتعة باردة، وأفكر كم يكون الإنسان سعيدًا حين ينفرد بلعبه، بعيدًا عن ضجيج الآخرين.
كدت أنهض من كرسيي — ذلك الكرسي الذي طال التصاقي به حتى صار جزءًا من جسدي — لأستدعي القط المعدني الجديد، حين انفجر صوت المحذّر فجأة، عاليًا حادًّا، حتى ارتجت له الجدران.
أسرعت إلى جدار المراقبة، حيث تصطف الأسلحة كأصابع مستعدة للبطش، وضبطت عدسة الرصد على أبعد مدى، ثم أطلقت بصري عبر التلال البلاستيكية الزرقاء الممتدة خارج الحصن.
وهناك رأيته.
لا أدري إن كان رجلًا، أم ظلّ رجل، أم مجرد شيء صغير يتقدّم من بعيد.
لم يأتِ من وادي الساحرة البيضاء، جهة الخطر التي لا أنام عنها، بل من سهول «فار وايد» البعيدة، تلك الأرض التي لم يأتني منها زائر منذ خمسة عصور تقريبًا.
كان يسير منحنياً، ببطء شديد، كضفدع يتحسس الأرض أمامه:
خطوة… ثم توقف…
طق…طق…
خطوة أخرى…
كأن كل شبر يقطعه مغامرة يخشى عاقبتها.
وأثار منظره في نفسي ضيقًا غريبًا؛ إذ ذكّرني بالمشي كما ينبغي أن يكون: خطوات واسعة، وأكتاف مرتفعة، وأسلحة تضرب جوانب الأجساد، وعربات حديدية تجر مطارقها وفؤوسها، وجنود يسحقون ما تحت أقدامهم دون التفات.
أما أنا، فلم أعد أمشي كذلك.
أنا من «موديران»، حيث تعلم الناس أن يستبدلوا القوة بالبدائل. أمشي بعرج أثقل من عرج أكثرهم، وأتقدّم ببطء مؤلم، بوصة بعد بوصة، فوق الساحات البلاستيكية الباردة. وما زال داء قديم يسكن مفاصلي، يذكرني كل يوم بما صرنا إليه.
ومع ذلك، فأنا من الأوائل… من أوائل أهل موديران.
ولذلك ما زلت أذكر.
في دمي الأخضر الشاحب، وفي شرائط اللحم المختبئة تحت جلدي، بقيت ذاكرة قديمة تعرف كيف كان المشي يومًا: اندفاعًا هائلًا، ومطارق تهوي على جماجم الأعداء، وعظامًا تتكسر تحت الأقدام الحديدية، وكائنات صغيرة تُسحق بلا اكتراث.
لكن ذلك القادم…
همف.
لم يكن يشبه المحاربين في شيء.
كان أشبه بزهرة زنبق بيضاء، منحنية الرأس، تتحرك وسط الخراب بخجلٍ لا يليق بهذا العالم. وسألت نفسي: ما الذي جعل المحذّر يهتم به إلى هذا الحد؟
ثم تذكرت أن المحذّر لا يغفل عن شيء يقترب من الحصن؛ حتى الزهرة عنده قد تكون خطرًا.
ولهذا دوّى صوته:
«استعدوا للتطهير!»
كان الرجل قد بلغ الجدار الخارجي، عند بوابة الفحص، فوجهت نحوه المطهّرات ومجسات الأسلحة. وفي اللحظة نفسها اندفعت ذراعان معدنيتان من الجدار، قبضتا عليه وثبتتاه أمام البوابة. لذلك، لم تكن صيحتي إلا إجراءً أخيرًا من باب العادة.
بدأت عملية التطهير.
اندفعت الأبخرة الحارقة، ومرّت المجسات فوق جسده، تبحث عن أي أثرٍ للتلوث أو الخداع. وبعد لحظات طويلة، أعلن النظام سلامته.
عندها فقط، انفتحت الأبواب الحديدية الواحد تلو الآخر، وتراجعت الجدران الإحدى عشرة إلى الداخل، مفسحة الطريق لذلك «الزنبق» الغريب.
تقدّم بخطواته الصغيرة المرتبكة، حتى صار داخل القاعة.
فقلت له:
«مرحبًا بك، أيها المسافر الغريب القادم من فار وايد.»
وقف أمامي مرتجفًا داخل حذائه القماشي الناعم، كأن الوقوف نفسه يرهقه، ثم قال بصوت خافت: «اعذرني… إن بدوت متوترًا.»
نظر إليّ بعينين زرقاوين طريّتين، كأنهما كرتان من لحم حيّ، فيما كانت أصابعه تعبث بلحيته الحمراء المشذبة على هيئة كأس. ودهشتُ من «البدائل» التي رفضها؛ من تلك الأجزاء القديمة التي أصرّ على الاحتفاظ بها في جسده، كأنما يتشبث ببقايا زمن انقرض.
وللحظة خاطفة — لحظة عمياء مضطربة — خُيّل إليّ أن قلبه ما يزال ينبض داخل صدره.
لكنني طردت الفكرة فورًا.
لا… ليس في هذا العصر المتأخر.
ليس في «موديران».
قال، وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه:
«ذلك المشي… لا يهدأ سريعًا. يحتاج الجسد وقتًا طويلًا حتى يصدق أنه توقف. أن تصل أخيرًا إلى هنا… لا أستطيع أن أصدق الأمر كله. عقلي يفهم، نعم… لكن ساقيّ المسكينتين ما تزالان تظنان أن الطريق لم ينته بعد. ومع ذلك… أنا هنا.»
قلت:
«نعم… أنت هنا.»
ثم ساد الصمت بيننا، وسألت نفسي: ماذا الآن؟
تذكرت الفئران المعلقة على لوحة الصراع، وتذكرت القط المعدني الذي ينتظر استدعائي، وشعرت بشوق خفي إلى أن أعود إلى لعبتي. لكن الزائر يظل زائرًا، والمضيف — في العادة — هو الضحية التي يُفرض عليها الاحتمال.
فسألته:
«هل أكلت؟ هل أخذت حقنتك الوريدية؟»
قال:
«أكلت.»
ثم رفع عينيه نحوي بطريقة أقلقتني، وأضاف:
«لكنني لم آخذ الحقنة.»
ومنذ تلك اللحظة، بدأ القلق يتسلل إليّ ببطء.
كان واقفًا على ساقين نحيلتين ترتجفان قليلًا، بينما عيناه الزرقاوان تتقدمان نحوي بحذر، كأنهما تنتظران مني شيئًا لا أعرفه.
ثم قال مرة أخرى، بصوت يكاد يكون مبهورًا: «أنا هنا!»
فأجبته: «نعم.»
ولم أكن أعرف ماذا يمكن أن يقال أكثر من ذلك.
ثم سألت، فقط لأدفع الحديث إلى أي اتجاه:
«أتريد أن تحدثني عن رحلتك؟ عن الطريق… وعن المشقات التي مررت بها؟»
فبدأ يحكي.
وكان حديثه طويلًا، كئيبًا، يشبه نشيدًا يُتلى في نهاية العالم. تكلم عن السير الذي لا ينتهي، وعن آمال صغيرة بالكاد تبقي الإنسان واقفًا، وعن سبب غامض ظل يدفعه إلى الأمام، حتى حين أوشك على الاستسلام.
قال إنه كاد يتوقف في جبال «سبوس».
ثم تحدث عن شيء ظل يلمع أمامه طوال الطريق، كوميض ضوء يتسلل من شق في جدار حديدي بعيد.
وقال، وهو يحدق في الفراغ:
«اعبر الجدار… وستصل إلى ذلك الضوء كله. اعبر الجدار…»
ثم نظر إليّ فجأة، كأنه ينتظر مني تتمة ما.
فسألته:
«ولماذا كدت تتوقف في جبال سبوس؟»
انتفض بعنف، وقال:
«لماذا كدت أتوقف؟! هل جرّبت جبال سبوس يومًا؟»
اعترفت بأنني لم أفعل.
فقال بصوت منخفض:
«إذا لم تجرّبها…»
لكنه لم يُكمل.
اهتز جسده برجفة حادة، أعنف من أن تصفها الكلمات، ثم هدأ قليلًا، وسألني فجأة: «أين الآخرون؟»
قلت:
«أي آخرين؟»
قال، وقد أشرق وجهه الأبيض النحيل برجاء ساذج:
«أوه… لا بد أن هنا جماعات كبيرة. لا بد أن صفوفًا طويلة تنتظر!»
ثم مال نحوي بلهفة طفل، وسأل: «إنهم في غرفة الابتسامة… أليس كذلك؟»
وفي تلك اللحظة، شعرت بأصابعي الفولاذية تتوق إلى سحقه، كما تُسحق دودة رخوة تحت حذاء ثقيل.
كان فيه شيء يثير نفوري:
هذه النعومة المفرطة…
وهذه الثقة المتوسلة…
وذلك الرجاء الضعيف الذي يناقض كل ما أؤمن به؛ صلابة المطرقة، والمشي العظيم، والأذرع المتأرجحة في ساحات الحرب.
فانفجرت فيه قائلًا: «لا توجد هنا غرفة ابتسامة! ولا صفوف تنتظر!»
لكنه — وكأن فكرة السحق نفسها لا تخطر له — ابتسم تلك الابتسامة الصغيرة الصافية، وقال في هدوء مدهش:
«إذن فهي آلة عظيمة… لا بد أنها كذلك. كبيرة جدًا… بعد كل تلك الآلات الصغيرة… أخيرًا.»
فحدقت فيه، وقلت في نفسي:
ما هذا الكائن؟
أهو مجنون؟
أم ضلّ طريقه إلى عالم آخر؟
ثم قلت له ببرود:
«يا سيدي، لا أفهم ما الذي تتحدث عنه. هذا بيتي. هنا أحاصر الخطر بالجدران، وأحاصر المتعة بالجدران أيضًا… متعتي أنا. هذا حصن.»
وما إن سمع كلمة «حصن» حتى اضطرب شيء في وجهه. ارتجفت عيناه الزرقاوان داخل شحوبه، وانحنى رأسه كأنما يتبع سقوطهما، ثم انفرج فمه بذهول، كأن سحابة خفية مرّت فوق روحه.
وقال ببطء:
«حصن…؟
كل هذا الطريق… من أجل حصن؟
لا… لا يمكن لآلة السعادة أن تكون داخل حصن.»
ثم اندفع الكلام منه دفعة واحدة، كما لو أن بابًا قد انفتح فجأة في ذاكرته:
«الأمل وحده هو الذي أبقاني حيًا. لقد قيل لي… في جبال سبوس، تلك الجبال الضبابية الخطرة، حين انقضّت عليّ غلوون غلايز بأجنحتها الرطبة ومناقيرها الحادة — نهضت ومشيت. وفي صباح بائس تغسله الأمطار، استيقظت محاطًا بمخلوقات الوويبِغاونغونز، جلودها متورمة وأنيابها طويلة. كان أسهل عليّ أن أبقى نائمًا حتى يمزقوني ويفتحوا علبة روحي بالموت… لكنني قمت. تذكرت النبوءة، لففت عباءتي، ومشيت… ومشيت… وتركتهم خلفي يحدقون بأسنان فارغة. كنت أفكر في الغاية… والآن أكتشف أن كل شيء كان حلمًا! لقد خُدعت! خذني إلى آلة سعادتك!»
كان يهذي.
أخذته رجفة هستيرية، وراح يكرر أنه يريد أن يجلس داخل آلة مضبوطة على الجمال، والحقيقة، والحب… وأن يكون سعيدًا.
وكان ينهار أمامي شيئًا فشيئًا.
عندها شعرت أن عليّ أن أستجمعه، وأن أدفعه إلى المحاولة من جديد، بعيدًا عن جدراني.
فقلت له:
«يا سيدي… لا شك أنك عرفت السحب الثقيلة، والشمس حين تخذل، والفجر الرمادي المغسول بالمطر في زمن اليأس. لقد وقفت — وأنا أصدقك — في قلب الكارثة، بين سكاكين الشدائد، ولم يكن معك إلا نفسك. لم تكن هناك جيوش تنتظرك، ولا أقارب يجمعون المال من أجلك في بلاد بعيدة. وربما لم يكن لك أبناء ينتظرون عودتك، ولا حتى أرملة تبكيك إن سقطت في الطريق. ومع ذلك، تحديت كل ذلك وخرجت من دائرة الهلاك وتقدمت.»
ثم أضفت، بعد صمت قصير:
«أنا معجب بك… وآسف حقًا لأنني لا أملك ما تبحث عنه. ومع أنك — في نظري — نوع من الجنون، لأنك ما زلت تجوب العالم بهذا الجسد الضعيف بحثًا عن شيء نقي قد لا يكون موجودًا أصلًا، فإنني أتمنى لك الحظ.»
ثم ضغطت الأزرار، فانفرجت الأبواب، وتراجعت جدراني الحديدية، مفسحة له الطريق.
وقلت:
«اذهب… فلعلّك تجد، خلف الجبال والأرض القاحلة، تلك الآلات التي تصرخ طالبًا إياها.»
ارتجف حين ذكرت الجبال.
لكنه خرج.
ورغم يقيني بأنه لن يجد شيئًا في الطريق الذي اختاره، فإنني لم أستطع أن أنساه.
ما الذي يدفع مخلوقًا بهذا الضعف، قليل العدة، واضح الهشاشة، إلى أن يأمل في أعظم الأشياء: السعادة؟
والأغرب من ذلك كله، تصوره لها:
آلة سحرية، مضبوطة على الجمال، والحقيقة، والحب، تنتظره في نهاية طريق طويل.
لو سمعت حديثه وحده، لظننت أن السعادة تقوم على أشياء رقيقة كزهرة زنبق.
ما أغرب ذلك.
القوة هي الفرح.
القوة هي المتعة.
ثق بالجدار السميك.
ثق بالمحذّر.
ثق بالمشاهد والأسلحة.
ومع هذا…
فإني، أحيانًا، رغم إرادتي، أفكر في ذلك الرجل الصغير، وأتساءل: أين صار الآن؟
وحين أكون في راحتي، أغذي شرائط لحمي بالسوائل المعقدة عبر الحقن الوريدية، وأدرك أنني — عمليًا — أستطيع أن أعيش إلى الأبد بفضل سبائكي المعدنية الجديدة، يتسلل إليّ قلق خفي، فأحاول أن أزن حياتي.
كل آلاتي تعمل بإتقان.
تزأر تحت الحصن وتخدمني بلا خطأ.
نعم…
أنا راضٍ.
أنا مكتفٍ.
وإذا أردت شيئًا من الابتهاج، خرجت فهدمت جدار أحد الجيران، أو عبثت بمحذّره، ثم نتقاتل من داخل حصوننا، نضغط أزرار الفناء في نشوة صاخبة.
وأحيانًا أبقى هنا، وأصنع لنفسي لذّات صغيرة قاسية.
أما تلك الأشياء التي ذكرها رجل اللحم — الحقيقة، والجمال، والحب —
فإني أكاد أوقن أنه لا توجد آلة تمنحها.
بل إنني، في أعماقي، شبه متأكد…
أنها لا وجود لها أصلًا.
كتب ديفيد آر. بانش هذه القصة عام 1959، في بداية سلسلته الشهيرة Moderan، التي تصور عالماً ما بعد الإنساني حيث يستبدل البشر أجسادهم بالمعادن والآلات ليصبحوا أقوى وأكثر دواماً... لكنهم يفقدون شيئاً أعمق.
في ‘الرجل اللحمي من سهول فار وايد’، يقابلنا بانش بأحد أكثر أبطاله غرابة وإنسانية: زائر ضعيف يبحث عن ‘آلة السعادة’ في عالم يعبد القوة والجدران. القصة ليست مجرد خيال علمي؛ إنها سؤال قاسٍ عن معنى السعادة، وعن الثمن الذي ندفعه عندما نختار السلامة على حساب الإنسانية.
بانش، بأسلوبه الشعري المظلم والساخر، يدعونا لنتساءل: هل نحن حقاً نعيش في ‘Stronghold’ آمنة، أم أننا محاصرون داخل جدراننا الخاصة؟



